مَن يَصنَع الكَراهية؟

بقلم: علي آل زهير

جاء عَن الإمام علي- كَرَّم الله وجهه: "كُن في الفِتنة كابن اللبون، لا ظَهر فَيُركَب، ولا ضَرع فيُحلب"، شَكَّل التطرّف الدِّيني، بِصَرف النَّظر عَن المذهب/الطائفة، النَّواة الأولى التي يَنْطلق مِنها كُل صَوتٍ نَاشِز؛ مُتَجاوزاً كُل الخُطوط التي يَنْبَغي أن لا يَغْفل عَنها، كُل مُلتزم بالمبادئ والأفكار التي تَقوم على الدِّين، وتَنطلق مِنه، نَحو الآخر؛ لتكون أفعال الفَرد، مُطابقة لأقواله، ودَعوة للآخر؛ مِن خِلال السلوك الظّاهر، في إثبات مدى مُلائمة تلك المبادئ والأفكار، للواقع مِن عَدمه، وعملاً بالقول:"كونوا دُعاة لنا صامتين".

الأصوات النَّاشزة التي تَظهر بين فترة وأخرى، مِن هُنا، أو هُناك، وتتلبّس بلباس الدِّين، وتَدَّعي ذلك، حين تَنطق أو تتفوه ببعض الأمور التي قَد تَعمل على إثارة النَّعرات الطائفية، وزَرع بُذور الكراهية للآخر الـمُخالف، هذا الصّوت النَّاشز، وهو مَحسوب على فئة/طائفة، ما الذي يَعتقد أنه سيصل إليه بعمله؟!

في الوقت الذي يَستحث فيه الـخُطى، مِن الكثير، من أبناء ورجالات المذاهب/الطوائف المختلفة، في العديد مِن المجتمعات، العَربية والإسلامية، ذات التعدّد الإثني؛ لفتح المجال أمام خَلق فُسحة مِن التلاقي بين الجميع، مِن أبناء الوطن الواحد، والمجتمعات الأخرى، والدَّعوة للحوار، والعَمل على اقتلاع الكثير، مِن الأشجار التي تطاولت في نموها، مِن جَميع الجهات، بين أبناء الوطن الواحد؛ فحَجَبَت الرؤية عن الآخر، وضَربت بجذورها في الأرض؛ حتى استفحل أثرها، وتَرسَّخ، في الأذهان الكثير مِن التصورات الخاطئة، عَبر سِلسلة مُتواصلة، مِن الأجيال، عن الآخر. هَل ينبغي أن نَقف، ونَتَراجع للخَلف، مَع كُل صَوتٍ يَعلو- هُنا أو هُناك- ويَحمل في يَده مَعاول الهدم؟!

يَنبغي علينا- أبناء هذا الجيل- أن نَعمل على بِناء قاعدة لتتواصل مِن خلالها الأجيال القادمة، مِن خلال: تَحجيم مِثل تلك الأصوات الناشزة بين فترة وأخرى، والعَمل على التقليل مِن شأن تلك الشّخصيات، وعَدم إعطاء أمثالهم أكبر مِن حَجمهم، كون الواحد مِنهم يَبحث عَن الشُّهرة، والبقاء تحت الأضواء؛ فأمثالهم لا يُمثل المجتمع، ولا يَعمل على خَلق ثقافة التقارب والحوار؛ بل يَعمل على خَنق ذلك، وخَلق ثقافته الخاصة، الداعية للكراهية؛ وبالتالي هدم المجتمعات؛ بدلاً عَن المساهمة في بنائها. العَمل على تَثقيف طبقات المجتمع، وبيان خَطر أولئك، بدلاً عَن إيقاف التواصل بين أطياف المجتمع الواحد. العَمل على صياغة مِيثاق شَرفٍ حضاري، يُجرّم كُل مَن يَعتدي على مُقدسات الآخرين، ووضع العقوبات الرّادعة لذلك؛ فلعلّ الأجيال القادمة تكون قادرة على خَوض حوارات التقارب بين الأطياف الإثنية، بعد أن تتفهّم ضَرورة التّعايش، بين أبناء المجتمع الواحد، سعياً لتكوين مجتمعات حضارية مَدنيّة، وتَبحث عَن سُبلٍ لمنافسة المجتمعات المتقدمة في المجالات المختلفة، وتكوين مُجتمعات مُنتجة لا مُستهلكة. علي آل زهير - السعودية a.al-zuhair@hotmail.com