نبيل ياسين: هذا العراق عراقي الشخصي .. لا ملك عليه ولا رئيس سواي

طبقة المثقفين تحولت لطبقة فاسدة

تشكل تجربة الشاعر العراقي نبيل ياسين واحدة من أبرز التجارب الشعرية العراقية والعربية التي انطلقت مسيرتها في النص الثاني من ستينيات القرن العشرين، وذلك لثرائها وخصوبتها وخصوصية رؤيتها التي قبضت على جمر العراق في تجليات اشتبكت مع الإرث الحضاري والثقافي والتاريخي والإنساني، فضلا عن كون صاحبها صاحب مشروع ثقافي ومهموم بالسياسة وانعكاساتها، خرج من العراق منذ ما يقرب من 28 عاما تنقل فيها بين مختلف البلدان الأوروبية مغتربا، هو الذي قال:

هذا العراق عراقي الشخصي

لا ملك عليه ولا رئيس سواي

أعطيه أغنيتي ومنفاي الكبير

وأصطفيه خليل أيامي وما ملكت يداي.

ولد نبيل في بغداد في كرادة مريم عام 1950، وأنهى الدراسة الجامعية في جامعة بغداد كلية الآداب عام 1972 والدكتوراه في أكاديمية العلوم الهنغارية عام 1986، ديوانه الأول "البكاء على مسلة الاحزان" صدر عام 1970 ومُنع ديوانه الثاني لأربع سنوات "الشعراء يهجون الملوك" ليصدر عام 1978.

أخيرا أصدر أعماله الشعرية الكاملة جمع فيها قصائده التي كتبها عبر أربعة عقود ما بين بغداد وبلاد الغربة، وضمنها 229 قصيدة تتوزع على مجموعات شعرية جديدة وسابقة، مثل البدء والمعاد، الشعراء يهجون الملوك، أوقات قاسية، قصيدتان، أحلام شاقة، سماء ثامنة، ورد ورمل، حدث بين النهرين، الإخوة ياسين، بلاد الرافدين، طقوس إلى الأبد، زينب، صهيل في غرفة، دعوني أعبر هذا العالم، بغداد - نيويورك، والعشاء العباسي.

ولياسين أكثر من كتاب فكري منها (الأصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الاسلامية المعاصرة) و(التاريخ المحرم: العراق نموذجا)، كما عمل في إنتاج ونقديم البرامج التلفزيونية في ام بي سي واي إن إن وراديو أم بي س اف ام، وشارك في مئات البرامج الأخرى حول العراق والشرق الاوسط.

احتفاء بصدور الأعمال الكاملة وديوانه الجديد "أوجاع الوردة.. سيرة قصيدة سيرة رأي" شهدت الندوة التي أقامتها مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، وحضرها مجموعة كبيرة من الشعراء والنقاد من بينهم نخبة من النقاد العراقيين من بينهم د. حاتم الصكر ود. علي الحداد ود. سهيل نجم، وقدمها الشاعر والباحث اليمني هاني الصلوي وأدارها الشاعر والمترجم الجزائري جمال جلاصي، مداخلات ونقاشات واسعة حول تجربة ياسين والتجربة الشعرية العراقية والعربية.

بدأ نبيل ياسين قائلا "عادة ما أسأل صحفيا عن الشعر وأعبر عن جهلي ولا أعرف الحديث عن شعري، وعادة ما أسأل هل شعرك عاطفي أم سياسي؟ فأقول لا أعرف؟ أو كيف تكتب الشعر؟ فأقول لا أعرف، وفعلا أنا صادق عندما أقول لا أعرف كيف يأتي الشعر؟ وكيف يكتب؟ ما قلته هو شعري ولا أعرف كيف أتي وكيف كتب، أعرف أنني كتبته وأنه نشر وأنني قرأته، ليس من مهمتي أن أعرف كيف قلت وماذا قلت، العراقيون الذين يحضرون الآن يعرفون طفولة العراقي، وكيف تسكنه الخرافات والأساطير والسعالى والدببة والطناطل والسلعوات، ودائما هناك صورة خوف في مخيلة كل طفل عراقي، تأتي من قصص أمه أو جدته.

العراق تاريخيا مسكون بالأشباح وحيوات صغيرة جدا تمشي تحت وبين أرجل الناس دون أن يروها، ولكنهم يتحسسون أقدامهم وجلودهم عندما تلامسهم. لحد الآن هناك صورة في مخيلتي، وأنا في الخامسة حين انفتحت غيوم السماوات وهطلت أمطار كأمطار طوفان نوح، كل ما كنت أسمعه تميمة تخرج من فم أمي خائفة مرعوبة من أن يكون هذا اليوم هو آخر يوم في الحياة، وفي اليوم الثاني تقوم القيامة وينهض الميتون ويعلو الضجيج.

أعتقد أن مجموعتي الشعرية الصادرة أخيرا "أوجاع الوردة.. سيرة قصيدة سيرة رأي" يشكل سيرة أوهامي وأحلامي، هي سيرة الأسطورة العراقية المتكررة من سومر إلى بابل وأكد وبغداد، منذ بدء الخليقة حتى عام 2018 العراق لم يخرج من الأسطورة، دائما يعيد تكرار الأسطورة لأنه لا يستطع العيش دون أسطورة، كأن الخليقة منذ البدء هي أسطورة هذه البلاد التي تمتد من الجبال إلى الخليج، ولو كان هناك وقت لقرأت قصيدة "الأخوة ياسين" وتنتهي: في هذه البلاد التي أنزلها الله ها هنا.

وأضاف نبيل ياسين "أعتقد أن كل ما كتب في العراق عن العراق شعرا ورواية ونقدا وأدبا وذكريات من كل الناس الذين أجادوا التعبير والذين لم يجيدوا التعبير، نابع من هذا الإحساس بأن كل كاتب يعيش أسطورة ما، وحينما ابتعدت عن العراق، كنت دائما أكتب قصيدتي لكي أعود إلى العراق وكأنها يدان تدفعاني عبر حدود الدول التي عشت فيها، عبر حدود المطارات والمحطات والمدن والغابات، لكن حين عدت بعد سبعة وعشرين عاما إلى بغداد ـ قضيت بضعة أسابيع ـ ثم عدت إلى لندن فاتصلت بي قناة "بي بي سي" الإنجليزية، وقالت إننا نجري حوارا مع الشاعر نبيل ياسين الذي قضى 27 عاما في المنفى ثم عاد إلى بلاده وأنهى منفاه، فسألني المذيع السؤال الأول: بعد 27 عاما في المنفى عدت إلى بلادك هل انتهى المنفي؟ قلت: إنه من العجيب فعلا أن أخرج من منفى إلى منفى لأحن إلى المنفى، فقال المذيع: لقد أربكتني هل تشرح ذلك؟ قلت له: كنت أحلم أن العراق بلدي موطني، وبالتالي عشت على حلم "حلمي حلمي أيها المستحيل.. لن أغني سواك":

هذا العراق عراقي الشخصي

لا ملك عليه ولا رئيس سواي

أعطيه أغنيتي ومنفاي الكبير

وأصطفيه خليل أيامي وما ملكت يداي.

وهذه القصيدة اسمها "عراق نبيل ياسين" نشرت في جريدة الحرية عام 1983 ثم في جريدة القدس، كل مواطن عراقي له عراقه يسطيع أن يقول ما قلته.. وقلت للمذيع: حين عدت إلى العراق لم أجد طفولتي، ولسوء الحظ أنني ولدت في منطقة في بغداد في ذلك الوقت كانت بساطيل الأميركان تمر عليها "كرادة مريم"، المنطقة الخضراء قسم منها الآن، وحين كنت أخرج من فندق الرشيد التقيت ثلاثة ضباط أميركان فسلمت عليهم باللغة الإنجليزية فرحبوا، قالوا لي: من أين؟ قلت لهم: من هذه الأرض التي تدوسونها ببساطيلكم. ولم أكن أريد أن أعمل دعاية أو بروجاندا.

ولدت هنا لا أعرف أين، لأن البيوت التي كانت تابعة لمحطة سكك حديد غربي بغداد التي كانت تذهب إلى الحلة وكربلاء أزيلت بالكامل. جئت أبحث عن جذوري وطفولتي لكنني لم أجد شيئا منها. فعلا كنت أبحث عن أشياء تبدو غريبة للآخرين. كنت أريد أن أسمع سقسقة العصافير التي كنت أسمعها في طفولتي على أشجار الدفلى وبين الآس، منطقة السكك كانت منطقة بناها البريطانيون بطريقة جميلة بها نبات الآس والدفلى باللونين الوردي والأبيض، وكانت هناك حيات صغيرة "أم سليمان" بيتية وناعمة غير مؤذية، كنت أتمنى أن أرى واحدة، لم أجد شيئا، حتى الأشجار كانت بلا عصافير.

قلت للمذيع: هذا منفى آخر، لقد خرجت من منفى وذهبت لوطني فرأيته قد تحول إلى منفى، وإلى الآن عائد غدا إلى المنفى إلى بغداد وبعد أسبوعين أعود إلى المنفى الآخر. قال الشاعر عبدالوهاب البياتي في إحدى قصائده في الستينيات: من منفى إلى منفى/ ومن باب لباب.

وأشار نبيل ياسين إلى أنه حين خرج من العراق بغض النظر عن الأيديولوجيات التي كانت سائدة، كان المثقفون ما بين نصف ليبرالي، نصف اشتراكي، نصف يساري، نصف ديمقراطي، يحلمون ويتفاعلون مع الثقافة وما نطلق عليه الحداثة العربية، وحينما خرجت إلى أوروبا ورأيت البشر والثقافة ومدنيتها واستقلالها وحياديتها، والكاتب يعيش من كتابته، أضرب مثلا صغيرا عام 2010 زارني بعض شباب العراقيين من الأجيال التالية لجيلي، كانوا يتحدثون ضد الحكومة، أن الحكومة لا تعنى بالثقافة والأدب ولا تدفع للمثقفين والأدباء، فقلت لمن يتحدث: عفوا حذاؤك بكم؟ فاندهش، فالآن نتحدث عن مقدس الأدب، الشعر، السرد، فقال: عفوا، قلت: حذاؤك بكم؟ فقال: تريد أن تشتري مثله؟ قلت: لا. قال: 25 ألف دينار عراقي، قلت: الحذاء لا بد أن تشتريه من قصيدتك، من روايتك، من كتابك النقدي، من محاضرتك. قال: كيف؟ فشرحت له: إنكم تعتبرون الحكومة بقرة حلوب، تلقمكم ضرعها وتشربون، هكذا تكونون عبيدا لها.

وأوضح نبيل ياسين "لدينا مشكلة حتى الآن المشروع الثقافي هو مشروع تحت رعاية الحكومة للثقافة بشروطها طبعا. شخصيا من الثمانينيات وقبل دراستي للدكتوراه ربما بتأثير الخارج والتفاعل مع ثقافات دول كألمانيا وفرنسا وأوروبا الشرقية، وجدت أن مشروعنا الثقافي هو مشروع أيديولوجي، التعبير عن الأيديولوجيا من خلال الثقافة، فصغت نظرية ضمن أطروحتي، أننا في العراق بالذات نعاني من أربعة تماثلات حتى اليوم: التماثل الأول ما بين السياسة والقانون بمعنى أن القانون هو السياسي الذي يستطيع أن يضع القانون ويخرقه في نفس الوقت، فنفوذ السياسي أكبر من النفوذ القانوني. التماثل الثاني الأيديولوجيا والثقافة يعني لم نفكك أو نعزل أو نفك الارتباط بين الثقافة والأيديلوجيا، الثقافة إنتاج والأيديولوجيا استهلاك، شعارات ووعود ومنظومات خائبة، أوهام كما يقول ماركس وأنجلز في نقد الأيديولوجيا الألمانية، فحين نتحدث عن الثقافة نتحدث أيديولوجيا: ثقافة تقدمية، اشتراكية، وطنية ديمقراطية، ولا نتحدث عن جوهر الثقافة وقلبها، عن ثيابها وأشكالها وشعاراتها وعباءتها.

التماثل الثالث المواطنة والعضوية الحزبية يعنى أنت لست مواطنا بالدولة، حزب البعث رفع شعار عام 1972 كما أذكر "كل عراقي بعثي وإن لم ينتم"، فأنت لست عراقيا ما لم تنتم للحزب، فالمواطنة أصبحت بالحزب لا بالدولة.

التماثل الرابع والأخطر أن كل دولة لها موارد طبيعية وتجارية واقتصادية وريعية ونفطية وإنتاجية صناعية وزراعية وغيرها، فعادة ما يعتبر هذا بالمفاهيم الاقتصادية الإنتاج القومي، الناتج المحلي أو الوطني، نحن ليس لدينا هذا، الميزانية أو كل هذا الناتج هو بيد الحاكم أو بجيبه أو واضعه أمامه، وبالتالي لا اقتصاد عندك، الاقتصاد الوحيد هو الريع، والريع يجيء من أنبوب النفط إلى خزينة الرئيس، هذه المشاكل في رأيي مشروع يجب على المثقف أن يعرضه على الناس ليفكروا.

ورأى نبيل ياسين أن الأحزاب لديها أيديولوجيا، المثقفون لا أيديولوجيا لهم، هم فقط ينتجون الثقافة والأدب والقصة والشعر ليأكلوا ويعيشوا. القانون أسمى من السياسي، لماذا يصبح السياسي أقوى من القانون؟ والمواطن القانون فوقه سواء كان عادلا أو غير عادل، المشكلة أن القوانين ينبغي أن تكون عادلة لكن نسبة العدالة في كل القوانين ليست أقل من 90% وهذا غير موجود، لأننا مجموعات ولسنا أفرادا ولذلك ترى العراقي مثلا لا بد أن يلجأ إلى إطار حماية جماعية، الدين جماعي، القبيلة جماعية، المذهب جماعي، الحزب جماعي، الجهة، المنطقة، والسبب هو غياب الدولة، نبيل ياسين لا ينتمي إلى دولة، لأن مفهوم المواطن داخل حزب أو قبيلة أو مذهب.. إلخ، اليوم أنت مسلم أو مسيحي، يزيدي أو كردي، من الأنبار أو العمارة، من السماوة أو الحلة، هذه المشاكل ليست مهمة السياسيين ولا شغلهم وإنما مهمة وشغل المثقف.

هذا هو المشروع الذي أطمح إليه لكن من ينفذه، المشروع لا ينفذ لأنه ليس عمارة، هو صناعة وعي على طبقات مختلفة تراكمية إلى أن نصل يوما من الأيام أن المواطن يقول: أريد ثقافة لأقرأها، لا أريد مجموعة قصصية صادرة عن وزارة الثقافة يعطون لمؤلفها 50 أو 100 يوزعها على أصدقائه وينشر بالفيسبوك أنه صدر له والبقية تذهب إلى المخازن، هذه ليست ثقافة. سابقا في العهد الملكي كانت الجريدة تصدر، الباعة المتجولون بها لا ينادون أن الملك سيزور سويسرا أو أن الملك سيلقي خطابا أو نوري السعيد سيفعل كذا، بل ينادون: قصيدة جديدة للرصافي، قصيدة جديدة للجواهري، ينادون في الناس بالشعر، فالشعر كان إنتاجا مجتمعيا ، المجتمع يتفاعل مع الثقافة مع الشعر، اليوم لا يوجد ذلك.

ولفت نبيل ياسين إلى أنه عندما كان يعد ديوانه "البكاء على مسلة الأحزان" للطبع كان قلقا لأنه كان يوجد ما يسمى اليوم مرجعية، "كان هناك مناخ أدبي لا يسمح لك بالخطأ، ولا أن تقدم مستوى هابطا من الشعر، فحين طبع ووزع وكتب عنه أحسست أنني قدمت ديوانا شعريا مقبولا، أذكر أن أدونيس كتب عنه بمجلة "الأحد" وبلند الحيدري بمجلة "العلوم"، والناقد المصري يسري خميس بمجلة "الآداب"، البرنامج الثاني بالإذاعة المصرية قدم حلقة كاملة عنه، آنذاك أحسست أنني جزء من المشهد، وشاركت بمهرجان المربد الأول عام 1971 ومهرجان المربد الثاني 1972 ومهرجان أبو تمام في الموصل 1971، تشعر أن هناك تذكية لهذا الشخص بأنه شاعر، هناك تذكية لفهد الأسدي بأنه قاص، ولمحمد خضير بأنه قاص، ولموسى كريدي بأنه قاص وهكذا، فتشعر أن هناك معايير فنية وجمالية تطبق على عمل الشخص فيقبل كجزء من الشعري والثقافي".

وحول كون المنفى حالة خاصة في الشعر العراقي، قال نبيل ياسين "لا يوجد منفى للشعر، الشعر لا يعيش في المنفى، تجربتي الخاصة أنني كنت أكتب بالمنفى عن العراق سواء ذكرت العراق أو لم أذكره، يعني حين أكتب قصيدة في المنفى أحس أنني أكتب خارج هذا المنفى، سواء كنت في هنغاريا أو بريطانيا أو ألمانيا أو أي مكان، يغيب المنفى أثناء الكتابة، لكن العيش اليومي في المنفى شيء آخر، العيش اليومي في المنفى هو الذي يضخ الرؤى والأفكار والمشاعر والأحاسيس والتصورات، يبني لك مخيلة، أنت لا تحس أن هذه المخيلة فيها أماكن، بريطانية وهنغارية وألمانية وسورية ولبنانية.. إلخ، هذه تغيب، تنتفي، تذوب في المخيلة التي يصنعها المنفى، أنا أعتقد أن كل ما كتبت في المنفى هو محاولة للخلاص من المنفى وتكسيره وتحطيمه والبقاء في حدود الوطن، لكن فلسفة المنفى شيء آخر، إذا لم تتعامل مع المنفى من خلال فلسفة خاصة ورؤية عميقة للمكان، المنفى مكان فأن تعيش فيه بدون فلسفة التعامل معه لن تكون منفيا.

وقال فيما يتعلق بالتمرد الذي واصله الجيل نشر أولى قصائده بدءا من منتصف الستينيات وأصدر أولى مجموعاته الشعرية بدءا من أوائل السبعينيات "أعتقد أن جيل الستينيات وبالذات الذي خرجوا من سجون 1963 كانوا يتعاملون مع هذا التمرد تعاملا لنقل أن المخيلة صنعت هذا التمرد لكنه لم يكن يمارس على المستوى الفعلي، كان هناك تمرد في الكلمة وفي السلوك أحيانا، وفيما يتعلق بي شخصيا.

ديواني "البكاء على مسلة الأحزان" تعامل مع أقنعة أو رموز تارخية مثل الحلاج "إنني الشاعر يا مولاي/ ضلعي ريشة وجبيني الورقة/ وأنا الحلاج/ والحلاج في كل العصور عالق بالمشنقة"، وكذا أخذت بشار بن برد وصالح بن عبدالقدوس وغيرها من نماذج التاريخ المتمردة، وكنت أضع هوامش تحتها، وفي تقديري أعد أول شاعر يستعمل الهوامش التاريخية تحت القصائد من ياقوت الحموي ومروج الذهب. أعتقد أن الفترة التي سبقت قيام الجبهة الوطنية كانت فترة ناضجة جدا في الشعر العراقي، لأن ألق التمر الستيني كان لا يزال موجودا، وجاءت الجبهة الوطنية السياسية وخنقت هذا التمرد عند شعراء متمردين لسبب هو الأيديولوجيا، هم مرتبطون بالحزب الشيوعي وبالتالي عليهم أن يتفاوضوا مع أطروحة جديدة اسمها التفاوض الوطني بين الشيوعيين والبعثيين، ومن ثم ضعف التمرد لديهم، وبقى لدينا نحن المستقلين المعادين لهذا التحالف الذي اعتبرناه كارثة واتضح لاحقا أنه كذلك، في نفس الوقت كان الضخ الخارجي الفرنسي االألماني لأوروبي وتراجم رامبو ولوركا وغيرهما قد شحنت التجارب المستقلة من الشعراء بالتمرد من بودلير إلى رامبو ولوركا وغيرهم، الحزبيون ظلوا ملتزمين بالخط والإطار الأيديولوجي للحزب فتخلوا عن التمرد، ولذلك انحسر تيار التمرد، وكما تعرف اتحاد الأدباء في العراق كان اتحادا لتخفيف وطأة التمرد، لتدجين التمرد: أنه (بمناسبة الذكرى الثانية للجبهة الوطنية يقيم اتحاد الأدباء أمسية شعرية)، ما علاقة الشعر بقيام جبهة وطنية؟ أعتقد أن السبب تداخل السياسي والأيديولوجي.

ورأى نبيل ياسين أنه "لا يوجد فصل بين السياسة والشعر في الموقف الذي يكوّن رؤيتك، السياسة حياة وإدارة مجتمع وإدارة علاقات وبناء واقتصاد وثقافة، لكن أن تكون شاعرا سياسيا محسوبا على حزب، شاعر البعث مثلا، أو شاعر الشعب ـ محمد صالح بحر العلوم وعلي الحلي ـ هذه التقسيمات هي التي تسيء للشعر، الشعر ليس منظمة حزبية، الشعر منظمة إبداعية تحمل مجموعة قيمية وجمالية وفنية عليك أن تشتغل داخلها والناقد يفكك ويحلل ويشير إلى هذه الناحية أو تلك، إن الفترة ما بين 1968 و1974 شهدت تحولات مهمة انعكست على ازدهار الثقافة الديمقراطية والمستقلة والوطنية، لكن سرعان ما أصابها التأطر بالأطر الأيديولوجية، لقد نشرت أول قصيدة عام 1967 ثم 1968 وما تلاها، وعام نشر مجموعتي الشعرية الأولى "البكاء على مسلة الأحزان" المدون على الغلاف عام 1970 ولكن في الداخل 1969 لأنه تأخر صدوره وهذا مرتبط بالمرحلة العراقية".

وتساءل: هل يبقى الشعر سياسيا؟ وقال "لا أعرف أن أصنف الشعر لسياسي أو عاطفي أو غيره، إنني أقرأ قصيدة كتلك التي قرأتها فيها سياسة من أولها إلى آخرها، ولكن هذه السياسية ليست السياسة البولتكس التي تمارس كالشعارات والنشاط اليومي وغيرها، الرؤية السياسية للشاعر الموجودة في بيت شعر، الرؤية السياسية للشاعر الذي يتصور أن المجتمع يجب أن يبنيه السياسي بطريقة واحدة وهدف واحد هو توفير السعادة للمجتمع، السياسي لا يفعل ذلك، ليس كل سياسي، الشاعر يطالب أن تأتي السعادة عن طريق المجتمع السياسي والمجتمع المدني يتمتع بثمار عقلية المجتمع السياسي الذي يبني سعادة المجتمع كما هو في الغرب، لماذا لا يوجد في الغرب شاعر سياسي؟ حتى أراجون وإيلوار ونيرودا وناظم حكمت أليسوا محسوبين على اليسار السياسي الدولي ومناضلين بالحرب العالمية الثانية، ولكن ليس هناك قصيدة سياسية بهذا المعنى: أنه ستتحرر فرنسا من النازيين والفاشيين، الموجود هو الإحساس بأن هذا الشاعر بكل ما يكتب هو يخدم الحرية، هاجسه الرئيسي هو الحرية، مع الأسف فإنني أتهم نص المثقفين العرب بأنهم لا يفكرون بالحرية، والأسوأ من ذلك أن الأولويات مقلوبة".

وأضاف "ما هو مشروعك الثقافي التنويري؟ وأقول إن عندي قائمة: أولا الحرية والدفاع من أجل الحرية، ثانيا الكرامة والدفاع من أجل الكرامة، ثالثا الدفاع من أجل حقوق الفرد... ست عشرة معادة الإمبريالية، سبعة عشرة محاربة الإستعمار.. وهكذا.

إن المثقفين العرب منذ الخمسينيات يبدأون قائمتهم بمحاربة الإمبرالية، تسأل أين الحرية؟ فتجدها رقم عشرين أي في ذيل القائمة، إذا كنا لم نصل لرقم 2، هذه مشكلة لقد قضينا نصف قرن في عبث، لا حررنا بلداننا من الإمبريالية بالمعنى الحقيقي ولا أقمنا حرية ولا عدالة ولا كرامة، بالعكس تحولت طبقة المثقفين بشكل عام إلى طبقة فاسدة، لأنها تنتظر السياسي أن يضعها في المكان الذي يريده ولا تضع نفسها في المكان الذي يجبر السياسي على التعامل معه، فالمثقفون هم الذين يتحملون مسئولية هذا الانهيار الجاري. إننا نحكي عن دور المثقف، أين هو دور المثقف؟ أي دور لمثقف حتى حذاءه لا بد أن تشتريه له الدولة".

وحول عدم اتجاهه لكتابة قصيدة النثر قال "لدي ثلاث مجموعات قصيدة نثر في أعمالي الشعرية الكاملة، ديوان "صهيل في غرفة"، و"العشاء العباسي"، و"بغداد نيويورك"، ومفهومي عن قصيدة النثر هو أنها شعر ويجب أن تتمتع بالشعرية الذاتية الداخلية، فإن لم يحدث ذلك تصبح كلاما عاديا، أو نمطا، ما قتل الشعر النثري هو النمطية، أن لديك عشرة دواوين لفلان وفلان وفلان لا تجد أي تمايز بينها، ارفع قصيدة من فلان وضعها في ديوان فلان لن تجد فارقا، هذا ما جعل قصيدة النثر سربا واحدا، أيضا أعطي ديوانا لمتلقي سيقرأه في ربع ساعة ويرميه، لأن الإيقاع هو ما يبقى الشعر شعرا حتى في النثر، فإذا لم تستعمل إيقاع المفردة والجملة، الإيقاع الداخلي لا يبقى شيء، الشعر بنية حتى بقصيدة النثر، فإذا لم تضع لهذه البنية إيقاعاتها الخاصة لا يبقى شيء.

وأكد نبيل ياسين أن الشعر مواز لثقافة المجتمع، ومن ثم لا يمكن أن يكون المجتمع فاقدا للثقافة الشعرية ويستطيع قراءة الشعر، في العصر العباسي كان المجتمع يعيش الثقافة الشعرية فلا يجد صعوبة في التفاعل مع الشعر ونقله إلى ذاكرته ونقله أيضا من قرية إلى قرية ومن نجد إلى الحجاز ومن الحجاز إلى اليمن.. إلخ، ومن العصر العباسي إلى أوائل القرن العشرين حيث شوقي وحافظ والرصافي والزهاوي والجواهري كان المجتمع العربي في العراق وسوريا ولبنان ومصر ـ هذه البلدان الكلاسيكية لحضارة الثقافة أو ثقافة الحضارات ـ يستطيع أن يعرف دور الشاعر لأنه يقرأ هذا الشعر ويحفظ هذا الشعر ويتصدر الصفحات الأولى من الصحف ويتردد هذا الشعر حتى في المدارس، كان هناك طالب يصعد يوم الخميس ليقرأ قصيدة لمعروف الرصافي أو حافظ إبراهيم أو أحمد شوقي، كان مستوى الثقافة العامة للمجتمع ينقذ الشعر ويساعد على التواصل والعيش والاستمرار، فيما بعد هبطت ثقافة المجتمع إلى حد أن الشعر أصبح غريبا على الذائقة وعلى السماع، وقراءة الشعر كلها غلط، إذا لم تقرأ بتحريك وإعراب الكلمات فهذا غلط، أعطها لخريج جامعي يقرأها كما يقرأ النثر ويخربها، لماذا؟ لأن ثقافة الفرد، العامة، وثقافة الجامعات أيضا هبطت، يعني خريج في قسم اللغة العربية وليس خريج كلية الهندسة يكتب بعدسة هكذا "بعدست"، هناك مشكلة لدينا باللغة، واللغة انهارت، ما نراه على شاشاتنا من مذيعين ومذيعات كافيا كدليل على هذا الانهيار.

إن انخفاض ثقافة التلقي مشكلة يعاني منها الشعر الآن، لذا عندما أقول أن قصيدة النثر لا تعني شيئا للقارئ لأنه ليس بها ثقافة التلقي، محمود درويش في حواراته معي أثناء وجوده في لندن أشار إلى أنه يعتمد على قراءة شعره حتى يصل إلى الناس، ويوسف الصائغ أيضا وآخرين. يعتمدون على الإيصال الصوتي تعويضا عن انعدام أو اضمحلال ثقافة المتلقي، الشاعر يقرأ بشكل صحيح ويستمتع بها المتلقي لأنها صحيحة وليس كونها جدا عالية، محمد الفيتوري وأدونيس ودرويش، هذه هي الأصوات التي تستطيع أن تلقي وتوصل لك ما تريد، بينما آخرون يتلكأون في القراءة.

• قصيدة البيت

أحيا هنا

وأمد عبر فراسخ الدنيا يدي كي أقرع الباب الذي غادرته

لأعود كهلا نحو ذاك البيت

يجهلني المكان

من يفتح الباب الذي غادرته أمي أم الغرباء

أم أطفال أهلي يسألون بدهشة: من أنت؟ ويسود صمت: من أنا؟

هل عدت كالغرباء للبيت الذي غادرته ملقى على الماضي ومتكئا على طرف الزمان

أنا ابن هذا البيت

ساكنه وجوهره ومعناه الذي شغل الفلاسفة القدامى

واعتنى الفقهاء بالنص الذي يعنيه

بيتي ساتر لي من صروف الدهر

لكن الوقائع لا تطابق موقف الفقهاء

يا بيتي ويا بيت العراقيين ما أقساه من بيت

ما أقساه منذ السومريين القدامى

آه يا بيتي وبيت الآلهات الكاهنات

وبيت عشتار وبيت الله

بيت كبير آلهة العراق

بيت أمي

بيت أشيائي الصغيرة

بيت ألعابي وأوراقي

وبيت قصائدي

من أنت؟ لماذا تسأل الإنسان مغتربا وحيدا متعبا؟

هلا سألت الباب والشباك

والسطح الذي راقبت منه نجوم هذا الكون

حيث البيت قبة كوننا

والبيت فلسفة الخليقة

مخزن الأديان

دن الروح

عتق ألف فلسفة وفلسفة

وحيث البيت حواء وآدم والخليقة كلها

والبيت نقض النفي في لغة الفلاسفة القدامى

والشريعة في حكمة الحكماء

لو عاد الغيب لبيته يشفى

لكن القصائد ضمت المعنى الجديد لبيتنا

منفى.