نحتاج إلى أدب المقاومة لأن الصراع باق

بقلم: السيد نجم
صدمتني كلمات الريشة

أثناء مطالعتي للحوار الذي أجراه الشاعر المغرب سامي دقاقي مع الشاعر الفلسطيني محمد حلمي الريشة، ونشر منذ أيام قلائل في ميدل إيست أونلاين، صدمتني كلمات منه، وهي فكرة اللا جدوى من الشعر، وخصوصا شعر المقاومة، والذي لا يلتفت "ريشه" إليه، أو إعطاء للاسم "شعر المقاومة" أهمية ما؟
لعل الريشة يعني أنه عندما يكتب، فهو غير ملتزم بمسمى ما أو توجه ما، قد يقيد من إلهامات الشعر، وربما يسقط التجربة الشعرية؟
نفهم المقصد الفني والذي لا خلاف حوله، ألا وهو أن الشعر طليق ويعبر عن الشاعر وتجربته، وحين يضع الشاعر سوابق ذهنية أو أفكار ما (أيديولوجية وغير أيديولوجية) قد يسقط في التكرار أو الصنعة أو الافتعال. وهو أسوأ أنواع الشعر.
أما وتجربة المقاومة على شدة عموميتها وخصوصيتها أيضا، فهي ولعلها بلا مبالغة أهم تجربة إنسانية على مستوى الأفراد والجماعات.
وربما ما دفعني للتعقيب على كلمات الريشة كون أنني سمعت هذا الرأي أكثر من مرة، لعل آخرها أثناء إحدى الندوات أو المؤتمرات الهامة حول "أدب المقاومة" بمدينة المنصورة بمصر، حيث اعترضت روائية معروفة وصاحت "لماذا أدب المقاومة؟"
الحق أن ما أدهشني أكثر أن وجدت في القاعة من استقبل السؤال مؤيدا, ومنهم من استقبله بشيء من الراحة, ومنهم من انتظر. وبالطبع هناك الرافض لصيغة السؤال ودلالاته، وهذه الكلمة محاولة للإجابة مجددا على الأديبة المصرية وشاعرنا الفلسطيني حلمى الريشة.
إذا كان (الصراع) هو السمة (الإنسانية) على طول التاريخ, وليس في الأمر تناقض لغوي أو حتى فكري، فالتاريخ الحربي للإنسان هو القادر على كشف الحقائق, وصراع الشعوب من أجل حياة أفضل, إلا أن هذا التاريخ لم يسجل بعد.
حرص الحكام قديما على تاريخهم الشخصي وحفروا على جدران المعابد ونقشوا أسماءهم على كل ما أمكنهم أن يسجلوا عليه من فخار وجلود وغيرها. بينما رصد التاريخ الحربي وحده سوف يقف إلى جوار العامة والشعوب والحقيقة.
إن عمر الصراع/الحرب يكاد أن يناهز عمر الإنسان على الأرض, منذ قابيل وهابيل وحتى الحرب العالمية الثانية، وما بعدها الكثير من بؤر الصراع في العالم إلى يومنا هذا من حروب إقليمية تكاد تغطي سطح الكرة الأرضية.
وربما نضيف الآن الحرب ضد الإرهاب, بل وأفاعيل العمليات الإرهابية ذاتها. ولا يبدو زوال أسباب الحروب أو الصراع بكل أشكاله في المستقبل.
إن الفنون التي ابتدعها الإنسان من جانبه, ما كانت إلا لبث روح المقاومة في صراعه مع القوى الأخرى التي تهدده وتعرض كيانه للخطر. ما كانت النار, الأعاصير, الحيوانات المفترسة, الفيضانات. كما ظهرت العبادات والطقوس العقائدية, وعرفت التمائم والقرابين. وعرف الفن بكل أشكاله.
ومنذ تلك الأيام البعيدة حرص الإنسان على تسجيل انفعالاته وأفكاره على جدران الكهوف, والتراث الشفهي للشعوب أصدق من سجل تلك الوقفات الهامة في التاريخ الحربي للشعوب. ولولا الحاجة الفطرية أو غير المباشرة التي يستشعرها الإنسان العادي في حياته اليومية ما بقيت على مدار الأيام.
لسنا في إطار التراث المصري أو حتى العربي على طول المنطقة العربية. إننا نشير إلى الإنسان في كل مكان. هذه الحقيقة عرفناها في الحكايات الأفريقية وأساطيرها. لعلها أكثر وضوحا في الطوطم الهندي الأحمر.
ما أروعها تلك الحكايات التي مازجت ما بين الطبيعة وعناصرها وكلها تحت سطوة الهندي الأحمر وسلطانه. كم كانت الطقوس الحربية مثيرة وشائقة إلى حد الطرافة للمتتبع، سواء مع القبائل الأفريقية أو الهندية في عهدها الناضج وقبل سيطرة الرجل الأبيض عليها وعلى أراضيهم.
الطريف أن بقيت طقوس الحرب وإلى اليوم ببعض البلدان أو الأمم ذات دلالة خاصة, ومنها من البلدان المتقدمة اليابان, حيث كان الطيارون الموكول إليهم العمليات الانتحارية في الحرب العالمية اليانية, يرتدون الملابس اليابانية الخاصة البيضاء وفي مناخ طقسي خاص يتسلمون "المرمدة" (صندوق أسود صغير مخصص لحفظ رماد جثث الموتى بعد حرقها) ثم يبدءون رحلة التدريب على العمليات الخاصة.
وهو ما يعني أن تلك الثقافات حول المقاومة والصراع جزء لا ينفصل عن وجدان الأفراد والشعوب، حتى تلك الشعوب الأكثر تقدما في العلوم المعاصرة, ولم تتخل عن تراثها الحربي.
إن كل الشواهد تشير إلى خصوصية التجربة الحربية في الأفراد والشعوب. فالسلوك الإنساني نابع عن توتر ما, به يسعى المرء للإقلال من التوتر لإحداث درجات من التكيف النفسي. (هذا التوتر إما خارجي أو داخلي).
والتجربة الحربية في هذا الإطار جد معقدة, فهي منبه غير تقليدي. لا هي أحادية ولا هي بسيطة, ومع ذلك لا تكتسب دلالتها إلا بوجود دوافع داخلية، مثل دوافع القيم العامة للمجتمعات, ودوافع الانضباط والخضوع لأوامر الجماعة.
عادة درجة استجابة المرء, إما مباشرة أو غير مباشرة، لحدوث اللذة أو الألم, فتكون جملة الانفعالات التي يعانيها المرء هي التي ستحدد اتجاهاته وسلوكه. وقد يلجأ إلى الخيال, تلك القوة السحرية الساحرة القادرة على إنجاز الفن أو الأدب بأشكاله المختلفة.
ما سبق لا يعني أن أدب المقاومة في جوهره وسيلة للخلاص الفردي, ولكن يعني قدرة (الصفوة) من الناس الذين خاضوا التجربة, وقد امتلكوا الخيال والقدرة على التعبير (بأي وسيلة كانت) يحفظون لنا خصوصية تلك التجربة بكل طزاجتها وخصوصيتها، بحيث تصبح دوما نبراسا هاديا للعامة والخاصة وقت الشدائد.
فاحتمال تجدد تجربة (الصراع) قائم ومستمر, ببقاء الإنسان على الأرض, واستمرار الصراع / الصراعات. وعلى مستويات مختلفة, قد تصل إلى حد اشتعال الكرة الأرضية كلها. وهو ما عاشته البشرية لمرتين خلال خمسين سنة فقط من القرن الماضي.
يأتي "أدب المقاومة" في النهاية للتعبير عن هول التجربة/التجارب ذاتها: يكفي القول بأن النفس البشرية جبلت على حب الحياة, بينما يخوض الأفراد تجربة الصراع مدفوعا بأمر الجماعة (المجتمع) وبناء على رغبتهم, وقد يباركون موته.
فالتجربة ليست ذاتية بالكامل, وتحمل بين طياتها التناقض, فالمقاتل يسعى لإثبات الوجود وتحقيق الأهداف السامية, بينما الواقع المعاش فظ وقاس.
لكل ما سبق نحن في حاجة إلى (شعر/أدب مقاومة).
فالصراع باق. والأفراد الموهوبون لتسجيل التجربة (المبدعون) فرصتنا كي تقف مؤشرات الزمن عند تلك اللحظات أو الأزمنة الخاصة لتصبح عونا ودعما لنا مستقبلا.
فضلا عن أهمية تلك الأعمال في تغطية الجانب النفسي والتربوي الضروري للأجيال الجديدة, حتى تصمد أمام تحدياتها الآتية يوما ما.
وعلى النقيض، قد يصبح بنو البشر يوما ما قادرين على كبح جماح غوائل أنفسهم, ويصبح للصراع شكلا بديلا عن الحروب, إذا كانت الأعمال المرصودة عن التجربة الحربية أكثر إنسانية, وتسعى كي تصل رسالة الشاعر/الكاتب/المفكر الحقيقي إلى الغرض الحقيقي من وراء رصد تلك التجربة القاسية, وأنها تجربة إنسانية يجب تأملها والوقوف أمامها أو ضدها.
إن (شعر/أدب المقاومة) الحقيقي هو أدب إنساني, يرفع من قيمة وشأن الإنسان, ويزكي القيم العليا في النفوس. إنه أدب الدفاع عن الحياة, والمتأمل قد يجد أن أجود الأعمال المقاومية (الإبداعية) هي التي دافعت عن الحياة, ولم تزكي القتل من أجل القتل.
ولن يفوتنا الإشارة إلى أن شعر المقاومة الجيد هو الشعر غير المباشر في مقولاته، غير الأيديولوجي أو المدفوع بإدارة وإرادة شعارات ما، وغير تسجيلي أو يرصد رصدا مباشرا تجربة الشاعر ورؤيته.
فشعر المقاومة هو شعر فني له ما للشعر وعليه ما على الشعر الجيد، وهو ما يجعله شعرا إنسانيا وليس عدوانيا. السيد نجم ab_negm@yahoo.com