نجم ينتصر للمغبونين في التَّاريخ الليبي

طرابلس ـ من رامز رمضان النويصري
سبق لنجم في اعادة انتاج التاريخ

قد يكون التاريخ للبعض حكاية مسلية وفائدة لا يخسرون فيها الوقت، لكنه عند البعض همٌ واشتغال، خاصة من نذر نفسه للكتابة التاريخية والبحث.
ويشعر المتخصص في التاريخ بنشوة تسري كلما ذهب فيه أبعد، وغاص أكثر في الحوادث والأحداث، وللهاوي والعاشق ولهٌ حدّ الهوس، لذا فإن في إنتاج محبي التاريخ وعشاقه لذة أخرى، لذة تخرج عن نطاق البحث الأكاديمي المتخصص، فتتخلص اللغة من جمودها وتتحرَّر العبارة من الحسابات المسبقة والجاهزة والتفرع في المصطلحات، حتى ليُحسُّ بأنفاس الكاتب وهي تضجُّ حماسةً وانفعالاً على الورق.
ميزة أخرى يمكن إضافتها لهذا النتاج ـ نتاج محبي التاريخ ـ الإخلاص والصدق للمادة التاريخية، وإيمانهم بالبحث، والقدرة على تطوير أدواتهم البحثية، وتنويع مصادر استقاء المعلومات، كما انهم لا يتوانون عن السعي والقصد إلى المصادر، وهذا ما لمسته في الكثير مما قدم عن التاريخ الليبي، خاصة ما قدمه غير المتخصصين.
فتنوَّعت مجالات البحث في التاريخ كمادة تهتم بالأحداث والتسلسل التاريخي للمنطقة، إلى الأنماط المعمارية كصورة للعصور التي عاشتها البلاد، إلى الشخصيات التاريخية وأثرها في حركة التاريخ، إلى الكشف والتعريف بالمجهول من الأماكن، حتى غدت دراسة المادة التراثية من عاداتٍ وتقاليد ومرويَّات تعكس في مادتها تبدلات الزمن.
ولم يغفل محبُّو التاريخ عن إحدى أهم فترات تاريخ ليبيا الحديث، وأعني بها ملحمة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، إذ لم يكن الجهاد مجرَّد أداء فريضة، إنما تحوَّل إلى حياة انعكست في حياة المواطن الليبي، ودخلت نسيجه الحياتي والاجتماعي، فكونت نمطه الثقافي والمعرفي، واختلفت ـ بالتالي ـ أشكال التعامل معه، ودرجة استيعابه، لذا لم يكن من المستبعد أن ترصد حركة التأريخ هذه التباينات والاختلافات، وأن تخضع بالتالي للممارسة.
ويمكن للمطّلع ـ وغير المطَّلع ـ أن يقف على الكثير من المفارقات التاريخية، فيما يتداول بين الناس، وما توثَّق في ذاكرتهم من أحداث وحوادث، ربما يكون اعتراها الجرح والنسخ والتشويه والإضافة، وحتى التأويل والاستنتاج.
فالإنسان بطبعه لا يميل إلى المسلَّمات، بل يسعى وراء تجاوز اللحظة والحدث، وكون النسيج الاجتماعي في ليبيا يغلب عليه طابع القبيلة والولاء لها، فإنه يمكننا تفسير الكثير من القصص والوقائع، ومسح ما علاها من غبار وران عليها.
وهذه ليست نقيصة، بل ميزة تقدم صورة عن حركة المجتمع وتفاعل الأحداث، وتقدم ـ بالتالي ـ صورة موازية لما يحتويه النسيج الاجتماعي والفكري للمجتمع، وهو في صورته المباشرة، مجموعة الأفكار والمعتقدات التي يحيا بها في شكل العُرف والعادة والتقليد.
وأخصُّ هنا الباحث د.فرج عبدالعزيز نجم الذي قدَّم جهداً لا يمكن نكرانه أو إغفاله في رصد وتوثيق حركة جهاد الليبيين إبان الاحتلال الإيطالي، وأيضاً دراسته القيمة حول المجتمع الليبي.
واختصر نجم في كتابه الجديد "سير الأجداد بين الابتلاء والغبن والتخوين ـ الشارف باشا الغرياني أنموذجاً" علل تاريخ حركة الجهاد، متخذاً من سيرة الشارف الغرياني نموذجاً لهذا الابتلاء، محاولاً كشف ما اعترى سيرة هذا الشيخ من غبن وتخوين.
ويقول الباحث في كتابه الصادر عن مؤسسة بن علي بن راشد للتوزيع والنشر والمعلومات في عجمان "المبتغى من هذا البحث في هذا الموضوع الشائك والمثير للحساسيات هو تقديم استئناف ضد حكم جائر صدر في حق الشارف الغرياني الذي أخذته نموذجاً لمناقشة جملة من الملفات التي طالما تمنى البعض نسيانها، وبموجبها ابتلي وغبِن بل خوِّن بعضنا كما حدث في شخص الشارف الغرياني بدون حيثيات للادعاء، ولا شهود، في محكمة خلت من أبجديات العدالة".
فالكتاب محاولة لكشف الحقائق، وعلى العكس مما هو متوقع فإن الكاتب لم يعمد إلى تقسيم كتابه إلى فصول وأبواب، أو الاعتماد على منهج التحليل والتقصي للخروج بنتائج في نقاط، بل عمد إلى منهج ينفتح فيه أكثر على المادة التاريخية، بحيث ترك للمادة التاريخية الفرصة للحديث وتقديم ما تحمل، فخرجت هذه الوثائق والحقائق في مجموعة من القصص والعناوين راصدة الوقائع والأحداث لينحصر عمل الكاتب في صياغتها لغوياً.
فالباحث يضع العنوان، ويسرد الواقعة التاريخية، وعند الحاجة يدعم البحث بالوثائق والمراجع التي تضمن اكتمال المعلومة.
وإن كانت هذه القصص أو الأحداث والوقائع تناولت أكثر من شخصية تاريخيَّة وكشفت ما اعتراها من تشويش وابتلاء، فإنها في مجموعها خدمت الشخصية النموذج، وأعني الشارف الغرياني الذي تحققت براءته فيما تضافر من حقائق ووقائع سجلت في مجملها حقيقة ما يعانيه تاريخنا من تشويه وابتلاء.
ويعرض الباحث لشخصية الشارف الغرياني باستعراض سيرته الحياتية، وآثاره وأيديه البيضاء على مجموعة من كبار المجاهدين وعائلاتهم، باستعراض أكثر من واقعة تاريخية تدعم حقيقة هذا الرجل وتسقط ما تشكل من تشويش حوله، مستشهداً بمجموعة من الوقائع التي عاصر أصحابها الشارف الغرياني والوثائق التي كشف عنها البحث.

كما يعرض نجم في كتابه لما رآه أسباباً جعلت من البعض خدماً للإيطاليين، راصداً تحولاتهم، وأيضاً ممن خدم حركة الجهاد من الإيطاليين، وأزعم أنه سبقٌ لنجم لأسلافه الباحثين، وهو يقدم مجموعة من الأسباب التي ـ في رأيه ـ دعت هؤلاء الأشخاص لخدمة إيطاليا.
يقول "ولكن دعونا ننظر في سببية تعامل بعض أجدادنا مع الطليان. وأستطيع أن ألخِّصها في سببين رئيسيين هما: الفرقة بين الإخوة والكوارث البيئية".

وهذا الأسلوب الاستشهادي الجمعي حقق للباحث ـ في رأيي ـ مجموعة من الأهداف:
1- التحرر من أسر المنهجية البحثية، الأمر الذي حرر الكتاب أكثر من لغة البحث العصية ليكون كتاب أقرب للجمهور، يجد فيه المتلقي العادي مبتغاه، وأكثر مما يتوقع من قصص ووقائع. وأزعم أن الباحث قصد هذا.
2- إن هذا الأسلوب، خدم الشخصية النموذج، بحيث جمع حولها أكبر قدر من الحقائق المؤيدة، والشاهدة على براءتها، فيما يشبه الأسلوب الإجرائي المتبع في تحقيق بعض النظريات العلمية، فمجموع الحقائق يؤكد النظرية وبالعكس.
3- وأظهر هذا الثبت للوقائع والأحداث، كماً من الشخصيات غير المعروفة في تاريخ الجهاد، وغيرها مما تم التعامل معها على أنها خائنة باعت بلادها، إذ كشف الباحث مسببات هذا التوجه.
4- كما أن هذا الكم، يقدم صورة لجهد الكاتب وبحثه.

هذا الكتاب الحافل بالقصص، والأسماء والوقائع والشعر الشعبي، وجملة من التعابير الشعبية، يستحق منا أكثر من قراءة، وهذه الوقفة لا أراها تفي د.فرج نجم حقه لما قدم للتاريخ الليبي وحركة الجهاد الليبي، وهو الذي لا يهدأ منذ أن تطأ قدمه ليبيا، ليذهب باحثاً عمن ما زال يحمل بعض ذاكرة ليسجلها ويوثقها، كما لا تتوقف زيارته لمركز جهاد الليبيين طالباً للمعرفة والبحث، حيث كان في مكتبته لقاؤنا الأول.