نازحو تاورغاء الليبية بين مطرقة الحرب وسندان التمييز

أوقات صعبة من الناحية السياسية والإنسانية

طرابلس - يعيش النازحين الليبيون من أقلية تاورغاء في شمال ليبيا، ذات البشرة الداكنة بعد ثلاث سنوات من الاطاحة بالديكتاتور المخلوع في مخيمات مؤقتة في طرابلس وبنغازي، وفقا لمنظمات محلية.

وواجهت أقلية تاورغاء، بسبب صلات أجدادها بالعبيد الذين نقلوا الى البلاد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، التمييز في ليبيا منذ زمن بعيد، ولكن حدة هذا الوضع ازدادت في السنوات الأخيرة حيث اتهموا بالانحياز لنظام القذافي خلال فترة الإطاحة بحكمه في عام 2011.

واستخدم الديكتاتور المخلوع بلدة تاورغاء، التي تبعد 40 كيلومترا جنوب مصراتة، كقاعدة عسكرية خلال مقاومته، ولكن في أغسطس/آب 2011، دخلت ميليشيات مصراتة المدينة وأحرقتها بشكل كامل، مما تسبب في فرار 42.000 من سكان البلدة.

ويقدر عدد هؤلاء النازحين بنحو 35.000 شخص، ويزعم هؤلاء أنهم أهملوا من قبل مجتمع الإغاثة الدولي ومختلف الفصائل التي تشكل الآن حكومات موازية في ليبيا.

وقالت حمامة سعيد لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) "أنا متعبة وأريد أن أعود إلى دياري في تاورغاء.. كل شيء سيء هنا، فغرفتي تغمرها المياه عند هطول المطر وليس لدي المال... لا أريد سوى العودة إلى دياري".

التاورغاء في طرابلس

وتعيش الجدة، التي تبلغ من العمر ما بين 60 و65 عاما (لأنها غير متأكدة تماما من عمرها) في مخيم للنازحين بالقرب من مطار طرابلس منذ ثلاث سنوات.

وقال مبروك السويسي، رئيس جمعية الصابر، التي تتكون من متطوعين من أبناء تاورغاء الذين يعيشون في مخيمات النازحين داخليا "في العام الماضي أحضرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لنا الخيام المصنوعة من النايلون وأدوات المطبخ والمدافئ. ولكننا لم نتلق شيئا هذا العام من أي منظمة".

وأضاف قائلاً "نحن نواجه أوقاتا صعبة من ناحية سياسية وإنسانية".

وأوضح عيسى وهو نازح داخلي في أوائل العشرينات من عمره، في إشارة الى السلطات التي تسيطر على العاصمة الآن "نحن خائفون من الحكومة الجديدة التي تدعمها حركة فجر ليبيا. وإذا ذهبنا إلى وسط المدينة، يمكن أن يلقوا القبض علينا لمجرد لون بشرتنا ولأننا من تاورغاء".

وقال يونس عبد الله يوسف، مدير المدرسة الابتدائية داخل المخيم "نحن نتحدث (عن تلك الصعوبات) ولكن ليس هناك شيء يمكننا فعله. ليس لدينا أي مساعدة من الحكومة أو حتى من مجلسنا المحلي. والإجراء الوحيد الذي يمكننا القيام به هو حفر القنوات داخل المخيم لتصريف مياه الأمطار عندما تغمره المياه".

وأكّدت فيرن تيلاكامونكول، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا أنه لم يتم تقديم أي مساعدات إلى مخيمات التاورغاء منذ فبراير/شباط 2014.

ويذكر أن تدهور الوضع الأمني في ليبيا في وقت سابق من العام 2014، أدى إلى قيام معظم منظمات الإغاثة الدولية الآن بإدارة عملياتها عن بُعد من تونس، على الرغم من أن الأمم المتحدة قد قامت ببعض عمليات التوزيع من خلال فريق العمل الإنساني المشترك.

وقالت تيلاكامونكول أن المفوضية وشركاءها قاموا بتوزيع مواد الإغاثة الأساسية على 12.000 نازح في منتصف أغسطس/آب في مدينة الزاوية، التي تبعد 45 كيلومترا غرب طرابلس، وفي منتصف سبتمبر/ايلول قاموا بتوزيع مواد مثل الفرش ومستلزمات النظافة على 6.700 شخص نزحوا مؤخرا من وشرفانة، وهي ضاحية من ضواحي العاصمة.

وأوضحت قائلة "إن الوضع الأمني صعب جدا ولا يستطيع موظفونا المحليون التحرك بحرية لذلك نحن نبحث عن منظمات غير حكومية شريكة للمساعدة في عمليات التوزيع للمجتمعات الضعيفة من النازحين في طرابلس. نحن ننظر في هذا الموضوع في الوقت الحالي ونأمل، إذا تمكنّا من إيجاد بعض التمويل، أن نكون قادرين على القيام بالتوزيع في الأسابيع المقبلة".

وأضافت أنه يتم إجراء دراسات مماثلة في الشرق لإيجاد شركاء محليين وقنوات للتوزيع "وفي الجنوب، حيث اندلعت الاشتباكات مرة أخرى منذ منتصف أكتوبر، تراقب في أكتوبر أطلق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) نداء من أجل جمع 35 مليون دولار لليبيا. وحتى الآن لم يتلق النداء سوى مبلغ ضئيل من المال، وذلك وفقاً لخدمة المتابعة المالية) التابعة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية).

التاورغاء في بنغازي

ويعيش أبناء تاورغاء الذين فروا إلى مدينة بنغازي بشرق ليبيا أيضا في وضع غير مستقر بعد اندلاع العنف هناك في أكتوبر/تشرين الاول.

ووفقا لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين ترك حوالي 2.500 شخص من التاورغاء مخيمهم في المدينة بسبب القتال وهم يقيمون الآن في الحدائق والمدارس ومواقف السيارات داخل بلدة أجدابيا وفي محيطها حيث يستخدم العديد منهم صفائح رقيقة من البلاستيك فقط كمأوى لهم.

وقال عبد الرحمن الشكشك، رئيس المجلس المحلي في تاورغاء، وهي الهيئة الرئيسية التي تمثل التاورغاء النازحين داخليا، أنه في حين عاد معظم التاورغاء الذين فروا من طرابلس أثناء القتال في الصيف منذ ذلك الحين والبالغ عددهم 10.000 شخص، إلا أن العديد من الأسر لا تزال في حالة تنقل في الشرق، حيث تقدر الجالية هناك بنحو 18.000 شخص.

وقال الشكشك "غادر 3.000 شخص دون أن يحملوا ملابسهم أو أي ممتلكات معهم... ولا تزال 50 أسرة على الأقل تعيش في الخيام في أجدابيا".

وأضاف قائلا "لقد طلبنا المال من الحكومتين في طرابلس وطبرق ومازلنا ننتظر الحصول عليه، كما لا يوجد لدينا أي اتصال مباشر مع أي من وكالات الأمم المتحدة وقد تم إعطاؤهم منزلا مؤلفاً من غرفتين ومطبخ وحمام والذي يتم إيجاره خلال مواسم الذروة بمبلغ 160 دينارا ليبيا (122 دولارا) في اليوم الواحد وتم تسجيل الأطفال في مدرسة محلية.

وأوضح رجل الأعمال، الذي قال أن الشروط لا بأس بها، ولكنه يتمنى العودة إلى دياره "لقد تم تدمير بيتي من قبل الزنتان. ولم يكن لدينا الوقت الكافي حتى لآخذ أي ملابس".

وأضاف قائلا "نحن بخير، وسيذهب ابني الأكبر إلى المدرسة. الغرفة جميلة ولكننا نفتقد ديارنا في ككلة".

وقال علي الترجمان من الهلال الأحمر الليبي في مصراتة، أن "كل أسرة مسجلة تتلقى أدوات المطبخ والفرش، ثم تقدم لها الطرود الغذائية الشهرية التي تشمل السكر والزيت وعلب الطماطم والأرز والمعكرونة والعصير والحليب وسمك التونة واللبن".

وأضاف إياد الشوادي، رئيس الخدمات الاجتماعية لدى المجلس المحلي في مصراتة "لقد استقبلنا حوالي 1.050 أسرة معظمها من بنغازي وبعض الأسر من ككلة منذ نهاية أكتوبر... ونحن نقدم أفضل سكن يمكننا توفيره".

وادّعى الشكشك أن التفاوت في الدعم أثبت أن الاستجابة للنازحين تتم وفقا للخطوط والولاءات السياسية، قائلا "بعض النازحين من ككلة أو بنغازي يدعمون فجر ليبيا. لذا، فإن فجر ليبيا تساعدهم أكثر منا، والصورة واضحة للعيان".

من جهتها، أشارت فيرجيني كولومبيير، وهي باحثة في مركز روبرت شومان للدراسات المتقدمة في إيطاليا، والمتخصصة في التحولات الاجتماعية في مرحلة ما بعد ليبيا القذافي إلى أنها "لفتة سياسية لإظهار أن فجر ليبيا يمكنها الترحيب بالنازحين الذين يدعمونها من خلال توفير ظروف أفضل من المعسكر الآخر".

وفي طرابلس، تنهّد السويسي قائلا "لقد غادرنا تاورغاء بينما كانوا يحرقون بيوتنا، وهنا يتم الترحيب بالعائلات من ككلة وتقدم لهم العصائر. إنهم نازحون رفيعو المستوى".

(ايرين)