نحن أمة ولسنا طائفة

حينما أقرأ مقالات عن الاحتقان الطائفي والمذهبي في الدول العربية ومناداة البعض بوضع كاميرات مراقبة في المساجد والكنائس لمحاربة خطابات الكراهية يتبادر إلى ذهني سؤال ملح: هل ستتمكن تلك القوانين ـ في حال صدورها ـ من وأد الطائفية المنتشرة في بلداننا العربية ونزع بذور الكراهية من الصدور والمساعدة على التعايش السلمي بين أصحاب الديانات والمذاهب المختلفة؟

ما من شعب على وجه الأرض لم يقع في براثن الصراع الطائفي ولم يعان من الاحتقان الطائفي والمذهبي في مرحلة من مراحل تاريخه. وقد تكون الشعوب العربية من أكثر شعوب الأرض التي تعاني من هذا الداء ورغم الأحداث المأساوية التي مرت بها الأمة لم نستفد من أخطاء الماضي.

فحالما تتصاعد حدة الخلافات بين الفرقاء وتتسارع الأحداث يبدأ العزف على وتر الطائفية وإشعال فتيل الاحتقان الطائفي وحشد وتأليب الرأي العام.

فالاحتقان الطائفي كان السبب في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975م وقاتل فيها أبناء الشعب الواحد ضد بعضهم البعض، وكان القتل يتم وفق الديانة - كما يحدث في العراق الآن- فرفع أبناء الوطن الواحد مدافعهم وبنادقهم تجاه صدور بعضهم البعض وليس باتجاه عدوهم المشترك وهو الكيان الصهيوني الذي كان يحتل أرضهم ويسرق أنهارهم!

ما حدث في الحرب الأهلية في لبنان من أحداث طائفية ومجازر مروعة أسهم في تشريد مئات الآلاف من مختلف المذاهب والطوائف من مناطقهم بسبب حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

فتبني قادة الأحزاب الدينية والسياسية في لبنان للشعارات الطائفية وتأجيج الفتن الداخلية أسهم ولا يزال يسهم في فرقة أبناء الوطن الواحد وتمزيق الوحدة الوطنية وانتهاك الحرمات وقتل الأبرياء، زنيران الحرب التي يوقدها تجار الحروب وأعوانهم في بلداننا العربية لا توفر امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً ولا تكترث لحرمة بيت أو مسجد أو كنيسة.

ما يتعرض له الشعب السوري منذ عامين من إبادة على يد الطاغية ونظامه الوحشي والتدخل السافر من قبل قوات ما يسمى بحزب الله اللبناني ـ الموالي لإيران ـ يعيد للأذهان ما حدث في الحرب الأهلية في لبنان من مجازر مروعة، فالقتل الوحشي والتمثيل بالجثث يتم وفق الهوية وكذلك التهجير القسري.

فالمليشيات الطائفية المسلحة التي أرسلها زعيم حزب الله حسن نصر الله والمعروفة بتاريخها الدموي شاركت في ذبح الآلاف من المدنيين السوريين الأبرياء وتقديمهم قرباناً لحليفهم المجرم كما فعلوا من قبل في الفلسطينيين في لبنان الذين أشبعوهم قتلا وتنكيلاً بينما يزعمون أنهم يسعون لتحرير القدس.

فالمدعو حسن نصر الله يريد أن يمزق وحدة سوريا ويحولها إلى عراق آخر قائم على الطائفية والهمجية بعد أن نجح شركاؤه في العراق والذين قام بتدريبهم على القتل والتدمير في تحويل بلاد الهلال الخصيب إلى دولة مليشيات طائفية مسلحة.

كان بيد كثير من المشاهير في عالمنا العربي سواء من خطباء أو إعلاميين أو سياسيين الفرصة لاستنباط العبر من الأحداث المأساوية التي مرت بها أمتنا في الماضي والمساهمة في حماية الوحدة العربية والإسلامية من خلال بث كثير من رسائل المحبة والعمل على إيقاظ مشاعر الإخاء بين الفرقاء والمساهمة في نزع فتيل الاحتقان الطائفي الذي ما يكاد يخمد في بلد عربي حتى يشتعل في أخرى، ويقولون للجميع: نحن أمة ولسنا طائفة فتعالوا لنبني الأوطان معاً بدل أن نتقاتل ونحول بلداننا العربية وساحاتها لميادين قتال ومشاحنات وكراهية مما يساهم في تحقيق أحلام أعداء الأمة الطامحين إلى خلق شرق أوسط جديد قائم على الطوائف والمذاهب المتناحرة.

رغم ما مرت به الأمة من ويلات وحروب طائفية طوال السنوات الماضية إلا أن هذه المآسي لم تؤثر في كثير من القادة السياسيين خاصة في البلدان التي تكتوي بنيران الطائفية فكثير منهم اختار الجري خلف مصالحه ورفع شعار "أنا ومن بعدي الطوفان" وقرر أن يبيع نفسه لمن يدفع أكثر من القوى الخارجية سواء إيران أو غيرها من الدول الطامحة لاحتلال أراضينا ونهب ثرواتنا فساهم في لعبة الطائفية وزيادة التوتر بين "السين "و"الشين" و"الواو" كما يسمونهم وتأجيج الفتن بين اتباع الديانات المختلفة في عالمنا العربي من خلال نشر الإشاعات المغرضة وتأليب أبناء الوطن الواحد ضد بعضهم البعض والدفاع عن مجرمي الحروب ومن أسهموا في انتهاك الحرمات وقتل الآلاف من المدنين الأبرياء وكل هذا من أجل زيادة أرصدتهم في البنوك!

وتر الطائفية الذي تعزف عليه معظم الأنظمة القمعية لحماية نفسها من وعي شعوبها والتغطية على جرائمها وما تقوم به من نهب ثروات شعوبها مستمدة من القوى الخارجية العون والمساعدة ومن المليشيات الطائفية القوة لنشر الرعب وزرع بذور الكراهية بين الإخوة سيكتوي بنيرانها الشيني والسيني والمسيحي والكردي وجميع الطوائف والملل والعرقيات التي تسكن عالمنا العربي، فنيران الحروب لن ترحم طفلا أو شيخا ولن يخرج منها أحد منتصراً إلا أعداؤنا فعلينا أن نوحد الصفوف ونتعاون للدفاع عن وجودنا ومصالحنا كأمة واحدة لها أعداء كثر لهم أديان مختلفة ولغات متعددة وهدف واحد مشترك هو القضاء علينا ونهب ثرواتنا، فلا عيش ولا استمرار لنا إلا بالتعاون ونبذ الخلافات جانباً.