نحن أمّة نشأت من العَولمة، إذَن العَولمة فرصتُنا للنهوض

بقلم: محمد الحمار
العولمة المعاصرة أداة للنهوض العربي الإسلامي

سواء كنّا أمّة عربية أو مُعرِّبة أو مُعرَّبة أو مستعربة أو إسلامية، فلم يُصادف أن منحَتنا الأقدار فرصةَ مقايَضة مثل تلك التي تمنحها لنا اليوم بإزاء الحضارة الغربية المهيمنة. وهي مقايضة بين تقنيات الحضارة من جهة وغايات الحضارة ورسالتها من الجهة الثانية. وقد يكون هذا بُعدٌ أو بعضُ بُعدٍ من الآيتين الكريمتين: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا" (البقرة 143) و"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونََ" (التوبة 33).
لقد نشأت أمة العرب والمسلمين من خلفية حضارية بدوية وإذا بها، بفضل دين اسمه الإسلام، تتحول في وقت وجيز إلى أكبر الحضارات العالمية. ولم يكن ارتقاء الحضارة العربية الإسلامية، هكذا، من طور البداوة إلى طور المدنية من لا شيء. إذ يعود الفضل إلى الفكر الشمولي للإسلام المصدري، الذي كرّس النجاح في كافة مجالات النشاط الإنساني في ظل دولة الخلافة الموحّدة. وهذه ذروة العولمة الاندماجية بحدّ ذاتها.
لكن اليوم وقد ثبت أنه من الطوباوية أن يستند المفكر العربي والمسلم إلى أسلوب من التفكير الفوقي المنادي بإرساء الدولة الإسلامية من جديد، فإنّ واقع العالم هو الذي يُملي المنهاج الصحيح عليه، منهاج التفكير العملي والمسار الميداني. أي أنه إذعان لحتمية تاريخية بغير خنوع ولا تواكل من جهة، وبغير اعتدادٍ ولا عجرفة ولا تكبّر، من جهة ثانية.
ولكي يتبلور منهاج التفكير المستحدث فلا بدّ من استعراض بعض المؤشرات الدالة على أنّ العولمة المعاصرة أداة للنهوض العربي الإسلامي، وكذلك بعض الشروط اللازمة لتحقيق النهوض فضلا عن الآليات والأهداف التي من شأنها أن تسهل علينا، في أسوأ الحالات المشاركة الفعلية في بناء الحضارة الكونية، وفي أفضلها الاستعداد لأخذ المشعل عن الغرب.
في باب المؤشرات نذكر ما يلي:
- إنّ حروب 1991 (العراق) و2001 (أفغانستان) و2003 (العراق)، زيادة على تعنت إسرائيل غير المسبوق في التشبث بأرض فلسطين العزيزة، تدلّ أنّ الغرب صار يميل إلى الضرر بنا أكثر من نفعنا بِما كان يُحسبُ على عقيدة "حِمل الرجل الأبيض" التي كان يبرّر بها استعماره المباشر لأراضينا.
- إنّ تلك الحروب معبّرة عن عزلة الدولة الغربية وانفلاتها من قبضة شعوبها، أي عن موت الديمقراطية في نسختها اليهودية المسيحية.
- إنّ تموضع الشعوب بعيدا عن الدولة في تلك البلدان لدلالة واضحة على أنّ تلك الشعوب في حِلّ من أي التزام حضاري مع السلطة، وبالتالي فهي تملك قابلية مستحدثة: القابلية للتعلّم من تلميذ الأمس (نحن)، بدءًا بأعز شيء لديه، الإسلام.
- من ذلك المنطلق نفهم كيف أنّ الإسلام ذاع سيطه في أميركا وأوروبا إبّان أحداث 11 سبتمبر/أيلول الأليمة والمحزنة، وأيضا بعد الحروب المذكورة.
- ثمّ جاءت المقاومة الصامدة في العراق البطل لتشلّ حركة القوة المتوسّعة ولتبيّن للعالم بأسره أنّ حتّى آخر سلاحٍ لنشر العولمة، وهو أعتى سلاح – سلاح الحرب والعدوان المادي – لم ينفع لكي ترسي بارجةُ العولمة في قواعد سالمة مثلما تمّ التخطيط لذلك من قبل.
- ثمّ جاء خطاب باراك أوباما الشهير (4/6/2009) بالقاهرة، ليتدارك به الأمور فيعبّر عن شعورٍ عميق بالندم على ما سبق من اعتداء وعنجهية على العراق (ولو أنه خَيّرَ تبرير الاعتداء على أفغانستان بأنه حرب "ضرورية").
أمّا في باب الشروط والآليات فيمكن تقديم ما يلي:
أتعجب من هؤلاء الملاحظين والمثقفين العرب والمسلمين الذين أصيبوا بنوع من التواكل يذكّرنا شيئًا ما بعقيدة "المُرجئة" في التاريخ الإسلامي. فهم ينتظرون أن تأتي الحلول الإصلاحية لمجتمعنا العربي الإسلامي الكبير من عند أوباما. والحال أنّ الرجل، ككلّ أميركي براغماتي (ذرائعي) ذكيّ، أعلنَ عن ترحابه بالتعاون بين بلده وبيننا على أسسٍ من المشاركة التقدمية. فهو لا يملك أن يفعل أكثر من ذلك. بل من العار على ثقافتنا الأبية أن تقبل من أيٍّ كان أكثر مما قدمه هذا المواطن الغربي الشجاع.
فما الذي يريده مثقفونا أكثر من هذا الاعتراف الضمني بأحقية المسلمين في الشراكة مع قوى الهيمنة؟ أينتظرون أن يسدي لهم أوباما ببرنامج عمل لمسئوليات مَنوطة بعهدتهم ولرسالة من المفروض أن يكونوا هم مُحرروها (كان من الأجدر تحرير مثل تلك "الرسالة" عوضا عن الرسالة التي بعثوها له طالبين فيها المساعدة على إرساء الديمقراطية في الوطن العربي والإسلامي)؟
إنّ هؤلاء النفر من مثقفينا يفكرون بمنطق الغرب عموما و أميركا على وجه الخصوص، وأوباما على وجه التحديد. فهم يطلبون الشيء من عند فاقده. ولمّا كانت الديمقراطية في آخر أيامها في الغرب وفي أميركا، بأي منطق سيساعدنا هؤلاء على إرسائها؟
دعْنا نترك السياسة جانبا ونغوص في سياسة الأنفاق: قلتُ إنّ الإسلام قد ذاع سيطه بعدُ في الغرب. وهذه فرصة من الفرص الذهبية التي يحملها لنا تاريخ العولمة في طياته. لكنّ الحذر واجبٌ عند النظر إلى هذه المسألة. لنرَ كيف يكون ذلك.
إنّ الشرط الأساسي الذي يتوجب توافره لدى النخبة المحلية المؤمنة والمفكرة يتلخص فيما يأتي بيانه: إنّ الإسلام دين العولمة بامتياز. وبناءً على بلوغه زيادة في العناية وفي الشهرة والانتشار في ظروف تتسم بأزمة في العولمة الاقتصادية (الأزمة المصرفية وأزمة البترول وسائر تداعياتها على الاقتصاد العالمي)، مثنّاة بأزمة في الفلسفة وفي القيم وفي التربية، فإنّه لا مفرّ من انعكاس هذا التأزم على الإسلام نفسه؛ أعني انعكاس العولمة، كمنظومة غير متكاملة وهشة، على طريقة إدراك الغربيين للإسلام.
وفي هذا السياق لم يكن من قبيل الصدفة أن تتنامى الدعوة الإسلامية في أوروبا وفي أميركا على أيدي أناس من صلب البيئة الثقافية الغربية عموما؛ وأذكر من بينهم داعيتين "ظاهرتين"؛ واحدٌ يتوخى أسلوب الهجوم، والثاني يمتطى صهوة الدفاع. وهما السويسري طارق رمضان في أوروبا، والأميركي زهدي جاسر في الولايات المتحدة الأميركية.
وأعتبر هذين من المناضلين فعلا إلاّ أنّ النضال الذي يقودانه لا يتماشى مع ثقافتنا، نحن مسلمو الأصل والمنبت، ولا مع الكفاح الحضاري الذي يصلح بنا دون سوانا. لهذا السبب إنهما يتحولان في نظري إلى ظاهرة ذات وجهين اثنين. وعلى صعيد آخر، هما يكرسان، كلٌّ حسب موقعه، عولمة الإسلام لا إسلام العولمة، مثلما أقصدُه من خلال هذه الورقة.
فلمّا أنت العربي المسلم من البلاد الأصلية تستمع إلى خطاب طارق رمضان، قد يغرّك الحماس ويسلب عقلك معسول الكلام، طالما أنك متطلّع إلى غد أفضل تأمل في بنائه بالاستئناس بالإسلام، ناهيك أنك من حيث المبدأ لا تؤمن بالاختلاف بين إسلامٍ وإسلام.
هيهات. فالخطر المحدق في تعلّق شباب إسلام المنبع والمنبت بخطاب طارق رمضان وباقي الدعاة الذين تمّ إدماجهم في البيئة الثقافية الغربية (خاصة في فرنسا وسويسرا) هو أنّ هذا الشباب سوف يكون مهددا لا محالة باحتواء العولمة الاقتصادية له، لا من مَدخل الاقتصاد فقط، فذلك صار مدخلا تقليديا، بل من مدخل الإسلام نفسه.
وهذا المدخل الجديد للعولمة، والذي يدافع عنه بأكثر شفافية الأميركي زُهدي جاسر (العسكري السابق ومسئول الأمن القومي) بمقاومته لكل محاولة لأسلمة الأميركيين، معتمدا في ذلك آليات لا تختلف كثيرا عن آليات غير المسلمين في أميركا، لا يدع مجالا للشك أنّ الرجل لا يدافع عن إسلام المسلمين الأميركان بقدر ما يدافع عن مصالح الولايات المتحدة الأميركية من أي تثاقف مع الإسلام.
وإن كان لي أن أختارَ بين أن تتثاقف أمتي مع الغرب المُعَولَم والمُعَولِم، وبين أن أتبع ملّة دعاة الإسلام الأوروبي والأميركي الذين يكرسون عولمة الإسلام بمحاولة إخضاعه إلى المعايير القيمية والهوياتية والثقافية الغربية، فليس هنالك مجال للشك في أن أختار الحل الأوّل. وفيما يلي بعض الشروط والآليات لتحويل الخيار إلى واقع ملموس:
- إنّ خير من يفهم الغرب والغربيين مع تقديره لهم وعدم حقده عليهم هم المثقفون الدارسون للثقافة الغربية من لغات أجنبية وآداب وفنون أجنبية. وليس للمعرفة العلمية في مجال العلوم الصحيحة من تأثير في سياق التثاقف إلاّ بعد توفر هذا الشرط. فالتملّك الثقافي سابق للتملك العلمي ومقدمة له.
- إنّ دخول أمتنا في العولمة الكونية أفرادا وجماعاتٍ أمرٌ تحتّمه كل الظروف والأحداث المعاصرة. لكنّ ولوج عصر العولمة من الباب الكبير لا بدّ أن يكون مُرفَقا بإنجاز عمل عظيم يتطلب الكثير من النظر والكثير من حسن التصرّف: تحويل أهداف وغايات العولمة الكونية، من أهداف وغايات توسعية ابتزازية واستيطانية، إلى أهداف وغايات تحرّرية من كافة أنواع الاضطهاد والاستبداد والاستلاب، وبالتالي مكرسة للعدل والإنصاف والإحسان.
وليس هنالك صورة تؤدّي معنى وأبعاد هذا الكلام أفضل من تلك التي رسمها كبير مهندسي الحضارة العربية، المفكر والفيلسوف المؤمن مالك بن نبي، لمّا قال: "إذن إذا أراد المسلم أن يقوم بدور الريّ بالنسبة للشعوب المتحضرة والمجتمع المتحضر، وأراد – بعبارة أوضح – أن يقدّم المبررات الجديدة التي تنتظرها تلك الأرواح التي تتألّم لفراغها وحيرتها وتيهها، إذا أراد المسلم ذلك، فليرفع مستواه (سُنّة الجاذبية) بحيث يستطيع فعلا القيام بهذا الدور. إذ بمقدار ما يرتفع إلى مستوى الحضارة بمقدار ما يصبح قادرا على تعميم ذلك الفضل الذي أعطاه الله له 'أعني دينه'. إذ عندها فقط يصبح قادرا أيضا على بلوغ قمم الحقيقة الإسلامية، واكتشاف قيم الفضيلة الإسلامية، ومِن ثَمّ ينزل إلى هضاب الحضارة المتعطشة، فيرويها بالحقيقة الإسلامية، وبالهدى، وبذلك يضيف إليها بعدا جديدا. لأنّ الحضارة العلمانية، حضارة الصاروخ، حضارة الإلكترون اكتسبت هذه الأشياء وضيعت بعدا آخر بفقدانه وهو بعد السماء."
أمّا السؤال فهو جدّ مُحرج ربما: ألَمْ يرتفع بعدُ مجتمعنا العربي بالخصوص والمجتمع الإسلامي بصفة أعمّ إلى 'مستوى الحضارة'؟ أعتقد أنّ الجواب يكون بالإيجاب وذلك رغم كل التحديات وتراكم المشكلات وأصناف التخلّف المتشعبة.
إنّ منطق الكفاح الحضاري الذي أؤمن به شأنٌ يومي ولا يستدعي لا حزبا سياسيا ولا تكتلا إيديولوجيا. إنه واجب ينبثق من الإيمان بنخبةٍ تتصف بتأكدِ حُصول العلوّ إلى مستوى الحضارة لديها. وهي نخبة بعضُها يعيش بيننا في المجتمع الأمّ، وبعضُها الآخر انصرف للدراسة أو للعمل في الخارج.
وبفضل قدرٍ أدنى من التجاوز لمشكلاتٍ مثل "هجرة الأدمغة"، وبفضل قدرٍ أدنى من الاستعلائية العقادية والروحية المُمَنهجة، وبكمّ هائل من "تفاؤل القلب والإرادة" يكون متغلّبا على "تشاؤم العقل"، ستتمكن هذه النخبة على الأقل من الشروع في العمل على واجهتين اثنتين في الآن ذاته:
- أوّلا، أن تغدق على نظائرها من الخلق بخيرات الانتماء إلى هذه الحضارة العربية الإسلامية، العريقة والمتجددة، على أن تواصل الإصغاء إلى الفكر العالمي المستنير، وفي نفس الوقت، أن تتمادى في التعلّم التقني والتنظيمي من عند أهل الغرب، صانعي الحضارة الكونية في نسختها الحالية.
- ثانيا، أن تلتفت، التفاتةً حضارية، إلى أهلها وذويها في البلاد الأمّ لكي تضع اليد في اليد مع النخبة الوطنية والعربية والإسلامية فتحقق "ريّ" كافة زوايا وأركان التربة الثقافية المحلية نفسها لتطال كل أصناف المجتمع.
ومن أجل محو الرداءة في السلوك والتذبذب في التفكير والركود في الحياة الجماعية وغيرها من المشكلات العالقة بنا الآن، لا مفرّ من الإذعان، عن طواعية، لهذا النوع من المدّ الفوقي. وهو لَعَمري إذعانٌ يحمل في داخله أسباب التوليد لحلولٍ تناسب كافة مشكلاتنا؛ أي أنه استسلام يعمل لفائدة انبثاق القرار من عند المواطن العربي والمسلم، يكون أسمى وأرقى من الاستسلام للقرار الفوقي، بل مجففًا لمنابعه ومستأصلا لجذوره. و"مثلما تكونوا يُوَلّى عليكم"، كما جاء في الحديث الشريف. والله أعلم. محمد الحمّار ـ تونس