نادين سلامة شاعرة مختصة بالحب الصوفي

نادين سلامة تنطق حبا

بيروت - من جورج جحا
كما تشهد الانشطة البشرية المختلفة اختصاصا أو تخصصا في مجالات أخرى فان قراءة مجموعة الشاعرة اللبنانية نادين سلامة تشهد بل تعطي دليلا على اختصاص محدد في عالم الشعر.. انه الاختصاص بالحب.

والدليل أو الادلة على هذا الاختصاص لا تقتصر على عنوان المجموعة المؤلفة من اكثر من 280 صفحة متوسطة القطع وهو "ما بين الحب والحب" بل تتعدى كل ذلك لتؤكد هذا الاختصاص في قصائد المجموعة التي بلغت 96 قصيدة معظمها قصائد طويلة او اقرب الى الطول.

وقد صدرت المجموعة عن دار "الفارابي" اللبنانية بلوحة غلاف للفنان اللبناني فارس غصوب.

في المجموعة يجد القارئ نفسه امام نسيج متعدد الخيوط والاصوات والالوان والاتجاهات الفكرية والفلسفية والاسماء الشعرية الكبيرة في جوقة فنية وفي اناشيد للحب. صحيح انك هنا او هناك تتذكر قصائد معينة او اسماء شعرية او فكرية وتلمح الوانا وتلتقي باتجاهات تتعدد وتتنوع لكنك في ذلك كله او معظمه تشعر بحضور نادين سلامة.

في المجموعة لا تلتقي لونا واحدا فحسب فعالم الشاعرة ألوان متعددة لكن هناك لونا واحدا يغلب على كل الالوان الاخرى انه اذا صح التعبير "لون الحب" وهو هنا لون متعدد اشبه بالوان الطيف أو ما سمي قوس قزح.

في المجموعة نفس ديني او فلنقل روح دينية وهي هنا تتخذ شكلا سائدا هو اتجاه صوفي دائم الحضور. لكن تصوف نادين سلامة في شعرها يترافق مع توأم اخر يطل علينا احيانا كثيرة وهو تلك الرغبة البشرية الجسدية الا انها عند نادين تبدو كأنها " رافعة" تشيل الجسد الى اعلى كما ترفع رقصة "باليه" راقية الجسد شبه العاري من جسديته وماديته فتجعله اشبه بمركبة تسحب المشاهد الى افاق الروح العالية. نحن مع شعر نادين سلامة نتواجه مع أجواء الكتب المقدسة.. مع المزامير ومع أناشيد سليمان ومع متصوفة ومع شعراء احتفلوا بالجسد ومع جبران خليل جبران ومهجريين آخرين ومع الراحل نزار قباني في بعض القصائد.

ومن المتوقع هنا اذا تكلمنا عما يسمى "القاموس الشعري" عند نادين ان يكون الحب في طليعة كلماته. لكن هناك كلمات اخرى عديدة تتكرر باستمرار ومن أبرزها مصطلح "انوثة" والانوثة خاصة مع ياء المتكلم أي في صيغة "انوثتي" ومنه ايضا تعبير "العشق" لكنه يظل اقرب الى ان يكون عشقا صوفيا فعالم الشاعرة عالم محبة للخالق وللمخلوق اي للكائنات كلها.

من القصائد الاولى كلمات تبدو كانها تراوح بين عالم "كيوبيد" اله الحب وبين اله الديانات التوحيدية اي اله المحبة والاله الرحمن الرحيم. تقول "اسمح لي يا اله الحب/ ان اذكرك في كتابي هذا/ حتى استمد منك اجمل الكلمات عن الحب/ وحتى اتغنى دوما بالحب/ فادعوك ربا خالدا في صفحات ذاتي وكتابي."

وقد سبق ذلك مزج مماثل هو كلمات تحفل بالديني من سر الزواج المسيحي. تقول "ما جمعه اله الحب لا يفرقه انسان/ وما جمعه اله الحب لا يفرقه حتى اله الحب."

بعد ذلك ننتقل الى قصيدة "تبشير ملائكي" التي تحفل أيضا بأجواء روحية. تقول "ملاك الرب بشر قلبي الحزين/ فأشرق من وراء حجاب قلبي الرقيق/ حب عظيم ولا ارق/ سمى نفسه عطاء من دون حدود/ وبارك الملاك قلبي/ ورجع مبتسما الى السماء/ وعاش الحب في قلبي سيدا..."

وتعود في قصيدة "ما اعظمك" فتنقلنا الى اجواء الصلوات المسيحية في قولها "ما اعظمك يا حب/ نفسي تعظمك/ لقد طاف قلبي في ينابيع نعمك ..."

في "يا نفسي" تصوير جميل لانقسام الذات في صراعها بين حالين كانهما شخصان خرجا من واحد. تقول "يا نفسي تغلبي على نفسي/ ثوري يا نفسي في داخلي.../ ارحميني قليلا/ وصيري جزءا مني لارتاح/ واستوعب رحيلك الدائم عني/ وسفرك الدائم..."

في قصيدة "مبروك عليك جسدي" تقول نادين عن توأمية معينة بين الجسد والروح "لا تستعجب ان قلت انني مستعجلة لتذوق الحب/ مثلك/ فأنا أفتقد الصبر/ وأفتقد الذاكرة/ والنسيان لا ينساني/ ودائما يفتقدني وينساني/ بكل انوثتي/ بكل سحري/ وحتى بكل غبائي...".

في قصيدتي "استاذة في العشق" و"اعلنت عليك الحب" تحضر الى اذهاننا اجواء من نزار قباني. في قصيدة "رجولة مميزة" عودة الى العالم الروحي الذي هو عند نادين الحقيقي الاكيد والذي يجب ان تؤدي كل الطرق اليه حتي طريق الجسد او بالاخص طريق الجسد. تقول "انا لا ادمع لاني اراك/ بل/ ادمع لانك لم تر روحي/ في فمي/ لتحدثك بدلا مني عن شوقي الدائم اليك...".

نادين سلامة التي كتبت الشعر بالعربية والفرنسية والتي تحمل اجازة في الحقوق والناشطة في مجال حقوق الانسان تبدو من مجموعتها وهي ثالث كتبها.. مسكونة بالمحبة. الشاعرة التي وصفت بانها شاعرة الحب وهي تعتز بهذا تذكرنا بذاك الشاعر العربي الصوفي وقوله الشهير "ادين بدين الحب اني توجهت/ ركائبه فالحب ديني وايماني." ولربما حلا للبعض ان يتصرف بالبيت فيقول "ندين بدين الحب..." حاذفا الالف من الاسم حفاظا على الوزن وعدم الاخلال به فيما لو قال "نادين بدين الحب...".