نحن واستشراف المستقبل .. مشروع حضاري بحاجة للإنجاز

بقلم: د. علي عبود المحمداوي
البحث في المستقبل

علم المستقبليات: (علم لبناء مشروع حضاري)

استشراف المستقبل ودراسته وما له من أهمية في حياة الإنسان ومجالات السياسة الدولية ومصالحها كل ذلك جعل منه موضوعاً مهماً وحيوياً، وعلى أساس تلك الأهمية خصصت له عدداً من مراكز للبحوث والدراسات الإستراتيجية وجمعيات ومنظمات أخذت على عاتقها الاهتمام بهذا العلم والعمل من اجله، "وبالرغم من أن الخبرة الإسلامية لا تزال متواضعة بالقياس إلى التقدم الذي أحرزته الدول الأخرى في هذا المجال"، وكذلك الواقع الفكري للعرب والمسلمين والذي يجعلهم حبيسي الماضي والتراث أكثر من أن يكونوا متطلعين إلى بناء مستقبل خاص أو نظرية فيه، أو محاولة لصناعته "إلا أن محاولة التعرف على المستقبل والاهتمام به لم تكن وليدة عصرنا هذا أو من إبداعات الفكر الغربي على وجه الخصوص، وإنما هي مسألة طبيعية بدأت منذ أن انفتح الإنسان القديم على أسرار الطبيعة وبدأت علاقته بالوجود".

البحث في المستقبل الغايات والأهداف

والبحث عن الغاية والهدف من الوجود والبحث عن السعادة وتنظيم العمل والأفكار في سبيل المستقبل الأفضل إنما هي أفكار فلسفية قديمة متجددة، وبذلك فان

الموضوع اخذ أهميته من جهة كونه مسألة فلسفية ملحة ولحاجة الإنسان دائما إلى تفسير الوجود والبحث عن غايته كما قلنا آنفاً، فأساس فكرة البحث والتنظير والتخطيط لمستقبل ما (هدف إنساني سابق بالقدم) لا يجعل ممن يتناوله بالبحث والدراسة مقتصراً عليه وحكرا لانتماء الثقافي أو الفكري الخاص.

وعلم المستقبل (Futurology): هو علم يهدف إلى توقع الأحداث القادمة والاستعداد لها ومحاولة التأثير فيها، وكذلك تطوير طرق أفضل للتفكير في عالم الغد، وكذلك هو دراسة وتوقع وتأمل وارتياد وبحث لأحداث الغد المتوقعة، وهو كانت دائماً محوراً رئيساً للأحوال الإنسانية فبقاء الإنسان نفسه يعتمد إلى حد كبير جداً على قدرته الواعية على تنظيم الأحداث الحالية في ضوء الخبرات السابقة والأهداف المستقبلية.

علم المستقبليات والعالم الإسلامي والعربي

وفيما يخص عالمنا الإسلامي والعربي، فإن الكتابات في هذا المجال ظهرت مؤخراً وتعد نادرة إذا ما قورنت بالآخر (الغربي)، ولا يعني ذلك إن الاهتمام باستشراف المستقبل مسألة مقصورة على المجتمعات الغربية، إذ إن التفكير في المستقبل احد أهم الهواجس التي شغلت فكر الإنسان منذ بداية ظهوره على سطح الأرض في العصور المبكرة وخلال كل مراحل التاريخ فقد كان الإنسان يرصد دائماً الإحداث التي تدور حوله ويعمل على استشراف التغيرات المستقبلية، وبعد أن انتبه الأنا الإسلامي - العربي إلى أهمية علم المستقبليات والدراسات المستقبلية وتبين له انه يمكن أن يكون بديلاً جيدا عن أفكار الواقع الديني والقومي القائم على أساس التراث المقدس - الذي لا يغيَّر ولا يطوَّر - فكان لزاماً عليه الالتفات إلى انه إذا أراد أن يبني مستقبل أو ينظر له، فيجب أن تكون البداية من الآن ومن التوجه والنظر إلى واقعنا قبل النظر إلى الآخر (الحضاري) ونقده، وتنطلق المستقبليات من منطلق قدره المعلومات في المساعدة على رسم صورة المستقبل،‏ وإن لم يفكر أبناء الحضارة لمستقبلها فكر ورسم الآخرون لها؛ تحت هذه المقولة لا بد وان ننظر لحقل أو علم المستقبليات ونقدم فيه ما من شأنه أن ينأى بنا عن موقع التخلف والانغلاق والجهل‏، والمقصود هنا إن هذا العلم في خدمه المفاوض والمخطط الاستراتيجي لدولة أو جماعة ما‏، ومن هذا يتبين ما لهذا العلم من أهمية في رسم صورة المستقبل بشأن الهوية اولاً والعلاقة مع الآخر ثانياً.

وقدمت في هذا المجال دراسات عدة من مفكرين عرب وإسلاميين تهدف إلى بناء مشروع نهضوي مستقبلي، مشروع حضاري لا على أساس الواحدية التي تنفي الآخر بل على أساس مشروع حضاري إسلامي يقبل الآخر كموجود معترفاً به متسامحاً معه قابلاً لوجوده ككيان منفصل بهويته متصلا بتعامله وقبوله الآخر، واخترنا من هذه المشاريع مشروعين هما:

1) مشروع الجابري وعلم مستقبلات خاص بنا: يرى محمد عابد الجابري أن عدم تمكننا من تقديم فلسفة للتاريخ تعطي معنى لحاضرنا هو احد أسباب عجزنا عن التخطيط لمستقبلنا، ذلك لان أية فلسفة للتاريخ ليست قيمتها في ذاتها فهي لا تقدم معارف علمية عن الماضي بل كل قيمتها بما تقوم به من دور في الحاضر، وبحثاً عن تحديد لأهمية فلسفة التاريخ التقدمية أو ما يمكن أن تقدمه فلسفة التاريخ من فائدة أو اشتراك مع الدراسات المستقبلية التي تعد بالتقدم والنهوض، يتعرض إلى بحث فكرة فلسفة التاريخ عند كل من ابن خلدون وكوندرسيه، فهو يعتقد أن حاجة العرب لفلسفة التاريخ برزت مع ابن خلدون يوم كان حاضر الوطن العربي والإسلامي يشهد تغيرات متلاحقة مزدحمة. ولما كانت هذه التغييرات تعكس في اتجاهها العام "تراجعاً" وليس تقدماً فلقد اتجه صاحب المقدمة إلى تفسير التراجع لا التقدم. ومن هنا كانت فلسفة التاريخ الخلدونية فلسفة للتراجع، في حين كانت فلسفة التاريخ عند مفكري أوروبا في عصر النهضة والتنوير فلسفة للتقدم، ويتبين لنا مدى التفاؤل والأمل الذي يتمتع به مفكر تلك الفترة، مع كون الظروف مشابهة لظروف ابن خلدون مع اختلاف نتيجة كل منهما، وان السعي والتقدم والطموح هو ما يحكم الفكر الأوربي حينها على الخلاف تماماً من فكر ابن خلدون الذي تصور إن العالم قد انتهى.

بريشة الفنان محمد حجي

ومع علم المستقبليات نجد أن الجابري يبني تخوفاته من هذا العلم ولاسيما الذي يطرح اليوم بشكل منظم ومستوفي لشروط التنظير والتخطيط إذ يعتقد إن "علم المستقبلات كما يطبق في الغرب اليوم، هو بالنسبة إلينا شعوب العالم الثالث، علم مخيف يبشر بالكارثة، بالانحطاط، والانقراض "ذلك لأن الانطلاق من معطيات الحاضر العربي الذي يسوده التمزق الاجتماعي والتخلف الفكري وخاضع للهيمنة الإمبريالية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وأيديولوجيا، لا يمكن أن يسمح لعلم المستقبلات ولا لأي علم آخر يعترف بمعطيات الواقع الراهن كحقائق موضوعية نهائية ومن ثم يعمل على إسقاط ممكناتها على الغد القريب والبعيد أن يقدم لنا عن المستقبل إلا صورة طبق الأصل عن الحاضر نفسه، إن لم تكن اشد شؤماً وأكثر ايلاماً وهي في جميع الأحوال لا تبعث على الأمل ولا تقود إلى العمل وعليه يرى الجابري انه يجب أن يكون لنا علم مستقبلات خاص بنا يبشر بالأمل ويحفز على العمل ويقول: "نحن بحاجة إلى أن نعيش مستقبلنا في حاضرنا ومتكئين على ماضينا"، ولكن ليس مجرد حلم نهضوي مهلهل قابل للتفكك والتبخر تحت أي صدمة أو كابوس بل كحلم فلسفي عنيد، حلم يصر على تحويل التاريخ، حلم يقوم بوظيفة التطهير والإعلاء فيحقق للذات الحالمة ما هي بحاجته من الاستواء والطمأنينة والاتزان ومن ثم تحويل الحاضر، كما يقول الجابري إلى جسر يصل بين المستقبلين: يدمج الماضي في المستقبل ويجعل المستقبل ميداناً لتحقيق الماضي واعني إنجاز ما ممكن تحقيقه فيه ولم يتحقق.

ويصل الجابري إلى نتيجة صياغة المشروع الحضاري العربي الذي يعده مشروع الماضي ومشروع المستقبل إذ عبر عنه بالنزوع إلى تحقيق أهداف ثلاثة هي: الوحدة والتمدين والعقلنة. ويرتبط عرض فكرة الجابري عن مشروع الوحدة العربية وتمدينها وعقلنتها بفكرة نقد الذات ومراجعتها وتنظيم امورها وهذا النقد كفيل باصلاح الرؤية نحو الآخر.

2) وفي المشروع الديني الإسلامي الحضاري يرى زكي الميلاد أن الدراسات المستقبلية في عالمنا العربي والإسلامي لن يتأتى له النهوض والتقدم إلا بشرطين أساسيين هما:

أولاً: أن يرتفع العالم العربي والإسلامي بنفسه خطوات نحو التقدم العلمي، فالبلدان العربية والإسلامية ما لم تشهد تقدماً ملحوظاً في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية وحتى الطبيعية والتطبيقية فإن نمو الدراسات المستقبلية وتطورها لا ينفصل وتقدم هذه العلوم، والتراجع الذي نلاحظه في ميادين العلوم إنما يكرس تراجعاً اشد في حقل الدراسات المستقبلية.

ثانياً: إن مجالات البحث العلمي والدراسات المستقبلية بحاجة إلى دعم مالي يلبي كل حاجات ومستلزمات البحث والباحثين والاستعداد في العالم العربي والإسلامي لهذا الدعم لا يزال ضئيلاً ومحدوداً، وبعد أن يناقش الميلاد مسألة حاجة عالمنا الإسلامي إلى علم المستقبليات والأسس التي تدعم قيام هذا المشروع نجده يصل إلى خلاصة أفكار ومناقشات يضعها في عدة نقاط لتأسيس علم مستقبليات إسلامي ويناقش فيه الوضع الراهن للعالم الإسلامي ومدى تأثيره السلبي إن استمر على ما هو عليه على الإسلام، هادفا إلى تأسيس علم للمستقبليات يهتم بالشأن الإسلامي كنظرية بحاجة إلى تطبيق فعلي بعيداً عن واقع العالم الإسلامي المرير، ويضع كل ذلك بعدة نقاط وملاحظات منها: إنه لا تزال قدرتنا في العالم العربي والإسلامي على دراسة المستقبل ومستقبل الإسلام والعالم الإسلامي على وجه التحديد تعاني من ضعف وقصور، فهنالك حاجة ماسة إلى العناية بالدراسات المستقبلية الإسلامية وتطويرها في المؤسسات العلمية في المجتمعات الإسلامية وغني عن القول إن الدراسات المستقبلية الإسلامية لا يمكن أن تتم بصورتها المثلى إلا إذا تمت من خلال مراكز البحوث العلمية المتخصصة وإن مستقبلنا يجب أن نصنعه نحن بأيدينا لا أن يصنعه الآخرون لنا، ونبتكره من داخل حضارتنا وهويتنا وثقافتنا، لا من داخل حضارة وهوية وثقافة الآخرين، والمستقبل الذي نريده لأنفسنا، ليس هو بالضرورة المستقبل الذي يريده الآخرون لنا، ونحن من يجب أن نختار طريقنا إلى المستقبل، لا أن نقع في طريق الآخرين (بوعي أو من دون وعي)، ونعتبره هو طريقنا إليه ويكفي أن نتعلم من الماضي والحاضر كيف نبني مستقبلنا، وبملخص للنقاط الأخرى التي يسردها الميلاد نجده يرى بان العالم الإسلامي بحاجة ماسة وملحة إلى إصلاحات على جميع الأصعدة العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وعلى المسلمين إعادة المكانة والقدسية والاحترام للعلم لأنه مع العلم توجد الحضارة والعكس صحيح، كما وعى العالم الإسلامي الافادة من تجارب العالم الحضارية، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الإسلام لديه القدرة الكبيرة على البناء والعمران وصنع التقدم والحضارة، والمستقبل هو الأمل الذي ينبغي أن نبتكره بأنفسنا لبناء حضاري جديد في ظل عالم متغير، وقد صحت مقولة إن المستقبل يبدأ من الآن ومن هنا ينبغي أن نبدأ.

لذا ونحن إذ نفكر في المستقبل، إنما نحاول في ذلك أن نستعد لمواجهة الحوادث والطوارئ المتوقع منها أو الغير متوقع، ويجب أن يكون ذلك الاستعداد من الأهمية بقدر ما نحاول من قراءة الأحداث وتشخيص الواقع الحاضر، فالمستقبل ليس مشروعاً مطلقاً وعاما ًجاهزاً للتطبيق، وإنما هو ما نصنعه نحن بأنفسنا (علي حرب)، وعالمنا عبر ما ننتجه من الواقع والحقائق، فهو قدرتنا على ابتكار الجدد والمهم غير المسبوق، مستقبلنا إذن؛ هو رهاننا على أن نغير مما نحن فيه فكراً وممارسة نظريةً وتطبيقاً ولكي نغير علاقاتنا بذواتنا وبالواقع ولذا فمن يفكر في أمر المستقبل لا يرجم بالغيب، وإنما يحاول أن يقرأ ما يحدث ليسهم في تشكيل العالم وصناعة مشاهده وأحداثه.

د.علي عبود المحمداوي ـ مدرس الفلسفة في كلية الآداب – جامعة بغداد