نحن هنا وأنتم زائلون

بقلم: أحمد عبدالله

تستخدم مجموعة الاخوان المسلمين في الإمارات أسلوبا معتادا في التغطية على أهدافها. فبفعل استعمالها للطروحات والموضوعات الهلامية، حاولت وتحاول التعمية على مساعيها الحقيقية والتي تتلخص بهدف سياسي سلطوي يرتدي عباءة الإسلام. ضعف هذه المجموعة يدفعها إلى عدم التصريح وتحاول بالتلميح أن تحقق أهداف الإسلام السياسي المعلنة في غير بلد، لكنها تتداولها بشكل خفي في الإمارات.

لكن ثمة استثناءات تكشف المستور؛ ففي معرض دفاعه عن "إخوانه"، انزلق الدكتور يوسف خليفة اليوسف إلى كشف ما في الصدور: أجندة الاخوان في الإمارات هي نفسها أجندتهم العالمية والتي تقوم على هز مسلمات الوطن من أجل الوصول إلى الغاية.

في خضم حماسته، بوصفه أستاذاً جامعياً "أدرى" من غيره، لم يحاول اليوسف أن يعالج ولو شكلياً التناقضات التي حفلت بها مقالته الأخيرة والتي نشرها على "معلقته" وحملت عنوان "الإمارات من حكومة بلا شعب إلى حكومة بلا ارض!". (سأترك الأخطاء اللغوية الكارثية في المقالة لأن من الواضح أن أستاذنا الجامعي لا يعرف الفرق بين الفاعل والمفعول، أو أن لغة القرآن فيها الرفع والنصب والجر، المبني والمعرب).

لوهلة، ما صدقت ما قرأت. فالصورة التي يرسمها اليوسف لوطننا هي صورة البلد البوليسي حيث تضيع الحقوق وتهدر الثروات ويحتل الأجانب أركانه في انتظار إشارة البدء للاستيلاء عليه.

الإمارات، بحسب اليوسف، في وضع وجودي خطير يتمنى فيه أن تكون حالها حال مصر والسودان. هكذا، حال مصر والسودان.

بلد الأمان والرخاء صار في وضع "متراجع" يتمنى فيه هذا الاخونجي أن تصيبه بركات الحرب الأهلية في السودان والتي مزقت البلاد إلى ثلاثة أجزاء متصارعة فيما بينها، أو أن تتقاذفه الهزات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كحال مصر حيث لا يأمن المسيحي على نفسه من بطش الإسلاميين، ولا يأمن الاخونجي مما يضمر له السلفي. عجلة التنمية المطردة في الإمارات صارت محل تساؤل مقارنة بعجلتي التنمية في مصر والسودان. و"مشاكل" الإمارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عصية على الحل مقارنة مع سهولة حل مشاكل مصر والسودان (يقترح مثلاً بكل سذاجة صب النفط على الأرض لتنبت زرعاً تأكل منه الملايين المحرومة هناك).

لا يحاول اليوسف أن يتوقف عند أي من المحطات الإيجابية في مسيرة دولة الإمارات منذ تأسيسها قبل أكثر من أربعة عقود. لا يريد أن يقول مثلاً كيف تمكن البدوي، وبفضل الاستثمار المذهل في التعليم، أن يمتلك ناصية المعرفة وأن يخوض في الاقتصاد العالمي مستثمراً وفاعلاً. لا يتعب نفسه في التفكير كيف أن القيادة الحكيمة لهذا البلد (الذي يحاول عامداً التقليل من شأنه) قد نأت بالبلاد والشعب من أزمات سياسية وإقليمية كبيرة سحقت بلاداً مجاورة كالعراق واليمن. كل ما يهمه من الأمر هو أن يأتي إلى السلطة منْ "يبخِّره" القرضاوي (العالم الجليل على حد وصفه دون أن يسميه بمسماه الحقيقي وهو العميل الأجير لدى البلاط الأميري القطري).

يتحدث اليوسف عن "الاستبداد" في الإمارات. والاستبداد، في رأيه، هو تكميم أفواه الاخوان التي ما تنطق إلا بما يأتيها من الخارج. وهو إذ يهرب من كلمة الديمقراطية لغاية في نفسه في عموم المقال، إلا أنه لا يرى في طريقة الحكم المباشرة التي يمارسها حكام الإمارات وشيوخها شيئاً من المشاركة السياسية.

وليزيد اليوسف في عمق حفرة الجدل الساذج في معلقته، يضرب الكويت مثالاً لأهمية التغيير الذي يستقي الدستور؛ فاستبعاد سعد العبدالله من الحكم كان "دستورياً" ومن خلال الرجوع إلى البرلمان. تلك اللعبة البرلمانية التي جاءت تلبية لترتيبات خاصة داخل العائلة الحاكمة، صارت المثال الذي ينبغي لدولة مثل الإمارات أن تحتذي به. لا يكلف اليوسف نفسه بالطبع أن يشير إلى الألعاب البرلمانية الأخرى التي تمارس في الكويت والتي لا هم لها إلا إثارة الغرائز المذهبية وهي الأخطر. توصيته تتلخص بأن القضاء على الاستبداد يمر بالنموذج الكويتي لعلنا إنْ نجحنا نصل إلى النموذج البحريني، وما أدراك ما نار النموذج البحريني.

طروحات من هذا النوع تذكرنا باليسار الطفولي الذي صادر الحياة السياسية في العالم العربي على مدى عقود وأوصل عددا كبيرا من دول المنطقة إلى الكوارث التي تعيشها اليوم.

يتحدث عن هدر الثروة. الإمارات، البلد صاحب واحد من أعلى الدخول الفردية في العالم والبلد الذي تعد صناديقه الاستثمارية السيادية الأضخم والأكثر تأثيرا في مسيرة الاقتصاد العالمي والبلد الذي يمكن له أن يعيش من عائدات الاستثمار بعيدا عن الريع النفطي، هو بلد يهدر ثرواته وفق معايير أستاذنا الجامعي. ولا يلف ويدور فحسب، بل يتعامى كذلك عن صناعة نفطية وزراعة مزدهرة وملتقى ثقافي وسياحي للمنطقة والعالم، فيوجه سهام غضبه نحو الإعمار العقاري. تلك البنايات التي حولت الإمارات إلى واحة في بيئة صحراوية قاسية، هي الرمز لإهدار الثروات. كأنه يقول: أيها الإماراتي، ممنوع عليك أن تعيش مرفهاً بثروة منّ الله تعالى عليك بها، ومكتوب عليك ألا تنعم بمجلس مكيَّف يقيك قيظ الصيف.

يصل اليوسف إلى قمة تناقضاته في الحديث عن الوافدين. فهم، في رأيه صنفان؛ صنف "حرام" لا يفصح عن ماهيته ولكنه يهاجم أي نشاط لهم في الإدارة أو التعليم أو الاقتصاد. والصنف الثاني "حلال" هو من "إخواننا" ممن ينبغي أن نأتي بهم من "بعض" الدول العربية ونوطنهم. أي بمعنى آخر أنه يريد ما يشور عليه به القرضاوي (من الإخوان) لكي يكون مواطناً إماراتياً صالحاً نستبدل به ذلك الوافد الذي يعمل ويكد وساهم معنا في بناء هذا البلد.

اليوسف ينتقد التركيبة السكانية في الإمارات على أنها تتكون من 10% من أبنائها وينتقد استقدام الغرباء، لكنه يعود في لاحق مقاله إلى الحل المقترح: ائتوا لنا بـ"إخواننا" نجنسهم ويعيشوا بيننا! فاته أن يذكر أن الهدف هو تفكيك اللحمة القبلية التي ظلت عصية عليه وعلى أمثاله.

لمحة الاستغراب التي يشير إليها لا شك في أنها لا تمت للواقع بصلة. مجتمعنا متمسك بعاداته وتقاليده التي هي تركة الأسلاف الصالحين ممن أورثونا قيمنا القبلية والأخلاقية التي تستمد من الإسلام ورسالته السمحاء جوهرها. شعرنا حي، النبطي منه والعمودي، وحبنا لبيئتنا نجسده كل يوم في ما نرعاه من تراث يبدأ بالنخلة ويتوقف عند الجمل ويحلق عالياً مع الصقر.

قادتنا من الحكام أبناء هذه البيئة التي تمتد بتاريخها إلى أغلى ما يعتز به العربي من قيم الدين والقبلية. لم يتصنعوها ولم يغيروها. وحاكمنا دستوره دينه وتقاليده ورابطة رحمه.

سأقول لك يا دكتور يوسف ما هو دستور اخوانكم. يقولون إنه الإسلام. ولكن الحقيقة التاريخية تقول غير ذلك.

ضع جانباً منْ أسس الاخوان السنة (في مصر) أو الاخوان الشيعة (في إيران). لا تستغرب فأنا لا أفرق بينهما لأنهما واحد أصلاً ونتيجة. فكلنا يعرف أنهما صنيعة بريطانية لغايات سياسية رافقت تقلبات مطلع القرن الماضي. لكني أريد أن أصل إلى واقع الإسلام السياسي اليوم ومن وضع "العلامات" في طريقه أو ما تحبون أن تسمونه دستوركم: سيد قطب.

دستور سيد قطب هو دستور الحزام المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية. عاد من هناك متشربا بالفكر المسيحي الصهيوني الذي صار يسمى اليوم المحافظين الجدد وأنا أسميه النصرانية السياسية لأنه الأشبه بالإسلام السياسي لقطب. ولا أريد أن اجزم بماذا تأثر الرجل وهل كان استكمالا لمشروع الإسلام السياسي الاخواني لصاحبته بريطانيا، أم أنه كان تحت تأثير الحركات اليمنية المسيحية التي أوصلت العالم إلى حاله اليوم. لكن ما أنا متأكد منه أن دستوركم الذي تريدون فرضه علينا، بعيداً عن دستور آبائنا وأجدادنا، بالتأكيد لا يريد أن يكون متأثراً بفكر متشدد.

لا أعرف إن كنت تستوعب ما أقوله. ولكني سأضرب مثلاً بسيطاً.

يجادل البعض بأن أجندة الأخوان السنة هي غير أجندة الخمينيين الشيعة. يتقولون بخلاف تاريخي بين فرعي الإسلام وأن لا يمكن الجمع بينهما في مشروع سياسي واحد.

أنا أقول العكس. الإسلام السياسي الحالي هو نتاج للتأثر بالنصرانية السياسية. فكما اجتمع المسيحي (الذي يتهم اليهودي بأنه المسؤول عن دم المسيح) مع الصهيوني (الذي يتهم المسيحي بأنه المسؤول عن مجازر اليهود عبر التاريخ)، اجتمعا في مبدأ المحافظين الجدد، فإن الإسلام السياسي الشيعي والإسلام السياسي السني يجتمعان اليوم للإمساك بخناق هذه الأمة للوصول إلى غاية مشتركة واحدة.

هذه منابع دستوركم التي تبشرونا بها. ألا خاب فألكم.

أنت تستبكي الناس على "اخوانك" ممنْ تصورهم أبطالا عندما استغلوا الفتنة في المنطقة وسارعوا إلى العمل على نشرها بيننا. أنا أسألك: ما الحكم في من يأتي بفكر مستورد من مصر أو إيران ويبشر به في بلدنا؟ أهذه هي الوطنية التي تريدها لنا؟ أما شاهدت ماذا فعلت الخمينية بلبنان؟ أما شاهدت ماذا فعلت السلفية بأفغانستان؟ أما شهدت وتشهد ماذا فعلت وتفعل الاخوانية في السودان والجزائر وفلسطين واليمن وسوريا؟

لا يا سيدي شكراً. اخوانيتكم ردت عليكم.

أخيراً أقول، لسنا الهنود الحمر الذين تقارننا بهم. نحن أهل هذه الأرض التي ورثناها أباً عن جد. ونحن هنا وأنتم زائلون.

أحمد عبدالله