نجاحات أبو رغيف أهلته لرئاسة المخابرات العراقية

خليط من الخلفية العائلية المتنورة والجدية في العمل والانجاز الشخصي تجعل أبو رغيف اختيارا مناسبا لمهمة أمنية واستراتيجية معقدة.


مصلحة الأمن القومي للعراق أهم من مصالح كل الدول الاخرى مهما كانت قريبة منا


معلومات تضليلية تستهدف إرباك عمل المخابرات العراقية وثنيها عن تحقيق مهامها الكبرى

يعد جهاز المخابرات في أي دولة، هو العقل المحرك لديناميكية الأمن القومي، وهو من يرسم معالم استراتيجيتها ويتصدر مهام بقية الأجهزة الأمنية، وينسق مهامها في أحيان كثيرة، وبخاصة في بلد مثل العراق، يواجه تحديات أمنية داخلية غاية في الخطورة.

ومواصفات الشخصية التي تنطبق على رئيس أي جهاز إستخباري، وبخاصة جهاز المخابرات، أن يمتلك من مقومات النجاح وفرض الهيبة والقوة عند إصدار الأوامر، وفي القدرة على أن يكون شجاعا ولديه قدرة فائقة على الإستشراف وسرعة البديهة، وعقل مدبر قادر على أن يتخذ القرار الصائب في الوقت المناسب، بالاضافة الى رتبته العسكرية العليا التي يفترض أن تكون بهذا المستوى عند إختيار رئيس لجهاز أمني رفيع مثل جهاز المخابرات. وهي مواصفات وسمات شخصية تتوافق مع شخصية مثل الفريق أول أحمد أبو رغيف، الذي أهلته نجاحاته في وزارة الداخلية وفي اللجنة العليا لمكافحة الفساد ومهام أخرى سبقتها، ليحقق حضورا فاعلا ومؤثرا، نال ثناء وتقدير رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي، وهو إختيار موفق في وضع الشخصية المناسبة في المكان الصحيح. لكن وزارة الداخلية خسرت بالتالي شخصية تركت لها العديد من الإنجازات على صعيد العمل الإستباقي الإستخباري في الوصول الى حلقات كثيرة، كانت تهدد أمن الدولة. وأثبت الرجل نجاحا فائقا في عمليات التعرض لها وتحقيق أهداف أمنية، كانت تعد إنجازات متقدمة في سجل وزارة الداخلية بكل تأكيد، لكن يبقى إختياره لإدارة جهاز المخابرات هو الأهم، كون جهاز المخابرات يحتاج موصفات مثل تلك التي أوردناها قبل قليل، إن أريد لهذا الجهاز أن يحقق طفرات نوعية في مسارات عمله.

والمشكلة أن المهمة المخابراتية الكبرى التي تواجه أبو رغيف وكل رئيس يتكلف بمهمة إدارة هذه الجهاز أن مهامه الأمنية والاستخبارية الكبرى تحولت الى مهمة أمن داخلي، لمواجهة تهديدات أمن قومي داخلي، بالرغم من أن المهمة الاساسية لعمل جهاز المخابرات هو مكافحة التجسس والخدمة الخارجية وهما مهمتان تقعان في صلب مهام هذا الجهاز، كما هو معمول به في أغلب دول العالم، ويعد نجاح أي جهاز مخابرات في قدرته على رسم معالم استراتيجية لخطط تحركه في مجالي الأمن الداخلي والخارجي، حيث تكون المعادلة في العراق للأسف، معكوسة تماما، وتختلف عن مهام أغلب أجهزة مخابرات العالم، حيث إنحسر دور جهاز المخابرات الوطني خارجيا، لتكون مهامه الأساسية حفظ الأمن الداخلي، مما أصاب حركته ببعض من حالات الشلل، لكون مهامه الداخلية توافقت مع مهام أجهزة أمن داخلي أخرى، يفترض أن تقوم هي بهذه المهمة، وهو ما حدد من مهامه الخارجية وعطل الكثير مما ينبغي أن يحققه في مجال الأمن القومي للبلد.

وواحدة من ميزات عائلة ابو رغيف أنها عائلة متنورة مثقفة واعية، تمتلك بعدا مستقبليا ونظرة متقدمة في تشخيصها لعلل الواقع العراقي، تحاول قدر الإمكان أن تتبنى النظرة الوسطية الواقعية، البعيدة عن عوامل الإثارة الطائفية والمذهبية، وهو ما أهلها لأن تحظى طروحاتها بقبول عراقي واسع، والرجل الفريق أول أحمد إنبثق من أرث تلك العائلة العراقية الكريمة، وهي ما تمنحه قدرة أكبر على تحقيق نجاحات مستقبلية في مهمته الجديدة.

لقد تعرض الفريق أول أحمد أبو رغيف لحملات دعائية من أقطاب العملية السياسية، وبخاصة من طائفته، وحاولت جهات كثيرة أن تعرقل مهامه في كشف الكثير من التهديدات والعمليات الأمنية، التي إستهدفت إثارة الفوضى وحالات متابعة السلاح المنفلت، لكن كل تلك الحملات لم تنل من الرجل، وراح ينفذ ما يراه أنه هو الصحيح لخدمة بلده، وإن ما يثار من حملات دعائية ضده، غالبا ما تسعى الى تسقيطه، وهو يدرك مغزى تلك الحملات، التي خرج منها منتصرا في نهاية المطاف، بالرغم من أنه سيواجه سيلا من الإتهامات اللاحقة لمهمته الجديدة. لكن الرجل لا يلتفت الى الوراء، مادام يمضي في رسم معالم خطط تحركه بهدوء وبلا ضجيج، ودون إعتبار للاصوات التي تستهدفه، بهدف ثنيه عن تحقيق ما يرى أن المهمة الوطنية تتطلب الصبر والجلد والصمت أحيانا، دون أن يقع في أحابيل الرد على حملات دعائية تستهدفه، وهو يعتقد أنها لن تصيب هدفها مادام يسير في الطريق الصحيح، ويحظى بدعم رئيس الوزراء، الذي شعر أن غيابه شخصيا عن الجهاز ربما أصابه بحالة من الخدر والسكون، وهو يريد تنشيط حركته، بتحقيق أهدافه العليا بنجاح يحقق له مكاسب كثيرة تخدم مستقبله السياسي.

صحيح أن المهمة الملقاة على عاتق الفريق أول أحمد أبو رغيف جسيمة، لكنها ليست جديدة عليه، وبخاصة أنه عمل في وكالة الإستخبارات في الداخلية ولديه سجلا متقدما، تفخر به وزارة الداخلية وضباطها. لكن مهمة جهاز المخابرات تكاد تكون الأصعب، وتحتاج الى إدارة أكثر صلابة وأكثر قدرة على الإختراق والتحرك الإستخباري، وان يتم أعادة رسم معالم استراتيجية أمن قومي واقعية، تضع في الإعتبار أن لابد للعراق دورا أن يؤديه على صعيد محيطه العربي والاسلامي والدولي، وان لا يبقى رهين خطط التحرك الداخلية، ومصدا لجماعات تستهدف أمنه الوطني، داخل البلد، وأن كانت كبيرة، لكن التحدي الأمني الخارجي ومهمة جمع المعلومات وتدقيقها وتقاطعها، ومواجهة حملات الحرب النفسية وتسريب الاخبار وأنماط مختلفة من التوجهات الدعائية، وتحديد أولويات الأمن القومي، والجهات التي تقع ضمن دائرة الإستهداف المطلوب، يبقى هو الأكثر حضورا في أن تكون الإختراقات التي تستهدف البلد، لها من يضع حدا لتوغلها، أيا كانت، فمصلحة الأمن القومي للعراق أهم من مصالح كل الدول الاخرى، مهما كانت قريبة منا، بمن فيها دول الجوار والمحيط العربي والاقليمي والدولي، وأن ندرك ان هناك من يزودنا بمعلومات تضليلية بهدف إرباك عمل الجهاز وثنيه عن تحقيق مهامه الكبرى ولإشغاله بمهام ليست من مهامه، إن أريد لمهام جهاز المخابرات أن يكون له حضور قوي في مواجهة تحديات شرسة تواجه الأمن القومي العراقي، وتتطلب قدرات فائقة لردع توجهاتها واهدافها قبل أن تبلغ مداها. وسبق أن أهديت له قبل اشهر، نسخة من كتابي "تسريب الاخبار والحرب النفسية في أجهزة المخابرات" الذي صدر مؤخرا عن دار أمجد للنشر والتوزيع الأردنية، عندما كان الرجل في وزارة الداخلية، من خلال المكتب الإعلامي للوزارة، والكتاب يحدد مهام وأهداف تسريب الاخبار وعمليات الحرب النفسية ومهام جهاز المخابرات على وجه التحديد، وهو أول كتاب عراقي منهجي بحثي ميداني متخصص، كانت مضامينه تخدم هذا الاتجاه.