ناقد أردني يؤكد تجاوز جيل الرواية الجديد لمحفوظ

كتب ـ محمد الحمامصي
وداعا نجيب محفوظ

كتب الناقد الأردني فخري صالح فصول كتابه الصادر أخيرا عن دار العين بالقاهرة بعنوان "في نقد الرواية العربية الجديدة" ما بين 1984 - 1998، وهي فصول مهجوسة بسؤال أساسي: كيف استطاع جيل الستينيات، والجيل الذي بعده، أن ينتهك جسد الكتابة الروائية الكلاسكية، وينقل الرواية العربية من أفق اليقين المستقر الهانئ إلى أفق الشك حتى بعملية الكتابة نفسها؟ حيث ينطلق صالح من روايتي "ثرثرة فوق النيل"، و"ميرامار" لنجيب محفوظ، مدخلا في انعتاق الرواية العربية الجديدة من طوق أحكام وأسس وقواعد السرد السائدة وصولا إلى إدوار الخراط، وصنع الله إبراهيم، وإلياس خوري، وسليم بركات، وإبراهيم الكوني، وإميل حبيبي، وجمال الغيطاني.
تساؤلات عدة يطرحها صالح، ويجيب عليها، منها: هل يمكن، في هذا السياق، أن نقول إن الجيل الروائي العربي الجديد استطاع تجاوز محفوظ، لنقول للأخير "وداعا نجيب محفوظ!"، بالإحساس نفسه الذي تملك إدوارد سعيد عام 1988، عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب؟ ويقول "إن قدرة نجيب محفوظ على تجاوز عمارته الكلاسيكية تجعل تناول عمله إشكاليا، والجيل الجديد من كتّاب الرواية العربية يجد نفسه منتسبا لنص محفوظ لا بالأسبقية فقط، أو بمغايرة النصوص الروائية الجديدة لشكل روايات محفوظ ورؤيتها للعالم، بل بالانتماء إلى الأفق نفسه من قلق وصف العالم ومحاولة البحث عن معنى لحركته.
تأخذ الرواية العربية الجديدة بعض ملامح الرواية الفرنسية الجديدة، ولكنها لا تنتسب إلى الأفق نفسه. وإذا كنا نلمح في روايات آلان روب غرييه، أكثر كتاب الرواية الفرنسية الجديدة شهرة في العربية، انتسابا، في طريقة النظر إلى العالم، إلى الفلسفة الوضعية الأوروبية، أو محاكاةً ساخرة، بصورة غير مباشرة، لهذه الفلسفة، فإن صنع الله إبراهيم وإدوار الخراط وإلياس خوري ينتسبون إلى نظرة للعالم تكاد تكون مغايرة تماما. ليس هناك في الرواية العربية نزعة تشييئية إلا بمقدار ما تخدم هذه النزعة الرغبة في التعبير عن عالم مفتَّت لا يقين فيه.
ونظرة عجلى على الروايات العربية، التي أنتجها الكتاب المنتمون إلى ما نسميه جيل الرواية العربية الجديدة، تؤكد أن النزعة التشييئية في هذه الروايات ذات طابع وظيفي وليست كليّة وصفية وطريقة في بناء العمل الروائي".
ويضيف "في (اللجنة) لصنع اللـه إبراهيم ثمة وصف تسجيلي محايد للأحداث، لكن هذه الصيغة الباردة المحايدة للوصف سرعان ما تفور وتغلي بالطريقة نفسها التي تفور بها القهوة على النار في الفصل الذي يقتل فيه راوي (اللجنة) عضو اللجنة القصير. أما في (الوجوه البيضاء) لإلياس خوري فإن محو العالم بفرشاة بيضاء هو بمثابة إيضاح لوجه هذا العالم.
ثمة إذن استفادة بعيدة من عالم الرواية الشيئية، ولكن هذه الاستفادة لا تجعل من الرواية العربية الجديدة محاكاة للرواية الفرنسية الجديدة، لأن غرض الرواية العربية الجديدة هو وصف تشوّش الرؤية والقبض على تماسك الأشياء وهي تنهار، بينما يتلخص غرض الرواية الفرنسية الجديدة في وصف الأحاسيس الإنسانية وقد تشيَّأت، في وصف غياب الإنسان، واغترابه، في منظومة الحضارة الرأسمالية الغربية المعاصرة. وبما أن المعبر عنه مختلف فإننا نتحدث عن شكلين مختلفين من أشكال الرواية".
وفي هذا السياق، يتساءل فخري صالح أيضا: ما الذي تسعى الرواية العربية الجديدة إلى التشديد عليه؟ ويقول "تشدد نصوص روائية مختلفة، لإدوار الخراط وحيدر حيدر وعبدالحكيم قاسم وإلياس خوري وسليم بركات وإبراهيم عبدالمجيد ومؤنس الرزّاز وإميل حبيبي، بتباين هذه النصوص واختلاف محمولاتها، على أن العالم ما عاد ممكنا القبض عليه والإمساك بجوهره، إن التجربة الإنسانية مراوغة غائمة الملامح وسير الأحداث يصعب التكهن بوجهته. ومن نزعة اللا يقين هذه، التي تشدد عليها الرواية العربية الجديدة، تنهض التطويرات الشكلية التي تقوم على تشييد سرد متشكك يعرض العالم أمام أعيننا بغموضه وهُلاميته وعدم ترابطه.
هكذا يختفي الراوي الكليّ العلم، الذي يوحي للقارئ بأنه يعرف ظواهر الأشياء وبواطنها، ويحل محله راوٍ يروي بضمير المتكلم ويعيد علينا ما يتراءى أمام عينيه، أو راوٍ يحلل مشاعره ويقلَّبها على وجوهها المختلفة عارضاً لنا حيرته وتوهّماته، أو رواة عديدون يقدمون لنا التجربة من منظورات مختلفة يقع على عاتقنا، كقراء، اكتشاف أقربها إلى منظور المؤلف نفسه ورؤيته للأشياء والعالم".
ويرى صالح أن صفة اللا يقينية، مُضافةً إلى صيغة الانتهاك الشكلي، تمثل سمة أساسية من سمات الرواية العربية الجديدة، وحيث يدخل اليقين والاعتقاد بالقدرة على وصف العالم يسقط نعت "الجديدة" عن الرواية، وتدخل هذه الرواية في سياق النص المحفوظي، ممثلا في "الثلاثية، وبداية ونهاية، والقاهرة الجديدة"، وتتحقق نزعة اللايقين عبر طرائق السرد، وأشكال الرواة، وصيغة السرد المتشككة، واللغة غير القاطعة، والأحكام النسبية التي تشكل أساس نظرات الرواة إلى العالم.
وإذا كان لنا أن نضرب مثلا على ذلك فإن عمل إدوار الخراط الروائي بعامة، وروايته "رامة والتنين" بخاصة، تمثل الرواية الجديدة خير تمثيل. إن اليقين فيها غائب، والراوي يتساءل دائما عن إمكانية حدوث ما حدث. إن الحدث غائم ولذلك يتشكك الراوي بحدوثه ويتشكك أيضا بما رواه هو عن الحدث.
أيضا يطرح صالح: هل هناك صيغة أكثر تمثيلا لنزعة اللا يقين هذه في الأعمال الروائية العربية الجديدة؟ ويقول: "إن إلياس خوري، في عمله الروائي بعامة، خصوصا في (الجبل الصغير) و(الوجوه البيضاء) و(غاندي الصغير) و(باب الشمس)، يضيف مثالا آخر لرواية عربية جديدة يعادل اليقين بالنسبة لها الوهم بعينه. لكن هذه الغيمية التي تلازم الأحداث والشخصيات تؤشر باتجاه معنى ضمني يمثل رسالة العمل الروائي التي يرغب بإيصالها إلى القارئ. ومن ثمّ فإن خيار الرواية العربية الجديدة ليس خيارا شكليًا بل هو خيار رؤية وطريقة نظر إلى الأشياء والعالم.
وهكذا يسعى الروائيون العرب الجدد إلى خلق الالتباس عند القارئ كطريقة في فهم المعضلات السياسية ـ الاجتماعية التي تقيم في أساس الأحداث. وإذا كان بطل "نجمة أغسطس" لصنع الله إبراهيم لا مباليا بما يحدث فإن السبب الكامن وراء لا مبالاته هو تهميشه من قبل السلطة وقتل أحاسيسه. وبهدف إثارة الشعور نفسه لدى القارئ يعمل صنع الله على إقامة معمار روائي متماسك تماسك المادة التي يصنع منها جسم السد العالي. إن الوصف الصارم الدقيق للبناء الهندسي يعكس تشيؤ الأحاسيس وموت الإرادة الإنسانية لدى الراوي مما يوضح لنا كيف أن طريقة بناء العمل الروائي العربي الجديد هي جزء من معناه".
ويؤكد صالح أن الرواية العربية الجديدة ليست متجانسة على الصعيد الشكلي على الأقل، "إنها تضم طيفا كاملا من الطموحات الشكلية والتجديد في البناء الذي يطال طريقة تقديم الشخصيات، وعلاقة الزمان بالمكان، وأشكال الرواة، وزوايا النظر المعروضة في الرواية، وتدخلات الكاتب وشروحاته الضمنية التي تبغي كسر وهْم مطابقة الرواية للواقع. وبهذا المعنى فإن البحث عن قواسم مشتركة بين النصوص التي نسميها نصوصا روائية عربية جديدة يقع في دائرة (النظرة إلى العالم) أو (رؤية العالم)، ومن ثمّ فإن العناصر الشكلية لا توفر شخصية مميزة لهذه النصوص عن غيرها من الروايات العربية المكتوبة على غرارٍ كلاسيكي. إن ما يميزها ويكسبها انشباكًا وتضافرًا وانضواء تحت راية التقسيم نفسه هو؛ تأكيدها أن العالم نفسه لم يعد متجانسًا، ولم يكن من قبل كذلك.
وقد أدرك الوعي الجديد أن سمة التجانس ولّت إلى غير رجعة، وأن الأشياء والعلاقات بينها أصبحت عرضة للانتهاك والتغير في زمن اختلّت فيه الركائز المنطقية التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية.
ومن هنا فإن الرواية العربية الجديدة أخذت على عاتقها صياغة عناصر هذا الواقع الجديد بصورة تخلخل الركائز المنطقية لهذا الواقع عبر إعادة إنتاج اللا تناسب، وانهيار القيم، وهزيمة الإنسان، في مجتمعات التخلف والتبعية، نعثر على الرسالة السابقة، بصورة مستمرة، فيما نسميه نصوصًا روائية عربية جديدة. وأي نص لا يحمل هذه الرسالة ويعتقد، واهمًا، بتجانس مادة الواقع وإمكانية فهم متغيراته، والقدرة على القبض على هذه المتغيرات، لا يحقق المعنى الجوهري لنصوص الرواية العربية الجديدة".
ويشير فخري صالح إلى أن عددا من النقاد العرب انطلق من العناصر الشكلية وتغير العلاقات بين هذه العناصر الشكلية، التي تُكوّن الوحدات السردية في أي نص روائي، سعيا لتفسير تطور الرواية العربية ودخولها فيما سماه إدوار الخراط "الحساسية الجديدة"، "ومع إقراري بما لهذه التطويرات الشكلية من أثر إلا أنني أظن أن العناصر الشكلية، والعلاقات المتغيرة بينها، ليست سوى وسائل للتعبير عن رؤية للعالم تميز جيلا عن جيل، أو حساسية أدبية (مرتبطة بعصر بعينه) عن حساسية أدبية مرتبطة بعصر آخر، يدلل على هذا الاستنتاج الاختلاف في استخدام التقنيات السردية بين مَن ينضوون في إطار الكتابة الروائية العربية الجديدة، والتقاء هؤلاء الروائيين في رؤيتهم للعالم وفهمهم المشترك الذي يعلو فيه السؤال ويغيب اليقين ويلوّنه الأسى العميق الذي يغور عميقا في أرض نصوصهم الروائية".
ويوضح أن حيدر حيدر في روايته "الزمن الموحش" يكتب نصا روائيًا غير تقليدي، "إنه يتخلّى عن قواعد السرد التقليدية بحيث لا نعثر في عمله على حبكة أو شخصيات بالمعنى المعروف في الرواية الكلاسيكية. ومن ثمّ يتكسّر السرد الخطي، ويروي الراوي دون اهتمام بنمو الشخصيات أو تسلسل الأحداث أو رسم حدود المكان، إن الروائي يبني صورا شعرية لتوضيح قسمات الشخصيات والمكان، ويحلل أسباب الهزائم العربية المتوالية. وهو يستعير من الفرويدية، وعلم النفس بعامة، ومن التاريخ، وسائل تحليلية لفهم الهزيمة العربية عام 1967، وانهيار مشروع الحلم القومي العربي الكبير. الرواية عبارة عن مقاطع متراكمة يقوم الراوي بتصعيد اللغة فيها ومراكمة الصور الشعرية. ويتخذ الراوي، المشوّش الذهن، من دمشق، وحبيبته مُنى، مُوَلّدا للحكايات والخلاصات التحليلية للوجود العربي الراهن. فما الذي يجمع عملاً روائيا، يستخدم آليات الخلق الشعري، إلا أعمال إميل حبيبي وجمال الغيطاني مثالاً لا حصرًا؟"
ويضيف: "للوهلة الأولى يمكن أن تكون الإجابة: لا شيء. لكن تأمُّل إنتاج إميل حبيبي وجمال الغيطاني الروائي سيدلنا على ما يجمعهما بإنتاج حيدر حيدر. إنه تشوش النظرة والاعتقاد بغياب الانسجام عن التجربة العربية المعاصرة. إنه الرؤية النسبية وتخلخل العالم المألوف في العين الروائية، ويستخدم إميل حبيبي وجمال الغيطاني تقنيات سردية مستعارة من تراث السرد العربي القديم، من (ألف ليلة وليلة)، و(المقامات)، و(بدائع الزهور) لابن إياس، وكتب الخطط، فيما يبدو طموحا لتطعيم شكل الرواية الأوروبية بعناصر سردية عربية لتحقيق نوع من الخصوصية للرواية العربية.
ولا شك أن هذا الطموح الشكلي يقيم في أساس كتابة كلٍّ من حبيبي والغيطاني، لكن هذه العمارة الشكلية التي يقيمانها للرواية العربية لا تبتعد بهما كثيرا عن التجارب الأخرى في المنجز الروائي العربي الجديد. إنهما يلتقيان مع حيدر حيدر وغالب هلسا وإلياس خوري ومؤنس الرزّاز وربيع جابر وحسن داود وهدى بركات وإلياس فركوح ومحمد عز الدين التازي ومحمد برادة، على صعيد انتهاك الشكل القارّ وانتهاك طريقة فهم الواقع والتعرف على آليات عمله."
وينتهي صالح إلى أن "اختلاف ترتيب العناصر الشكلية، واستعارة عناصر شكلية من التراث السردي العربي، لا يباعد بين النصوص الروائية المكتوبة في إطار الرواية العربية الجديدة، "إن رغبة الانتهاك على صعيد الشكل، وتوفير خصائص فنية تميز الرواية العربية، تتضامن مع حساسية جديدة لفهم الوجود والعالم. وتوفر الابتداعات الشكلية إمكانيات لتقديم الرؤية الجديدة بصورة أكثر تعقيدا واستغوارا للتجربة الموصوفة في الكتابات الروائية، وهكذا يمكننا القول إن النصوص الروائية العربية المكتوبة في الستينيات وما بعدها تندرج في سياق العجز عن تفسير الواقع. ولا يعني هذا الاندراج شمول كل النصوص الروائية خلال ثلث القرن الماضي، فقد كتبت الكثير من النصوص الروائية التي لا تزال ترى تجانسا في العالم والمعيش، وإمكانية مأمولة لتفسير هذا العالم.
ولهذا السبب تظل الوسائل الشكلية، والتقنيات التي تستخدمها تلك النصوص، تقليدية ومطروقة، كما أن طرائق استخدامها لتلك التقنيات تشير إلى وضوح العالم وسهولة مقاربته! ومن ثمّ فإن ما يجعل نصًّا روائيًّا ما قابلا للاندراج في إطار الرواية العربية الجديدة ليس استخدامه تقنيات سردية جديدة فقط بل رؤيته للعالم التي تحدد طريقة استخدام التقنيات السردية وإمكانيات الإفادة منها. وهو ما سيلاحظه القارئ في النصوص الروائية التي قمت بمحاولة تحليل علاقة بناء عناصرها الشكلية بالرؤية التي تقدمها للعالم، الذي تصفه، وتعيد رسم حدوده وتموضع شخصياتها فيه".