نجل الامبراطور مردوخ يرفع سيفه في وجه تقاليد 'فليت ستريت'

لندن
الابن تلميذ لأبيه

رفع جيمس مردوخ نجل امبراطور الاعلام روبيرت مردوخ "سيفه المالي" في وجه الاصوات الاعلامية والسلطات البريطانية، محذراً من تداعيات رفض السماح المجموعة والده بامتلاك مجموعة "بي سكاي بي" للخدمات الاعلامية بنسبة 100%.

وقال جيمس مردوخ الذي يدير والده روبيرت مردوخ مجموعة "نيوز كورب" الاعلامية خلال مؤتمر حول وسائل الاعلام في برشلونة، ان مؤسسات كبيرة على المستوى العالمي مثل "نيوز كورب يمكن ان تركز نشاطها على بريطانيا او لا تفعل" حسب القرار المتوقع للسلطات البريطانية.

وتملك مجموعة "نيوزكورب" التابعة لمردوخ 39% من مجموعة بي سكاي بي التي احتفلت للتو بوصولها الى عشرة ملايين مشترك، اضافة الى اربع صحف كبرى في البلاد (ذا صن، نيوز اوف ذا وورلد، ذا تايمز، وصنداي تايمز).

ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" في عددها الصادر الخميس عن جيمس مردوخ قوله "مع انني اعتقد انه لا يوجد ما يبرر التدخل استنادا الى حماية المصلحة العامة او الحفاظ على التعددية، اعتقد ان على الحكومة ان تحدد خيارها".

وهي المرة الاولى التي يعلق فيها مردوخ على هذا الموضوع منذ دعوة وزير التجارة البريطاني فينس كايبل مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الحالي سلطة تنظيم

الاتصالات "اوفكوم" للنظر في العرض الذي قدمته مجموعة نيوزكورب لشراء 61% من اسهم "بي سكاي بي" ما سيؤمن لها في حال حصوله السيطرة بنسبة 100% على "بي سكاي بي".

واعتبر جيمس مردوخ ايضا ان تدخل السلطات البريطانية "قد يعرض للخطر استثمارا بقيمة 8 مليارات جنيه استرليني في بريطانيا عبر الدخول في اجراء طويل الامد يتعلق بالمنافسة".

وكانت رغبة امبراطور الاعلام الاسترالي روبيرت مردوخ في السيطرة على شبكة التلفزيون البريطانية بي سكاي بي التي اصبحت اداة هامة لتحقيق الربح، قد أثارت موجة معارضة من باقي وسائل الاعلام البريطانية بدءا من منافسيه الذين يرون في ذلك تهديدا كبيرا لهم.

وتناست مؤسسات اعلامية بريطانية "خلافاتها التاريخية" والتقت في رسالة مهنية لمواجهة استحواذ امبراطور الاعلام على شبكة "سكاي نيوز" برمتها.

واعترض الموقعون على الرسالة على قيام إمبراطورية مردوخ الإعلامية الجمع بين وسائل إعلامية متعددة في خطوة من شأنها أن تدر عوائد مقدارها 7.5 مليار جنيه إسترليني بالمقارنة مع 4.8 مليار جنيه إسترليني لهيئة الإذاعة البريطانية.

وأكدت الرسالة على التقاليد الصحفية التي ارساها "فليت ستريت" في بريطانيا والعالم، وان المجتمع لا يقبل بالتنازل عن اتجاهات قائمة وراسخة من أجل صناعة تجارية.

واتخذت القضية طابعا سياسيا على الفور، سيما ان هذه الصحف نشطت في دعم رئيس الوزراء الجديد ديفيد كاميرون في حملته الانتخابية. وكان مردوخ من اولى الشخصيات التي استقبلت في مقر رئاسة الوزراء بعد فوز المحافظين على العمال في ايار/مايو.

وبعد شهر عرضت نيوزكورب 7.8 مليارات جنيه استرليني (9.4 مليارات يورو) لشراء الـ61% من بي سكاي بي المتبقية. لكن المجموعة رفضت العرض في المرة الاولى على امل رفع سعرها.

ولم يتأخر رد فعل المنافسين. ففي مبادرة غير مسبوقة تحالف هؤلاء للطلب من الحكومة بوقف العملية معتبرين انها تهدد "التعددية في الاعلام"، اي بعبارة اخرى انها تهدد بسحق الاكثر ضعفا في ظروف اقتصادية صعبة جدا اصلا.

وفي حال تمت الصفقة فستملك نيوزكورب "قاعدة غير مسبوقة في الاسواق المتقاطعة لوسائل الاعلام" ايا كان نوعها على ما افاد تشارلي بيكيت مدير مجموعة بيكيت للابحاث التابع لمعهد لندن للاقتصاد.

واضاف انه ان حدث الامر "فقد يهدف الى ربط عروض الاشتراك في مواقع الصحف على الانترنت باشتراك التلفزيون".

وذلك يتفق مع سياسة مردوخ الجديدة الذي جعل في حزيران/يونيو موقعي صحيفتيه الكبريين تايمز وصنداي تايمز متوفرين مقابل اشتراك، معتبرا ان الابقاء على مصدر معلومات مجاني على الانترنت من قبيل الانتحار.

واعتبر القطاع هذا الرهان خاسرا، وغرق في التكهنات بشأن نتائج هذا التحول الاستراتيجي في غياب معطيات واضحة.

مردوخ عندما يريد
والجبهة المضادة لمردوخ قوية كذلك وتضم مسؤولي ديلي تلغراف وديلي ميل وذا غارديان وديلي ميرور وكذلك هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) ومحطة تشانل 4 ومجموعة بريتش تليكوم للاتصالات واحد منافسي بي سكاي بي في مجالي التلفزيون المدفوع والانترنت.

ويخشى هؤلاء من ان تتحول بي سكاي بي الى الة حرب تلتهم مجمل الارباح التي تبلغ مليار يورو والمتوقعة اعتبارا من هذا العام.

وبنت المجموعة التي انطلقت عام 1989 نجاحها على عروض مجموعة (تلفزيون وانترنت وهاتف) ومحتويات حصرية وعلى الاخص بث مباريات كرة القدم.

وتدخلت نتيجة الضغوط حكومة تحالف المحافظين والاحرار الديموقراطيين. لكنها ماطلت عبر الطلب من هيئة تنظيم الاتصالات ان ترفع اليها تقريرا قبل 31 كانون الاول/ديسمبر لاتخاذ قرار حول رفع الملف الى لجنة المنافسة البريطانية.

بالموازاة رفعت نيوزكورب مشروعها الى سلطات المنافسة الاوروبية.

وقال محلل رفض الكشف عن اسمه لوكالة الصحافة الفرنسية "يمكننا الرهان على ان البعض في الحكومة يأملون ان تنزع بروكسل هذه الشوكة من قدمهم عبر وقف العملية برمتها".

غير ان تشارلي بيكيت رأى انها ستكون "كارثة سياسية للاتحاد الاوروبي ان بدا وكانه يرفض في بريطانيا ما قبل به في ايطاليا" مع امبراطورية سيلفيو برلوسكوني.

وذكرت صحيفة "الغارديان" في تقرير كتبته "دانا صباغ" إن مالكي صحيفتي "ديلي تلغراف" و"ديلي ميل"، المؤيدتين لحزب المحافظين الحاكم، وجّهوا رسالة مشتركة مع مالكي صحيفة "الغارديان" وصحيفة "ديلي ميرور" المؤيدة لحزب العمال المعارض، إلى وزير الأعمال فينس كايبل تحذّره من أن توجه مردوخ للسيطرة بشكل كامل على شبكة "بي سكاي بي" في إطار صفقة قيمتها 8 مليارات جنيه إسترليني ستضر الحوار الديمقراطي في بريطانيا، ودعته إلى عرقلتها.

وعبر المشككون في الرسالة عن خشيتهم من أن يؤدي دمج مؤسسة مردوخ "نيوز كوربوريشن" مع شبكة سكاي، والتي ستضم صحف "صن" و"نيوز أوف ذي وورلد "و"التايمز" ودار النشر هاربر كولينز، إلى عواقب خطيرة وبعيدة المدى على تعددية أجهزة الإعلام البريطانية.

وكانت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" قد حذرت من إنه في حال تمكن مردوخ من شراء "سكاي"، فإنه سيصبح مسيطرا بشكل كامل على الساحة الإعلامية في بريطانيا، وأن ذلك من دون شك سيدفع الصحف ووسائل الإعلام الأخرى المنافسة إلى الاعتراض، بسبب قلقهم من احتكار مردوخ للساحة الإعلانية حتى أكثر من اليوم.

ووقّع على الرسالة كل من مردوخ ماكلينان الرئيس التنفيذي لمجموعة تلغراف الإعلامية، وسلاي بيلي الرئيس التنفيذي لمؤسسة "ترينتي ميرور" المالكة لصحيفة "ديلي ميرور"، وأندرو ميلر الرئيس التنفيذي لمجموعة "الغارديان" الإعلامية، ومارك تومسون المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، وإيان ليفينغستون الرئيس التنفيذي لشركة "بريتيش تليكوم" وديفيد أبراهام الرئيس التنفيذي للقناة الرابعة التلفزيونية.

ومن المتوقع أن يصدر وزير الأعمال البريطاني كايبل حكمه في القضية في غضون عشرة أيام من اطلاع المفوضية الأوروبية على مضمونها، لكن القرار الذي سيتخذه في هذا الشأن يحتاج إلى تصديق من رئيس الوزراء ديفيد كاميرون.

وكان روبيرت مردوخ قد دعا الى فرض ضريبة على المحتوى المتميز الذي تقدمه الصحف على مواقعها الالكترونية لمواجهة كساد الطبعات الورقية.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" انها ستفرض رسوماً على دخول موقعها على الانترنت بحلول عام 2011.

وبدأت فكرة دفع مقابل لقراءة محتوى على الإنترنت التي قادتها شركة "نيوزكورب" تثبت أقدامها ببطء وإن كان بثقة، بوصفها نموذج الأعمال التالي في الإعلام الغربي.

وفي الآونة الأخيرة قررت مجموعات نشر تقليدية مثل "التايمز" البريطانية و"نيوزكورب" و"نيويورك التايمز" و"أكسل سبرينجر" أن تخوض التجربة وتبدأ فرض رسوم مقابل الأخبار التي تنشر على الإنترنت مجازفة بتقليل حجم مستخدميها مقابل الحصول على مكاسب محتملة من خلال إيرادات الاشتراكات.

وكان رئيس تحرير صحيفة الغارديان البريطانية آلان روسبردجر قد دافع عن بقاء الصحافة الورقية تجاه تهميشها من قبل الصحافة الرقمية.

ورد آلان روسبردجر على دعوات روبيرت مردوخ المطالبة بفرض تكلفة مالية على مطالعي الصحف على الانترنت بقوله "ان المستقبل للصحافة الورقية والرقمية جزء منه والاكثر تميز هو الذي يفرض نفسه ويوثق علاقته مع القارئ".

واشار الى قيام مردوخ من قبل بتسعير صحفه بمبالغ ضئيلة جدا تصل الى اقل من سعر التكلفة من أجل الاستحواذ على الجمهور، وهو مردوخ نفسه الذي يطالب اليوم بفرض رسوم على دخول القارئ على موقع الصحيفة على الانترنت.

وقال "ان آلية الخلاط التي يعتمدها مردوخ والتي انهارت مع التوفر الكبير للمعلومة عن طريق العولمة والتقنية، لم يعد لها مكان في عالم اليوم، لأن نموذج الاعمال المعتمد تكسر على صخرة العولمة والتقنية".

وأتهم رئيس تحرير صحيفة الغارديان القائمين على المجموعة الاميركية الاعلامية "نيوز كورب" بستعير القيم لمهاجمة خصومها، فيما تتناسى انها تتعامل مع وسائل اعلام حرة.

المحطة التلفزيونية موضوع الجدل
وقال "ان الخلاف ليس في سطوة الثورة الرقمية على وسائل الاعلام، بل باختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، واطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير".

وشدد بقوله "إذا أدارت وسائل الاعلام ظهرها للمجتمع من أجل انانية تجارية، والاكتفاء بفكرة ليس ثمة ما يمكن ان نتعلمه، فانها فقط ستدخل في غياهب النسيان".

واشار بقولة "اذ انحصر تفكيرنا بالاعمال التجارية على حساب الصحافة فأننا سنصاب بالشلل التام".

وقال ان الخدمة العامة التي تقدمها هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" لا يمكن مثلا ان تنزل الى الخدمة التجارية لمجرد التنافس مع شبكة "سكاي نيوز"، كما ان مواقع الحكومات والمنظمات غير الحكومية والعلماء وشبكات الفنون والجامعات تنشر محتوى مواقعها على الانترنت من دون ان تفكر بفرض رسوم عليه".

وكانت هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" قد دخلت في أزمة التقليص تحت وطأة المنافسة المحتدة مع وسائل الاعلام المعاصرة.

وكشف تقرير خاص لصحية "التايمز" عن قيام أعرق المؤسسات الاعلامية في العالم بوضع حد لعصر التوسع.

وأوضح التقرير الذي كتبه المراسل الاعلامي "باتريك فوستر" عن قيام الهيئة بإغلاق اثنتين من محطات الراديو ونصف مواقعها على شبكة الانترنت وخفض الانفاق على شراء بعض البرامج الاميركية.

وقال مارك تومسون المدير العام لـ"بي بي سي" بأن المؤسسة تضخمت بشكل كبير ويجب أن تقلص لإفساح المجال للعمل أمام منافسيها التجاريين.

ويكشف التقرير عن إغلاق محطتي الإذاعة "موسيقى 6" و"الشبكة الآسيوية" ، كما ستجري تعديلات بشأن الإنفاق على حقوق بث الأحداث الرياضية وتكاليف النقل المباشر .

وأكد تومسون ان الهيئة التي تمول بمقدار 3.6 مليار جنيه استرليني من رسوم الترخيص السنوية التي تدفع من قبل البريطانيين على شكل ضريبة من كل منزل يمتلك جهاز تلفاز، أصبحت كبيرة جدا ويجب ان تتقلص اللجنة التجارية لافساح المجال أمام الشبكات التلفازية الاخرى.

وقال انه سوف يعلن عن إغلاق 6 محطات إذاعية رقمية للموسيقى والشبكة الآسيوية وإدخال الحد الأقصى المفروض على الإنفاق على حقوق بث الأحداث الرياضية بحدود 8.5 في المائة من رسوم الترخيص، أو نحو 300 مليون جنيه استرليني.

ورسم الخطة المقترحة المتوقع ان تثير جدلا عن المتلقي البريطاني الذي يدفع ضريبة اجبارية للهيئة من قبل مدير الاستراتيجية السياسية "جون تيت" الذي سبق ان شغل رئيس سابق لوحدة سياسة حزب المحافظين المعارض.

وشارك جون تيت في كتابته الخطاب الانتخابي لحزب المحافظين عام 2005 مع ديفيد كاميرون الامر الذي افقده قيادة الحكومة البريطانية لصالح حزب العمال.

وينظر المحللون الى "استراتيجية جون تيت" لمستقبل هيئة الاذاعة البريطانية على انها محاولة لاظهار امكانات حكومة المحافظين قبل الانتخابات المقبلة.

وتهدف المقترحات الجديدة الى توفير 600 مليون دولار يجري توجيهها إلى انتاج برامج واخبار بمحتوى وجودة عالية، كما تستند الدراسة إلى افتراض أن رسوم الترخيص سيتم تجميدها في عام 2013 لتصبح هيئة الاذاعة البريطانية أشبه باي محطة تجارية تمول بالدعم الخارجي والاعلانات، الامر الذي يؤثر على قيم الاخبار فيها.

وتقاوم نقابة الصحفيين البريطانيين "ان يو جي" الغاء الضريبة وتحويل هيئة الاذاعة البريطانية الى محطة تجارية، وتسعى عبر جمع ملايين التواقيع من البريطانيين للضغط على الحكومة لمنع هذا الاجراء.

وتقترح دراسة "جون تيت" الى خفض صفحات الانترنت للهيئة الى النصف وخفض عدد الموظفين فيها الى 25 في المائة، وتعويض ذلك بالمزيد من روابط الصحف والمجلات على مواقع "بي بي سي".

وتسوغ الخطة المقترحة تهدئة غضب المؤسسات الاعلامية المنافسة وفسح المجال امامها لانتاج البرامج والمسلسلات المحلية التي تتميز بها "بي بي سي".

وتتميز هيئة الاذاعة البريطانية بخدماتها التلفازية والاذاعية المتنوعة عبر عشرات المحطات في الفنون والموسيقى والثقافة والتاريخ، اضافة الى الخدمات الدولية وبأكثر من لغة.