'نافذة على ظلال غائب' تعيد البسمة لشارع المتنبي ببغداد

بارقة امل تنطلق من شارع المتنبي

بغداد - يحاول فنانون عراقيون بعث الروح في المسرح العراقي واعادة الحياة الى شارع المتنبي الذي دمره انفجار مروع قبل اشهر من خلال عرض في الهواء الطلق لمسرحية (نافذة على ظلال غائب) بوسط بغداد.
وكان شارع المتنبي يمثل منتدى ومتنفسا للمثقفين العراقيين حيث كان يضم مكتبات ومقاهي قديمة قبل أن يتحول الى كومة من الانقاض في بداية آذار/مارس الماضي في انفجار شاحنة ملغومة يقودها انتحاري أوقع أكثر من ثلاثين قتيلا واصاب نحو خمسة وستين.
كما تسبب الانفجار في تدمير عشرات المحال والمكتبات وحرق ألوف الكتب التاريخية والادبية والسياسية والدينية وألوف المطبوعات القديمة النادرة التي كانت تمثل أرشيفا غنيا لتاريخ العراق القديم والحديث.
وعرضت المسرحية على بعد أمتار من موقع الانفجار في بناية قديمة تضم مكتبات ومازالت اثار الدخان الاسود للانفجار تغطي اجزاء كبيرة منها. وبجهود المخرج والممثلين تحولت باحة البناية الى مسرح صغير.
وقال حيدر منعثر مخرج المسرحية قبيل بدء عرض المسرحية "هذه ليست مسرحية للعرض او المتعة... هذه رسالة من الفنان العراقي ليقول فيها انه موجود وانه سيساهم في اعادة احياء الانسان العراقي والحياة العراقية".
واضاف أن الهدف من عرض المسرحية في هذا المكان "هو أولا احياء هذ الشارع... وثانيا لتأكيد ان المسرح ممكن ان يعيش في كل مكان".
ومنذ الغزو الامريكي للعراق عام 2003 هجر معظم المواطنين ما تبقى من المسارح بسبب الوضع الامني المتردي وانحسار الانتاج المسرحي بشكل كبير بعد هجرة عدد كبير من الفنانين العراقيين خوفا على ارواحهم.
وقال منعثر بعد العرض "اذا كان الناس الان خائفين من ان يأتوا الينا الى المسارح نحن هنا لنقول لهم نحن سنذهب اليهم وسنحول كل شارع في بغداد الى مسرح".
وكانت موجة العنف والسلب والنهب التي تعرضت لها بغداد بعد دخول قوات التحالف عام 2003 قد طالت عددا من مسارح المدينة التي تعرضت للنهب والحرق ولم تشهد المدينة منذ ذلك الحين الا محاولات معدودة للعرض المسرحي.
وشارك في العرض الذي يبلغ 50 دقيقة ثمانية فنانين عراقيين يمثلون ثلاثة اجيال يتقدمهم رواد المسرح العراقي سامي عبد الحميد وسامي قفطان وشذى سالم ومعهم رياض شهيد وزهرة بدن اضافة الى فنانين شباب هم محمد هاشم وجمال الشاطئ وميلاد سري.
وقال سامي عبد الحميد ان المسرحية "تهدف الى احياء ذكرى المؤرخ والكاتب العراقي غائب طعمة فرمان" الذي هجر العراق منتصف الخمسينيات وعاش في المنفى حتى وفاته.
ومشاهد المسرحية مقتبسة من بعض قصص ألفها فرمان الذي لعب دوره في العرض الممثل سامي عبد الحميد.
وتتخيل المسرحية أن فرمان عاد الى بغداد بعد سنوات الغربة ليرى كيف تغير العراقيون وبلادهم التي لم تعد كما تركها حيث يتقاتل الناس الذين تركهم أحبة ويتساءل في أحد المشاهد المسرحية "ليش اهلنا ذابلين وشايلين هموم الدنيا على رؤوسهم... ليش لقمة الخبز صارت حسرة عليهم."
ويضيف "رحت لذاك الصوب (الجهة الاخرى من نهر دجلة) وشفت جسر الحديد شايلينه من مكانه.. وشفت بغداد تهتز شارع شارع... وبيت بيت".
وعندما تسأله سليمة الخبازة وهي المرأة البغدادية وربة البيت المظلومة التي لعبت دورها الممثلة شذى سالم لماذا عاد الى البلاد يقول "كل ارض ما عدا ارض بلادي ذكرى عابرة".
وانهار تماما جسر الحديد أحد جسور بغداد القديمة قبل اشهر عندما استهدف بشاحنة ملغومة.
وظل فرمان يتألم من المشاهد التي رآها في بلدته فتقول سليمة له "انتظر يقولون راح تفرج والمستقبل جاي (افضل)".
وقالت شذى سالم بعد العرض انها ارادت أن تقول "يبقى المسرح العراقي بخير ويبقى العراق بخير ويبقى الفنان العراقي في الطليعة دائما رغم كل ظروفه الصعبة".
وعرضت المسرحية بوجود كثيف لقوات الامن العراقية. ولم يمنع ضيق المكان وبدء عمليات اعادة اعمار الشارع وما خلفته من فوضى من حضور ما يقارب من 250 شخصا ضاق بهم المكان.
وقالت شذى سالم ان هاجس الخوف بسبب تردي الوضع الامني "أكيد موجود.. وهي هواجس موجودة عند الشعب العراقي وخاصة في بغداد".
وأضافت "لكن لما تلاحظ مثل هكذا جمهور موجود تشعر انت بالاطمئنان والامان لما ستقدمه".
وقال علي خنجر وهو صاحب مكتبة دمرها الانفجار في الشارع بعد العرض ان عرض المسرحية وسط هذا التجمع الكبير من الفنانين المشهورين "بارقة امل ان الحياة ستعود الى هذا الشارع عسى ان تكون المسرحية رسالة الى رواد هذا الشارع بالعودة اليه مرة اخرى".
وأعلنت الحكومة العراقية في الرابع من الشهر الجاري رصد سبعة مليارات دينار عراقي (نحو 5.5 مليون دولار) لاعادة اعمار الشارع خلال ستة اشهر.