نتنياهو إذ تحدَّث عن الشراكة والشعب الآخر!

بقلم: جواد البشيتي

في واشنطن، وبحضرة أوباما، تحدَّث نتنياهو بلهجة "معتدلة"، "تصالحية"، فقال مخاطباً عباس: "أنت شريكي في السلام.. الشعب اليهودي ليس غريباً في (أو عن) هذه الأرض، أرض أجدادنا؛ لكنَّنا نعترف بأنَّ شعباً آخر (استصعب تسميته) يشاركنا هذه الأرض".

أمَّا "المَطْلَب"، أي مَطْلَب نتنياهو، المترتِّب على ذلك فهو اعتراف "الشريك الفلسطيني"، في اتفاقية السلام، أي في اتفاقية المبادئ والأُسُس التي يعتزمون التوصُّل إليها في خلال سنة من المفاوضات المباشِرة التي بدأت في الثاني من أيلول الجاري، بإسرائيل على أنَّها دولة يهودية، تخصُّ (حصراً) ما يسمَّى "الشعب اليهودي".

هذا هو، في وضوح وجلاء، "شَرَك الشريك"، شَرَك نتنياهو الذي نصبه لشريكه الفلسطيني، بمعونة "الراعي"، و"الوسيط"، و"المُقَرِّب"؛ فَعَن أي أرض يتحدَّث؟! وعن أي شعب يتحدَّث؟! وعن أي شراكة يتحدَّث؟!

شعبه، أي "الشعب اليهودي"، ليس غريباً عن (أو في) ما يسميه نتنياهو "أرض أجدادنا"، التي هي (ولو لم يتحدَّث عنها نتنياهو، في هذا المقام، في هذا الوضوح) أرض فلسطين، كل فلسطين، أي الأرض التي تشمل إقليم "دولة إسرائيل"، وقد تشمل أيضاً مستقبلاً إقليم دولة فلسطين، فإنَّ الضفة الغربية (والقدس الشرقية) هي "يهودا" و"السامرة"، في معتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي.

ولا شكَّ في أنَّ نتنياهو يعني "الضفة الغربية" فحسب، في حديثه عن الأرض التي يشارِك "الشعب اليهودي" فيها "شعب آخر"، اعترف نتنياهو بشراكته (لليهود في هذا الجزء من أرض فلسطين) وإنْ لم "يعتدل أكثر"، فيُسَمِّه.

مَنْ هو شريك ربِّ العمل في العمل؟ إنَّه، وباعتراف ربِّ العمل نفسه، العامِل، الذي لا تمنحه هذه "الشراكة" أي حقٍّ من حقوق التملُّك أو المِلْكية للشركة التي يعمل فيها.

إنَّ نتنياهو لا يختلف عن "ربِّ العمل" في فهمه لمعنى "الشراكة"، شراكة "الشعب الآخر" لشعبه في "هذه الأرض".

كان على عباس أن يُناكِف نتنياهو، فيسأله مستوضِحاً منه "هل الشراكة التي تحدّّثت عنها تعني شراكة في حقوق التملُّك لهذه الأرض؟"، و"هل هذه الأرض، موضع التشارك، تشمل فلسطين الانتدابية كاملةً؟".

دَعُوُنا نفهم "اعتدال" نتنياهو بما يُظْهِر ويؤكِّد تطرُّف "الضحية"، أي "الشعب الآخر"، أي الشعب الفلسطيني، في اعتداله.

بحسب هذا الفهم، المُسْتَغْلَق على فهم نتنياهو، تعود فلسطين الانتدابية كلها في ملكيتها (القومية) لشعبين هما "الشعب اليهودي" و"الشعب الفلسطيني"؛ وينبغي لهذين الشعبين، بالتالي، أن يتساويا في الحقوق السياسية والقومية، فإذا كان لكل يهودي في العالم الحق في العودة إلى فلسطين، وإلى دولته القومية المستقلة فيها، فإنَّ لكل فلسطيني في العالم الحق نفسه، أي الحق في العودة إلى فلسطين، وإلى دولته القومية المستقلة فيها.

وإذا كان للدولة القومية للشعب اليهودي حقٌّ في أنْ تتَّخِذ من القدس (بشطريها) عاصمة لها فإنَّ للدولة القومية (المقبلة) للشعب الفلسطيني الحق نفسه.

وأحسب أنَّ نتنياهو لا يستطيع أن يَسْتَذْرِع بـ "شراكة غير متساوية في حقوق المِلْكية"، كأن يقول إنَّ لهذا "الشعب الآخر" حقَّاً في تملُّك جزء من أرض فلسطين الانتدابية، هو الضفة الغربية وقطاع غزة فحسب؛ ذلك لأنَّ "الشعب اليهودي" لا يملك من "حُجَج الملكية" إلاَّ حُجَّتين "قانونيتين": حجة "الوعد الربَّاني (الخرافي) لأبرام العبراني"، والتي تَجْعَل "الأرض" التي تحدَّث عنها نتنياهو، بصفة كونها موضع تشارك، تشمل فلسطين الانتدابية كاملةً، على الأقل، وحجة "قرار التقسيم (الرقم 181 والصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة)"، والذي لا يعطي الدولة اليهودية إقليماً مساحته أكثر من نصف مساحة فلسطين الانتدابية؛ فهل "الشعب الآخر" شريك لليهود في كل جزء من أجزاء "أرض الميعاد" أم شريك لهم بما يوافِق "قرار التقسيم"؟!

إذا أراد نتنياهو أن يكون في كلامه عن "الشعب الآخر" متَّفِقاً تماماً مع مبدأ "تَوافُق الفكر مع نفسه"، فإنَّ عليه أن يُقرِّ ويعترف بأنَّ "عرب إسرائيل" هم جزء من هذا "الشعب الآخر"، الذي يشارِك "الشعب اليهودي" في "هذه الأرض"؛ فإذا أقرَّ بذلك واعترف، فهل من معنى، بعد ذلك، لمطلبه أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل (الرابع من حزيران 1967) على أنَّها دولة يهودية، تخصُّ الشعب اليهودي حصراً؛ ولا يحقُّ، بالتالي، لذلك الجزء (عرب إسرائيل) من "الشعب الآخر" في أنْ يُعامَل على أنَّه ليس بالغريب عن هذه الأرض، أو فيها؟!

"مبدأ الشراكة" لا معنى له إنْ لم يَعْنِ اعتراف إسرائيل بالضفة الغربية على أنَّها (مع قطاع غزة) إقليم للدولة الفلسطينية المقبلة، وإنْ لم يَعْنِ اعتراف إسرائيل بنفسها على أنَّها دولة ثنائية القومية، وإلاَّ أصبح وجود ذلك الجزء من "الشعب الآخر" فيها كوجود عمَّال في شركة رأسمالية!

إنَّ على نتنياهو، مُكْتَشِف شراكة "الشعب الآخر" لليهود في "هذه الأرض"، أن يعترف بأنَّ الشعب الفلسطيني هو هذا "الشعب الآخر"، وبأنَّ هذا الشعب يعدُّ عشرة ملايين نسمة، وبأنَّ هؤلاء العشرة ملايين نسمة هم الذين يشاركون اليهود في "هذه الأرض"، وبأنَّ "هذه الأرض" تشمل فلسطين الانتدابية كلها، وبأنَّ شراكتهم في "هذه الأرض" متأتية من كونهم يتمتَّعون بحقوق الِمِلْكية القومية نفسها، وليست كشراكة العامل لربِّ العمل في شركته (وشركة أجداده)!

عباس هو وحده الذي كان يحقُّ له، وينبغي، أن يخاطب نتنياهو قائلا: "الشعب الفلسطيني ليس غريباً في (أو عن) هذه الأرض، أرض أجدادنا؛ لكنَّنا نعترف بأنَّ شعباً آخر يشاركنا هذه الأرض"! جواد البشيتي