نجيب محفوظ في محطته الأخيرة

بقلم: أحمد فضل شبلول
الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة

هذا الكتاب قطعة من الحياة في تداخلها مع الموت، فيه تختلط الأمور الحياتية الدقيقة أثناء انسحاب الحياة من الجسد ومحاولة إنقاذ المريض، وهو كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، مع لحظات الفراق والغسل والوداع والدفن، بعد جنازة شعبية في الحسين بناء على وصية الراحل بأن يُصلى عليه في مسجد الحسين، وجنارة رسمية يتقدمها رئيس الجمهورية في مدينة نصر، ثم لحظات الدفن في مقبرة نجيب محفوظ في طريق الفيوم.
وما يزيد من حلاوة الكتاب وأهميته من الناحية الفنية والتوثيقية، أنه جاء أشبه بالرواية أو الدراما، وليس هذا بغريب على الكاتب الكبير محمد سلماوي الذي لازم كاتبنا الأكبر نجيب محفوظ في أيامه الأخيرة منذ أن دخل مستشفى الشرطة بعد وقوعه في بيته، فجرح رأسه، ونقل إلى المستشفى لخياطة الجرح، ثم تدهور حالته الصحية على نحو سريع، ومحاولات فريق الأطباء إنقاذ المريض الذي كان يقاوم الموت في البداية إلى أن قرر أن "يروَّح".
وكانت أسرته تظن أنه يريد أن يعود إلى البيت، عندما قال لهم إنه يريد أن "يروَّح"، وكان المعنى الثاني، وهو الرحيل عن دار الحياة، هو الأقرب إلى التفسير بعد أن رفض المريض الأكل تماما، وأغلق فمه وقال "إنكم تطعمون رجلا ميتا."
وقع الكتاب في 110 صفحات، بالإضافة إلى ملزمة (16 صفحة) صور ملونة وأبيض وأسود، في مراحل مختلفة من حياة كاتبنا الكبير. وصدر عن دار الشروق بالقاهرة. وجاء في 26 فصلا قصيرا سريع الإيقاع، ما يجعل القارئ يلهث وراء الأحداث والشخصيات الحقيقية ومعظمها يعيش بيننا الآن، والحوار الذكي السريع الذي يحمل نبضات الحياة والفراق والموت والألم، يتخللها فقرات كاملة أو أحلام من "أحلام فترة النقاهة".
ومن المفارقات الجميلة أن نجيب محفوظ أثناء وجوده في الأيام الأولى بالحجرة رقم 612 بمستشفى الشرطة، كان دائم التفكه والابتسام وإشاعة جو المرح.
عندما أفاق من العملية الجراحية البسيطة بعد وقوعه سأل "هو إيه اللي حصل؟" فشرح له سلماوي أنه تعثر مثلما نتعثر جميعا، وأنه جاء إلى المستشفى لعمل "غرزتين" وسيخرج خلال أيام. وعندما سأل "هو احنا في مستشفى الشرطة." قال سلماوي "نعم"، فضحك وقال "لم أكن أعرف أن الشرطة أصبحت تسمح الآن بالغرز" فضحك الجميع، لكن "ضحكة الأستاذ المجلجلة كانت هي الأعلى."
ويبدو أن هذه الضحكة المجلجلة كانت آخر ضحكاته العالية في الحياة. فقد تأزمت الأمور بعد ذلك خلال الشهر والنصف الذي قضاها الأستاذ في المستشفى، من يوم الأحد 16 يوليو/تموز 2006 إلى أن وري التراب يوم الخميس 31 أغسطس/آب 2006 وهو ما حاول محمد سلماوي تأريخه بأسلوب فني راق على الرغم من الألم النفسي الذي كان يصاحب تسجيل التجربة.
يقول سلماوي في التقديم "أن يعيد الإنسان بعث تجربة أليمة، قد يكون أشد ألما من التجربة ذاتها، لأنه في المرة الأولى يفاجأ بها، أما في الثانية فهو الذي يستدعيها لحظة بلحظة، وحدثا بحدث، فيتضاعف إحساسه بها." ويهدي كتابه "إلى أم كلثوم وفاطمة نجيب محفوظ أول من قرأ مسودة هذا الكتاب."
ثم يحكي القصة من أولها منذ لحظة أن اتصل به الحاج محمد صبري (الذي يقرأ لنجيب محفوظ الصحف) صباح الأحد 16 يوليو/تموز ليسأله ماذا حدث للأستاذ؟.
لقد ذهب صبري إليه كعادته كل صباح ليقرأ له الصحف فأخبره أفراد الحرس أنه تم نقله إلى المستشفى، وأنه لا أحد بالمنزل.
كان سلماوي الليلة التي قبلها (السبت) يجلس معه في لقائه الأسبوعي المعتاد يجري معه حواره الأسبوعي لجريدة الأهرام، وكان الأستاذ مستاء من عدوان إسرائيل على لبنان الذي دمر الجنوب، وشرد سكانه، وراح ضحيته مئات من الرجال والنساء والأطفال، وقال "أعوذ بالله! إنها أعمال فظيعة جدا. كيف يتحول الدمار إلى هدف في حد ذاته؟!."
وتمضي الأحداث بتفاصيلها في المحطة الأخيرة، إلى أن يُغلق القبر على جثمان الأديب الكبير "انغلق القبر على الجسد لتتحرر الروح من أسر المكان والزمان وتحلق في رحاب الخلود." لكن "الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة." وهي العبارة التي جاءت في أحد الأحلام الأخيرة لنجيب محفوظ من "أحلام فترة النقاهة" التي كان يحفظها ويمليها على الحاج صبري بعد أن عجزت يده عن الكتابة إثر محاولة اغتياله بسكين يوم 14 أكتوبر/تشرين أول عام 1994.
لقد كانت هذه الأحلام أقرب في الآداب العالمية من شعر الـ "هايكو" الياباني الذي لا تزيد فيه القصيدة على بيتين أو ثلاثة، لكنها تشع بالمعاني التي تعجز عن التعبير عنها صفحات طويلة.
ويرى سلماوي أن أديبنا العربي نجيب محفوظ لم يتأثر بشعر الـ "هايكو". وقد سأله ذات مرة إن كان قد قرأ هذا النوع من الشعر، فقال إنه سمع به لكنه لم يقرأه.
أيضا يكشف سلماوي سر اختيار نجيب محفوظ له ليحرر مادة الحوارات التي ينشرها في جريدة الأهرام كل يوم أربعاء بعد أن عجزت يده اليمني عن الكتابة بعد الحادث المشئوم، "لأنك مختلف عني، فأنا ابن ثورة 1919 وأنت تنتمي لجيل ثورة 1952، وأنا كاتب روائي، وأنت كاتب مسرحي، وأنا اشتهرت بالأسلوب الواقعي في الأدب، وأنت تميل إلى مسرح العبث، لذلك فالحوار بيننا سيكون ثريا، فأنا لا أريد شخصا يتفق معي في كل شيء، وكل ما أقوله له يرد علي بآمين!."
خلال هذا السرد نعرف أنه صدرت حتى تاريخ طباعة الكتاب، 460 طبعة من أعمال "محفوظ" في الخارج بأكثر من ثلاثين لغة. وأن أكثر لغة ترجمت لها أعماله هي الإسبانية (39 إصدارا) يليها الإنجليزية
(31 إصدارا) ثم الفرنسية (30 إصدارا).
وأنه في ساعاته الأخيرة لم يكن ينطق إلا بكلمتين هما: يارب يارب.
وأن الوجه الراقد أمام الرائي في المستشفى لم يكن وجه نجيب محفوظ، بل كان وجه الزمن، أو وجه المرض اللعين.
وأن زوجته السيدة عطية الله قالت إن زوجها لم يكن سي السيد في بيته، وأن "سي السيد" هذا "لم نسمع به إلا في الثلاثية."
وأن الناشر الأميركي سيدني شيف اتصل بسلماوي وفي صوته نبرة غضب وألم قائلا "كيفت تسمحون بأن يصل "نجيب محفوظ" إلى هذا الحال؟." وتساءل لماذا لا يأتي إلى الولايات المتحدة للعلاج، وعلق قائلا "إن محفوظا عبقرية إنسانية لن تتكرر، وستنتظرون عدة عقود قبل أن يجيئكم محفوظ آخر في العالم العربي." وأنهى اتصاله بقوله "إنه بحاجة لأكثر من الدعاء، ونحن نحملكم المسئولية."
لقد كان نجيب محفوظ في غيبوبته الأخيرة، كما ذكرت زوجته، ينادي أشخاصا رحلوا جميعا عن عالمنا، تعرفت منهم على اسم "صلاح جاهين".
وعند وفاته وقف سلماوي في إحدى قاعات المستشفى ينعيه قائلا "باسم اتحاد كتاب مصر أنعي للشعب المصري وللأمة العربية وللإنسانية جمعاء الرئيس الفخري للاتحاد الذي هو علم من أعلام هذا الوطن، ورفع اسمه عاليا كالراية الخفاقة بين سائر أمم الأرض."
ويكشف الكتاب عن سرقة أوراق كثيرة من بيت نجيب محفوظ، بعضها مهم مثل قسيمة زواج الأستاذ، وشهادة ميلاد السيدة عطية الله، فضلا عن بعض الأوسمة والميداليات التي فقدت على مر السنين، وكذلك ميدالية نوبل الذهبية التي تحمل وجه "ألفريد نوبل"، فخرجت جنازة كاتب نوبل العالمي دون ميدالية جائزة نوبل.
ويبدو أن بيته الذي أصبح محطة أنظار الإعلاميين والكتاب والمثقفين في العالم، بعد فوز محفوظ بنوبل، وصار مفتوحا للجميع، تسلل إليه بعض محترفي جمع الأشياء النادرة "في كل مرة كانت أشياء تختفي من المنزل. بعضها كانت الأسرة تفاجأ بصوره منشورة بعد ذلك في الصحف."
لقد حضر سلماوي عملية غُسل كاتبنا الكبير في الغرفة الباردة، ويقول عن هذه اللحظة الرهيبة "كان جسده أبيض صافيا كجسد القديسين، فقط لاحظتُ أن يده اليمنى تورمت بشكل ملحوظ. كانت في لون الدم حين يحتبس فيتحول إلى الزرقة الداكنة. يا لهذه اليد التي رفعت شأننا بين أمم الأرض جميعا، والتي قبَّلها بعض أكبر كتاب العالم أمام عيني (مثل باولو كويللو)! لماذا بدت هكذا مكورة كاليد المعاقة، واختلف لونها عن لون جسده المسجى أمامنا؟ ترى كم عقدا سننتظر حتى تأتينا يد مثلها؟ كان الناشر الأميركي على حق فيما قاله." أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية