نبيل العربي والظواهري يرجحان كفة النظام السوري

بقلم: د. محمود عباس

زيارة السيد كوفي أنان إلى دمشق بدون المرور على مقابر المئات من الأطفال الشهداء، ورؤية معاناة الآلاف من الجرحى الذين تمنع السلطات السورية وصول المساعدات الإنسانية إليهم، وذهابه مباشرة إلى مرتع المجرمين ومركز العمليات والتخطيط لقتل الشعب السوري، للتباحث السياسي والدبلوماسي مع الرئيس الذي ملأ إيقونة السيد المسيح بدماء الشهداء، وغير لون سماء الوطن، يعتبر استخفافا مباشراً بالثورة السورية وبشهداء الوطن، ويدخل في خانة تشجيع سلطة بشار الأسد بالتمادي أكثر في جرائمه بحق الشعب السورية.

تعيد إلينا زيارة السيد آنان ذكرى زيارة السيد نبيل العربي في بدايات الثورة السورية يوم كان الشهداء بالعشرات في شوارع الوطن، إلا أنها الآن كبرت وثقلت الزيارة ودخلت في كفة الموازنة مع ضخامة عدد الشهداء.

يزداد بشار الاسد ثقلاً في الحلقات الدبلوماسية كلما أبدع في تمزيق الوطن وأمعن في تعذيب الطفل السوري، وتمادى في غيه. هذا بعد مؤتمر تونس الأخير الذي لم يكتف رئيس الجامعة العربية بإنه حوره من مؤتمر لأصدقاء الشعب السوري إلى مؤتمر قرأت فيها دول العالم الفاتحة على أرواح الشهداء وحولت قاعاته لإجتماع وزراء وشخصيات سياسية استجدوا الرحمة من الطغاة وتذللوا لهم لوقف آلة القتل في سوريا الممزقة، بل إنهم يأتون الآن وعلى رأسهم السيد العربي ويفتحون صفحة جديدة من صفحات الإستجداء وبأساليب أخرى أكثر عمقاً في الأبعاد السياسية وعلى سوية دبلوماسية أرقى لكنها أخبث.

يعيدون الإعتبار لسلطة كان من المفروض أن تكون خارج الأطر والعلاقات الدبلوماسية العالمية وخاصة من قبل مجلس الأمن الذي صوت بالأغلبية شبه الساحقة على أن السلطة السورية فاقدة لكل القيم الإنسانية والاعتراف الدولية، وللأسف فهو الآن يجد نفسه ثانية في موقف الواقف والواثق ويستقبل الهيئة الدولية في شخص كوفي أنان، وبمساعدة وترخيص من السيد نبيل العربي، وعليه تؤكد سلطة بشار الأسد للبشرية على أن طريقة الإجرام مع الشعوب هي الأجدى والأصح في تسيير الحكومات والسيطرة على شعوبها.

قدم رئيس جامعة الأنظمة العربية شهورا عديدة لعمر السلطة السورية وضحى على مذبح الحرية بالآلاف من الشهداء وذلك بدورانه في أروقة الدبلوماسية المتتالية، بدءاً من مؤتمرات الجامعة العربية إلى مؤتمرات وزراء العرب إلى المؤتمرات الجانبية والمحادثات المباشرة وغير المباشرة مع السلطة السورية وإلى مرحلة المراقبين العرب برئيسها المطلوب للعدالة الدولية، إلى أن وصل إلى مجلس الأمن وبدورتين متتاليتين بمساعدة الدول الخارجية وربما المحاولة الثالثة على الطريق، والآن مكوكية السيد أنان وبدم بارد لا علاقة لها بدم الشهداء الذي يهدر ليل نهار. ألم يتبين للعالم اجمع كل هذا النفاق الذي تجاوز كل القيم والأعراف الإنسانية الحضارية على الثورة السورية، ألم يتبين بعد للبشرية وللمدافعين عن حقوق الإنسان ضحالة محاولات تغليف الأنظمة العربية ومعهم رئيس جامعتهم نوعية الخريطة المرسومة للإبقاء على هذا النظام حتى ولو بدون رئيسه الحالي الذي يودون له حصانة فاجرة مشابهة للمبادرة اليمنية؟!.

جامعة الأنظمة العربية تقدم خدمات جليلة إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى النظام السوري مثلها مثل المساعدة الغريبة التي قدمها زعيم القاعدة الحي الظواهري يوم صرح بإنه يؤيد الثورة والثوار السوريين. هذه الشخصيات الخبيثة والذكية تمعن في مساعدة هذه السلطة التي قدمت الكثير لهم في الماضي القريب، وخاصة لهذا التنظيم. لا شك بإن دعمهم لتعيين السيد نبيل العربي رئيساً للجامعة العربية على حساب المرشح الكويتي، تقطف ثمارها الآن، وجدنا لقائه الحار ببشار الأسد بُعيدَ إنتخابه مباشرة، وتصريحاته للصحافة أمام القصر الجمهوري السوري، والتي لم تختلف في ماهيتها عن تصريح الظواهري المبطن، فهذا الأخير يوهم العالم الغربي بإن الثورة السورية منهم ونجاحها تعود بفوائدها إليهم، وتأكيده على دعم القاعدة للثورة السورية خلق ردة فعل فظيعة في العالم الحر، وتأثيرا سلبيا مباشرا على الثورة الشبابية وعلى الجيش الحر بشكل خاص، أوصل زعيم القاعدة بتصريحه ذاك إلى العالم الغربي مفهوماً خاطئاً عن الثورة السورية. وكانت النتيجة إعتقاداً خاطئاً ليس من السهل إزالته وهو بأن أية مساندة عسكرية للجيش للثورة السورية ستدخل بشكل غير مباشر في خدمة القاعدة، ولا نستبعد بإن تصريحات السيدة كلينتون وتخوفها في لقائها الصحفي من تسليح الجيش السوري الحر، وعلى إن هذا التسليح قد يؤدي إلى تسليح مباشر لمنظمات القاعدة، لذلك فالغرب بأكثريته لا يؤيد حتى اللحظة المساعدة العسكرية للثورة السورية، فمعظم إدعاءاتهم تعتمد على هذا الفهم الخاطئ وهو نفسه ما كانوا يتخوفون منه في بدايات الثورة الليبية.

عدم تقديم المساعدة العسكرية المباشرة، حتى ولو بدون التدخل الخارجي يحللها البعض اعتماداً على ضحالة المعلومات عن الحداثة الرأسمالية العالمية وهي أن ليبيا غنية بالنفط لذلك ساعدوا ثوارها! دول الناتو متأكدة من أنها ستعوض على خسائرهم! وسوريا فقيرة بالنفط لذلك نجد التجافي من قبل دول الناتو!

لكننا نرى الحقيقة أبعد من هذا المفهوم الساذج في عرف الرأسمالية العالمية. الإستراتيجيات العصرية في التعامل الإقتصادي بين الشركات العالمية تجاوزت ومنذ أكثر من عقدين الدول ومفاهيم الأوطان، والتي لم يعد للحدود الجغرافية معنى لقدرات هذه الكارتيلات وإنتشارها، ولم يعد لها أنتماء وطني محدد. إنهم في الأرض جميعهم وينتمون إلى الأرض جميعها، مصالحهم في الكل ومع الكل، الشرق وشمال افريقيا كتلة واحدة في مدارك التحركات الرأسمالية، نفط ليبيا لم يعد ينظر إليه على إنه في إطار جغرافي مغلق. وسوريا ووجود دكتاتور معارض "جدلاً" للراسمالية العالمية في هذه البقعة يعتبر من ضمن الكل الذي تتحرك ضمنه الشركات العالمية، وجوده وعدمه لا يختلف عن وجود القذافي وعدمه، وهنا لا نتحدث عن الشركات الوطنية المحدودة الإنتشار والتي لا تأثير لها على الدبلوماسية ولا على السياسة الدولية، والعملية هنا في سوريا وعدم تسليحها تأتي ضمن نقاط خدمات البعض من أمثال الظواهري والعربي المباشر والغير مباشر لهذه السلطة.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأميركية

MAMOKURDA@GMAIL.COM