نابلس تحتضر واهلها يبكونها

نابلس (الضفة الغربية)
الدمار يلتهم عاصمة فلسطين الاقتصادية

احتضار.. موت.. جثة.. وعزلة عن العالم.. هكذا يصف الفلسطينيون مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة التي كانت ذات يوم مدينة مزدهرة.
نابلس المحاطة بجبال صخرية تلونها الرمال تطوقها ايضا نقاط التفتيش التابعة للجيش الاسرائيلي والقواعد العسكرية. بالنسبة للفلسطينيين تعني المغادرة الاصطفاف لساعات.. أما اذا كان الخارج منها ذكرا عمره بين 16 و35 عاما فيحظر عليها المغادرة بدون تصريح.
ويصف الفلسطينيون القيود الاسرائيلية بالعقاب الجماعي. وتصف اسرائيل معقل النشطاء بأنه "مرتع للانشطة الارهابية".
كانت نابلس مركزا لتجارة الزيتون والصابون وسلع أخرى لآلاف السنين لذا كان يجب أن تكون العاصمة التجارية للضفة الغربية. لكن ما حدث هو العكس.. فالكثير من أصحاب الاعمال رحلوا ويقول سكان آخرون انهم يريدون أن يرحلوا. والاكتئاب شائع.
في الليل تتردد أصداء دوي اطلاق النيران من المدينة القديمة.. فالقوات الاسرائيلية تشن غارة أو فصائل ناشطة متناحرة تسوي حساباتها.
قال حسن ابو لبدة رئيس البورصة الفلسطينية التي أنشئت قبل عشر سنوات وسط تفاؤل بتحقيق السلام "هذه قصة يجب أن تكتب بالدموع. نابلس تلك المدينة الرائعة جثة هامدة. هذا يفطر قلبي".
وفرضت اسرائيل قيودا صارمة على نابلس الواقعة شمالي القدس اثناء الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت قبل ستة أعوام.
وقال الجيش ان هناك ست نقاط تفتيش تطوق نابلس وسكانها البالغ عددهم 200 الف شخص مشيرا الى أنه فرض قيودا ايضا على مغادرة الشبان.
وقال الجيش "في كثير من الحالات منع وجود نقاط تفتيش في منطقة نابلس الارهابيين من دخول اسرائيل وقتل المدنيين".
وأشار الجيش الى ثلاث وقائع في الآونة الاخيرة اعتقل فيها جنود عند نقاط التفتيش نشطاء كانوا يحملون متفجرات.
داخل نابلس لا يصعب العثور على نشطاء.
واقفا في متجر بحارة ضيقة بالمدينة القديمة يحمل عضو شاب بكتائب شهداء الاقصى بندقية من طراز ام-16 على كتفه ويراقب المارة.. ويحجم عن الاجابة عن أي أسئلة.
وفي الخارج تمتلئ الحوائط الحجرية بملصقات لمسلحين قتلوا في اشتباكات مع القوات الاسرائيلية.
يظهر في أحد الملصقات فادي قفيشة (33 عاما) الذي قتله جنود اسرائيليون بالرصاص في 31 اغسطس اب. في الصورة عدة لقطات لفادي احداها وهو يحمل بندقية رش وأخرى وهو يحمل بندقية ومسدسا.
ويقول بعض السكان انه كان يصنع الصدرات للمهاجمين الانتحاريين.
ولنابلس تاريخ ديني طويل وهي تحمل أهمية خاصة بالنسبة للمسيحيين والمسلمين واليهود.
يقول عبد الرحمن عرفات (49 عاما) وهو تاجر أعشاب ان متجر عائلته في المدينة القديمة يعود الى عام 1773.
ويشير الى صورة على الحائط لجده الاكبر وهو يرتدي الطربوش الذي شاع ارتداؤه ابان حكم العثمانيين الذين كانوا ضمن الكثيرين ممن حكموا نابلس.
مستخدما خليطا من العلم والعطارة يركب عبد الرحمن الاعشاب والبذور والزيوت ومستحضر الكاموميل والزنجبيل لزبائنه الذين يطلبون المساعدة لمداواة عللهم.
وتختفي ابتسامته حين يتحدث عن المدينة.
يقول "نابلس مدينة تحتضر. انها مدينة في السجن".
وساءت الاوضاع منذ تولت حركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية (حماس) رئاسة الحكومة الفلسطينية في مارس/آذار الماضي مما أثار حملة قادتها الولايات المتحدة لوقف المساعدات وصراعا على السلطة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وبالرغم من أنه ليست هناك احصائيات متوفرة فان سكانا ومسؤولين يقولون ان الكثير من رجال الاعمال غادروا المدينة ليعيشوا في رام الله. وهناك آخرون غادروها أيضا منهم مفكرون وعمال مهرة. اما الفقراء والشبان فلا يزالون باقين.
ومعدل البطالة مرتفع والاستثمارات راكدة.
وتساءل شاهر سعد الامين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين متحدثا على هامش اجتماع عقد مؤخرا في المدينة عمن يجروء على الاستثمار في نابلس في الوقت الذي يحتاج فيه المرء الى ساعتين لمجرد الخروج منها.
وقال الدكتور ماهر ابو زنط المتخصص في علم النفس ورئيس قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي بجامعة النجاح بالمدينة انه يشعر بالقلق ازاء أعداد الطلاب الذين يعانون من الاكتئاب.
وأضاف أنه كثيرا ما يأتي اليه طلاب يطلبون ترك الدراسة لانهم تعساء ولا يرون جدوى لاستكمال دراستهم.
وقال ابو زنط "الناس في نابلس يشعرون أنهم معزولون عن العالم. يجب أن تكون نابلس العاصمة الاقتصادية لفلسطين. لكنها مدينة ميتة. هذا مؤسف للغاية".
ويقول الجيش الاسرائيلي انه يحاول تسهيل المرور عبر نقاط التفتيش على الفلسطينيين خاصة خلال فترات الزحام.
وذكر الجيش في بيان أنه يبذل جهودا كبيرة لتسهيل الحياة اليومية للشعب الفلسطيني لكنه سيتخذ "الاجراءات اللازمة للحفاظ على سلامة وأمن مواطني اسرائيل".
من على بعد تبدو نابلس فاتنة.
مبان سكنية باللون الاصفر الشاحب يتراوح ارتفاعها بين ثمانية وعشرة طوابق على جوانب الجبلين الشاهقين اللذين يكونان الوادي حيث تقع المدينة القديمة.
وفي الليل توفر القمتان فرصة مواتية للاستمتاع بالجو. وميض أضواء خضراء في مآذن يظهر مواقع مساجد المدينة البالغ عددها 41 مسجدا.
لكنك اذا اقتربت اكثر تبدو نابلس أقل جاذبية. أراض خالية تتناثر فيهل القمامة. الكثير من اشارات المرور لا تعمل والسائقون يتجاهلون عادة ما تعمل منها.
قال نشأت حميدان وهو طالب اقتصاد بجامعة النجاح عمره 21 عاما "لا توجد حياة هنا. لا مال والجميع مكتئبون. أود الرحيل".
ويقول البعض ان القيود الاسرائيلية لها نتائج عكسية تفيد الجماعات الناشطة وتعزز التشدد تجاه الدولة اليهودية.
وقال حسن أبو لبدة رئيس البورصة الفلسطينية الذي كان وزيرا سابقا بالحكومة الفلسطينية "أقابل اسرائيليين طوال الوقت. وأقول لهم يجب أن تخوضوا المجازفة. انكم بخنقكم لهذه المدينة تخلقون المزيد من الأصوليين والمزيد من الارهابيين".
ويعيش ابو لبدة في رام الله على بعد 45 كيلومترا الى الجنوب. وقال انه لا يستطيع أن يتخيل العيش في نابلس وانه يستخدم تصريحات للوصول الى منزله عبر نقاط التفتيش يوميا.
وأضاف "هناك عنف في كل ليلة. بالنسبة لي مصدر الازعاج الوحيد هو عبور نقطة التفتيش".