نجاح فرنسا في مالي رهن بوقف عمليات تجنيد الإرهابيين المعقّدة

المجموعات المسلحة قد تتفكك إلى فصائل أصغر

اكتشف سكان دخلوا منزلا مبنيا بطوب اللبن بعد فرار مقاتلين إسلاميين من بلدة تمبكتو في صحراء مالي، أسلحة وذخيرة ووثائق فيما تبين أنه مكتب تجنيد محلي كان تابعا لتنظيم القاعدة.

وقال الحاج جرابة الذي فتش المنزل مع الجيران قبل وصول ضباط مخابرات فرنسيين "عثرنا على الكثير من بطاقات تحقيق الشخصية وجوازات السفر وشهادات الميلاد".

وتشير الوثائق الصادرة في مالي ودول افريقية قريبة وبلدان بعيدة مثل السعودية وبريطانيا إلى أن الجماعات الاسلامية استغلت فترة احتلالها لشمال مالي لمدة عشرة أشهر لتبسط سيطرتها على غرب افريقيا وما وراءه.

ويعني اتجاه الإسلاميين للتجنيد أن الحرب التي قادتها فرنسا في مالي ضد القاعدة وحلفائها قد تمتد لوقت طويل بعد أن تبدأ فرنسا في الانسحاب من البلاد في أبريل/نيسان ليعبر الصراع الحدود ويتسبب في زعزعة استقرار المنطقة الأوسع مع تفكك الجماعات الإسلامية.

وبعد مرور شهرين على العملية الفرنسية في مالي، استعادت الحملة السيطرة على شمال البلاد من ايدي الإسلاميين بعد أن أسفرت عن قتل عشرات المقاتلين ودخول من نجوا منهم إلى كهوف في الجبال ومخابئ في الصحراء خزنوا فيها أسلحة وإمدادات.

لكن الوثائق -إلى جانب المقابلات مع سكان المدن المحررة- تظهر أن صفوف الإسلاميين التي كان يهيمن عليها في السابق مواطنون من شمال افريقيا بقيادة مقاتلين مخضرمين من الحرب الأهلية في الجزائر، تضخمت بانضمام مئات المقاتلين من مالي ودول مجاورة بدافع العقيدة والحاجة لفرصة عمل.

وقال جرابة إن صفوف الإسلاميين ضمت مقاتلين من موريتانيا والنيجر ونيجيريا ودول أخرى.

واستطرد وهو يلتقط ذخيرة فارغة من فناء يرعى فيه الان الماعز "لكن هناك الكثيرين من مالي بما في ذلك من الجنوب".

وعندما بدأت فرنسا الغارات الجوية في مالي يوم 11 يناير/كانون الثاني، وصفت تدخلها بأنه محاولة لمنع الإسلاميين من السيطرة على كل اراضي الدولة التي يعيش فيها 16 مليون نسمة واستخدامها كقاعدة لشن هجمات على دول افريقية مجاورة وعلى الغرب.

ووجهت الحملة التي تقودها فرنسا ضربة قاسية للإسلاميين وقتلت العديد من قادتهم. وسيكون مقتل عبد الحميد ابو زيد أحد كبار القادة الإقليميين للقاعدة في وادي اميتيتاي، نجاحا كبيرا إذا تأكد.

لكن الخطر ما زال يكمن في تسلل فلول الاسلاميين خاصة المجندين حديثا من غرب افريقيا إلى دول مجاورة وإعادة تنظيم صفوفهم بمجرد أن تهدأ العمليات الهجومية.

وقال مسؤول كبير سابق في مخابرات مالي "سيسدد مقتل أبو زيد ضربة قاصمة لهم لكنهم سيجدون قادة جددا.. انتشرت أفكارهم وسيتفككون على الأرجح إلى فصائل أصغر".

وقاد أبو زيد المولود في الجزائر ومختار بلمختار وهو قيادي إسلامي كبير آخر -أعلن عن مقتله لكنه لم يتأكد- الوحدتين الجنوبيتين في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي- جناح القاعدة في شمال افريقيا.

ووجد مقاتلو أبو زيد وبلمختار الذين ينشطون بمنطقة الصحراء جنوبي التكتل الرئيسي للمقاتلين في الجزائر، الثروة والشهرة في خطف الغربيين طلبا للفدية واستغلال شبكات التهريب التي تقطع الصحراء.

وفي إطار مبادلة البضائع والخدمات مع جماعات سكانية في مالي أهملتها الدولة أقام المقاتلون روابط شخصية وأيديولوجية أثبتت أهميتها في سيطرتهم على الصحراء في شمال البلاد وهي منطقة مساحتها شاسعة.

وقال رودولف عطا الله وهو مسؤول كبير سابق في مجال مكافحة الارهاب متخصص في افريقيا "ما حدث هو تلقين حثيث لمعتقداتهم.. لم يكن الأمر مجرد غسيل مخ لمدة عشرة أشهر.. الأمر مستمر منذ سنوات.. لم يصلوا إلى معظم السكان لكنهم أقنعوا البعض دون شك".

وحارب الاسلاميون جنبا إلى جنب ثم خطفوا تمردا انفصاليا للطوارق بدأ مطلع 2012 وحققوا من خلال الخلط بين العقيدة والإجرام شبكة سيطرت على شمال مالي.

ورحب سكان لوحوا بالإعلام بتحرير فرنسا لمدينتي تمبكتو وغاو في أواخر يناير بعد أن اضطروا لتحمل شهور من تطبيق تفسير متشدد للشريعة الاسلامية بما في ذلك الجلد وقطع اليد عقابا على جرائم معينة.

ويساعد السكان الان بهمة قوات الامن في التعرف على المقاتلين والمتعاونين معهم. لكن كبار السن في تمبكتو وغاو يرسمون صورة أكثر تعقيدا للحياة في ظل حكم الاسلاميين.

وساعد عرب لهم تاريخ من التعاون مع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي على الترتيب لسيطرة الاسلاميين ودعموا احتلالهم للمنطقة لأسباب من بينها حماية مصالحهم.

وعندما استولى الاسلاميون على السلطة وهمشوا انفصاليي الطوارق غير المنظمين الذين لا يتمتعون بشعبية لأنهم مارسوا أعمال السلب والنهب، تمتع الاسلاميون بقدر من التأييد بين الافارقة الذين قدموا مجندين.

وحث عبد الملك دروكدل الأمير الجزائري لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي مقاتليه العام 2012 على الاندماج مع القبائل المحلية وحذرهم من فرض الشريعة بقوة كبيرة. وبدا أنهم اتبعوا نصيحته لفترة.

وقال ماهاماني كويي تاندينا وهو عضو بارز في لجنة الأزمات بتمبكتو التقى بانتظام مع أبو زيد، إن الاسلاميين لعبوا بنجاح على أوتار التشدد في المجتمع.

وقال "أعجب بعض الناس بأنهم أرادوا تغيير سلوك البنات ومنع الخمور والتبغ." وأضاف "لكن عندما بدؤوا في قطع الأيادي هم بذلك تمادوا كثيرا."

وفي غاو، قال سومييلو مايغا مسؤول البرامج في إذاعة (ادار كويما) إن الاسلاميين خدعوا السكان حين وعدوا بأن يحلوا محل الحكومة التي همشتهم واحترام الإسلام المعتدل.

وأضاف "ساعدهم هذا على تجنيد مقاتلين.. ذهبوا إلى المدارس الإسلامية وجندوا العاطلين.. تلقوا مساعدات وحصلوا على مجندين في المقابل.. فعل البعض هذا بدافع الدين وفعله آخرون بدافع الحاجة للمال".

ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش ومقرها نيويورك تجنيد مئات الاطفال في منطقتي غاو وتمبكتو.

وقال سكان إن المجند الشاب يمكن أن يكسب نحو 300 دولار شهريا، وهو مبلغ كبير بالنسبة للاقتصاد الراكد في شمال مالي.

وفي البلدتين جعل الإسلاميون المحليين في واجهة الاحتلال لكن القيادة ظلت في أيدي المقاتلين الاجانب.

وفي تمبكتو كان ساندو ولد بومانا وهو من عرب مالي عضوا في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي لكنه كان يتحدث باسم جماعة أنصار الدين الإسلامية في مالي.

وفي غاو ترك اليو توري التجارة في جلود الحيوانات في أسواق البلدات ليرأس شرطة اسلامية مرهوبة الجانب.

وقال ضابط مخابرات في مالي إن بطاقات تحقيق الشخصية الخاصة بالإسلاميين التي عثر عليها في غاو صدرت من دول من بينها توجو وتونس وبوركينا فاسو والجزائر والنيجر.

وقال سيد عبد الله توري وهو إمام بارز في غاو إن الحركة من أجل الوحدة والجهاد في غرب افريقيا استهدفت بذكاء الفقراء الذين حصلوا على بعض التعليم الاسلامي في المعاهد الدينية ولا يمكنهم الاعتراض على شكل الاسلام الذي فرض.

وأضاف "لب المشكلة هنا.. يجب ألا ننظر بعيدا".

وكثيرون في غاو يمدون بصرهم الى بلدة صغيرة على الضفة الاخرى من نهر النيجر تدعى كادجي.

وتضم القرية جيوبا وهابية متشددة عاشت في مالي منذ عقود غذاها رجال دين يفدون من الخارج.

وقبل الهجوم الفرنسي الذي تقول باريس إنه أسفر عن مقتل مئات المتمردين كان يقدر عدد المقاتلين الاسلاميين في مالي بما بين 2500 و3000 اسلامي. وقدر الجيش الأميركي أن ما بين 800 و1200 من هؤلاء المقاتلين جهاديون متشددون.

وكشف تنوع السجناء الذين اعتقلوا خلال الهجوم الفرنسي عن التشكيلة المتباينة لصفوف الإسلاميين.

ورأى مراسل من رويترز سافر مع قوات تشادية في تساليت في وقت سابق من هذا الشهر ثمانية مقاتلين ألقي القبض عليهم وكانوا من المغرب وتونس وبوريكانا فاسو ونيجيريا.

وقالت مصادر مخابرات منذ سنوات إن متشددين من جماعة بوكو حرام في نيجيريا اتصلوا بإسلاميين في مالي بهدف التدريب، لكن الجماعة ظلت إلى حد كبير تركز على قتالها من أجل فرض الشريعة الاسلامية في شمال نيجيريا.

لكن بيانات بوكو حرام في الاونة الاخيرة تشير إلى أن بعض فصائل الجماعة أصبحت متوافقة فكريا مع الجهاديين الدوليين.

وأشار مسلحون قالوا إنهم من جماعة بوكو حرام إلى الهجوم العسكري على مالي. وقالوا إنه السبب في خطفهم أسرة فرنسية من سبعة أفراد في الكاميرون في فبراير/شباط.

وأظهرت عملية احتجاز رهائن في منشأة ان اميناس الجزائرية في يناير والتي دبرها بلمختار سهولة انتقال المتشددين عبر الحدود في المنطقة.

وقال اندرو ليبوفيتش وهو محلل في شؤون منطقة الساحل إن تشكيلة المجموعة التي نفذت العملية والطرق التي استخدمت في الهجوم تشير إلى تعاون بين المتشددين في مالي وليبيا.

وأثار امتداد نشاط الاسلاميين شمالا وجنوبا من مالي إلى نيجيريا والجزائر وليبيا مخاوف بين مسؤولين بريطانيين.

وقال مسؤول "لا نرى فيه تهديدا للندن أو برمنغهام لكن لدينا الكثير من المصالح في هذه المنطقة".

وفي الوقت الحالي، لا زالت فرنسا وحلفاؤها الافارقة يحاولون معرفة ما إذا كان المقاتلون الذين تم تجنيدهم حديثا وصلاتهم الخارجية ستمكن الاسلاميين من الصمود في وجه هجوم لم يسبق له مثيل على مواقعهم.

وقال مسؤول غربي كبير له صلة مباشرة بالجماعات المسلحة في السنوات الاخيرة "هل سيتاح لهم الوقت ليصبحوا متشددين؟ لا أعلم".

ولا يبدو أن المعركة انتهت في الوقت الحالي.

وقال مسؤول أمني غربي خبير في شؤون المنطقة "إذا تمكن الاسلاميون من الاستمرار في التنقل والاختباء فستكون حربا دون نهاية مثلما هو الحال في أفغانستان".