'ناصية الجنوبي' .. بكائية لأبد الدهر

هيَّا لتلقى الشعرَ يالصوتِ الشجىْ

فن الرثاء يعد "أكثر الموضوعات علاقة وارتباطا بحياة الإنسان؛ لأن موضوعه الموت الذي لا يسلم منه كائن حي, ولولا الموت لما وجدت قصائد الرثاء, وهى باقية بقاء الناس على وجه هذه البسيطة، فهو من تمام الوفاء لدى الإنسان.

والشعر في الرثاء؛ "إنما يقال على الوفاء فيقضى الشاعر حقوقًا سلفت، وما أجملّ حقوق الصداقة! فالصديق يرى في صديقه كل شيء يحبه ويتمناه، وعندما يفقده كأنه فقد العالم بأسره، والأكثر ألما عندما يكون شاعرا مثله يكون تمزق القلب ظاهرا؛ لأنه يحمل نفس همومه وآلامه التي تئن من رحم المجتمع وآهاته الكثيرة كالمعين لا ينضب أبدا.

يقول الشاعر المصري محمود حسن في رثاء صديقه ناصية الجنوبي الشاعر محمود مغربي:

يا مغْرَبىَّ ألمْ تقلْ إنَّا رفاقْ

كيفَ اجترأتَ على الرَّحيلِ بدونِ إذنٍ أوْ عِناقْ

نحنُ الأحبَّةُ والأخلَّةُ والقصيدةُ والمعانى الطيِّباتْ

محمودُ يا محمودُ هلْ محمودُ ماتْ؟

أمْ أنَّهُ الميقات

والجبلُ المقدَّسُ والعصا

والأربعون ودورة الروح النقيةِ والجسدْ

قفزَ الكلامُ من القصيدةِ إذْ رحلتَ فلا أحدْ

أم أنَّهُ البعثُ الذى مازالَ يبْتكرُ البدايةَ بالنهايةِ يشتهى طيب الُّرفاتْ.

يبكي الشاعر صديقه، وكان مقربا له، فالقلب يدمي والعين تسكب غزار الدموع ويناديه مستنكرا رحيله، كيف رحل وتركه فيعاتبه عتاب المحب كيف رحل دون خبر أو وداع منه، وكيف ينسى لقاءهم على الحب وكل معاني القصيد تنسال على صفائهما، وتناسى الشاعر أن الموت دون ميعاد وأن أمر الموت ليس اختيارًا لأحد فهو قدرٌ محتوم، وغصةٌ يتجرع منها كل إنسان، وما زالت الصدمة تكلم قلب الشاعر، ولا يصدق موت صديقة مؤثرا هذا الاستفهام الاستنكاري محمود يا محمود هل محمود مات؟ للنفي والاستبعاد وإظهار التحسر على فقدان المرثي؛ لأن ما أضناها فجيعة الموت التي تفرق الأصدقاء وخاصة إذا كان الفقيد ترك سجلا عظيما من الأمجاد.

وكأنه سيسمع نداءاته واستغاثاته التي تعبر عن هول الفجيعة بموته ويظل متحيرا بين الميقات والجبل المقدس والعصا والأربعون ودورة الروح النقية والجسد، وكلها معانِ تتنسم منها الروح بعثها الجديد. ثم يأتي التضاد (البداية، والنهاية) كمفارقة في أحوال الواقع، وصور الحياة المختلفة، التي تجمع بين متناقضين "الحياة والموت" مقررا المصير المحتوم لكل رفات جسد ندي.

ويقول في مقطع آخر:

محمودُ يا محمودُ هلْ محمودُ ماتْ؟

قمْ لا تنَمْ

أرجوكَ قمْ

هيَّا لتلقى الشعرَ يالصوتِ الشجىْ

قمْ

قمْ بربِّكَ يا نبىْ

رتِّلْ فهذا الصوتُ يصعدُ للسماءْ

قمْ إنَّ (رابيا) الآن تصدحُ بالغناءْ

أوَ كنتَ تعلمُ بالرحيل فلم تنمْ

فى الكَرْمَةِ

ودَّعْتنا عندَ الصباحِ إلى (قِنا)

ما كنتَ تدرى أنَّ قلْبَكَ قدْ ترجَّل هاهنا

الكرمةُ

تبكى عليكَ وكلُّ شُجَيْرةٍ فيها تُسائلنا فهلْ أدركتَ أنَّكَ يا حبيبَ الصَّحْبِ من زمنِ الفوارسِ كنتَ تبتكرُ الحياةْ.

وتتكرر هذه التيمة الدلالية لهذا الاستفهام الاستنكاري "محمود يا محمود هل محمود مات؟" أربع مرات على مدار هذه البكائية والتكرار يعطى دفقة شعرية تستجلي أحاسيس الشاعر وما يحس به، فإن تكرار الشاعر لاسم معين في قصيدته، سواء أكان الاسم علما على شخص، أو علما على مكان، إنما يعكس طبيعة علاقته به؛ فهو تكرار ينبض بإحساس الشاعر وعواطفه.

ويأتي تكرار فعل الأمر"قم" يلتمس فيه الشاعر من صديقه أن يصحو من نومه وكأنه في غفوة، وتأتي الألفاظ المعضدة للفعل أساليب متنوعة بين الأمر والنهي والنداء "قم: قم لا تنم"، أرجوك قم، قم بربك يا نبي، قم... تصدح بالغناء" لتؤكد على؛ عظمة وهول الفجيعة التي أصابته من موت صديقه الشاعر الذي كان مشعلا مضيئًا، وشاديا صادحا بأعذب الكلمات.

ويأتي التعبير "قمْ بربِّكَ يا نبىْ/ رتِّلْ فهذا الصوتُ يصعدُ للسماءْ مؤكدا قيمة الشعر فهو رسالة سامية يعلو بها الشاعر فوق مراتب البشر. وجاء الفعل المضارع"يصعد" معمقا للدلالة.

ثم يكرر مكانا كان مسرحا لاجتماعهما معا بكل ما حوى من نسائم شعرية ذات بهجة فجاء تكرار "الكرمة" بكل الشحنات الانفعالية التي يحاول الشاعر أن يبثها من بداية القصيد فهذه الكرمة بكل ما فيها ستبكي هي الأخرى بالدموع الغزار. وهذه المشاركة الوجدانية تملأ المكان وتبث فيه جوا من الكآبة والحزن بعدما كان مليئا بالسعادة والسرور في حضور شاعر يبتكر ألوانا شتى للتمتع بالحياة. ويقول:

لا تمضِ وحدكَ يا حبيبى وانتظرْ

إنَّا نجهِّزُ في الحقائبِ للسفرْ

خذنا معكْ

سنكونَ حولكَ طييبينَ ومخلصينَ سَنَنْتَقى الصحبَ الثِّقاتْ.

ويعز على الشاعر فراق صديقه الأبدي ويطلب منه الانتظار ليجهزا سويا حقيبة السفر، وكأن الموتَ سفرٌ، وتأتي لفظة "حبيبي" تحمل كل معاني الحب النبيل بين الأصدقاء الذين يتشاركون معا في أفراحهم وأتراحهم.

ثم يأتي المقطع الأخير يجوب بنا الشاعر في رحاب الجنوب موطن الشاعر ومرعى صباه ومنبع شاعريته وتدفقها يقول:

محمودُ يا محمودُ هلْ محمودُ ماتْ؟

يبكى الجنوبُ عليكَ يا محمودُ تنْتَحِبُ القصيدة

والنيلُ عادَ إلى الجنوبِ يُودِّعُكْ

الآنَ ترتفعُ المنصَّةُ كي تكونَ خطيبَها وإمامَها

حيثُ الجداولُ والسنابلُ والملائكُ والصِّحابُ الطيِّبون على أرائِكِهِمْ معكْ

عجباً لضِحْكَتِكَ العريضةِ فى الحياةِ وفى المَماتْ

محمودُ يا محمودُ هلْ محمودُ ماتْ؟

(هتوحشني يا محمود أوي)

وهذا المكان الذي شهد ميلاد الشاعر وتفتق شاعريته يبكي عليه بأحرّ الكلمات ويشاركه نهر النيل الذي عاد إلى الجنوب خصيصا ليلقي عليه النظرة الأخيرة ويودعه، والآن يتوجه له الشاعر بالحديث كأنه معه يسمعه وينصت إليه ويخبره عن المنصة التي ارتقى الشاعر عليها خطيبا وإماما، فما زالت منصتك هناك ترتقب وصولك لتعلوها وتنشد أشعارك بابتسامتك العريضة، وكأنها في تصور الشاعر ميراث فقيده وصديقه في الجنة سيكون حولها الجداول والسنابل والملائك والصحاب الطيبون يعدها الله لمن أسعد عباده في الدنيا كما أسعد صديقه قلوب من عرفهم، ثم يختم الشاعر مبكيا كما بدأ مرثيته وكأن القصيدة من بدايتها إلى نهايتها ستظل بكائية لأبد الدهر فهل ستجف دموعك يوما أيها الشاعر الوفي؟!