مَن يملك الشجاعة على الاعتراف بالعدم السوري

من الصعب تخيل استمرار الحرب في سوريا كل هذا الزمن لولا الدعم الخارجي الذي حُظى ويحظى به طرفا الصراع: النظام ومعارضوه. وهو ما ينطوي على تحول خطير في كثير من المفاهيم السياسية.

فالسلاح الذي كان امتلاكه حكرا على الدولة صار مشاعا وبموافقة واسناد دوليين.

لم تعد المعارضة تجد ما يمنعها من طلب السلاح من جهات خارجية اما تلك الجهات فانها لا تجد مانعا في التصريح بموقفها المؤيد للمعارضة من جهة حقها في طلب السلاح.

وفي الوقت الذي صار فيه من حق للجماعات المسلحة أن تستولي على أجزاء من البلد وتخضعها لسلطتها بما يجعل من سكان تلك المناطق رهائن، لكن تحت انظار المجتمع الدولي لن يكون من حق الدولة أن تعيد فرض سلطتها على تلك المناطق.

ألأن الدولة لم تعد قائمة في سوريا من وجهة نظر ذلك المجتمع الدولي؟

ولكن في حالة سوريا مَن يمثل المجتمع الدولي: روسيا والصين أم الولايات المتحدة ومعها دول الغرب التي تدور في فلكها؟

كان هناك دائما مؤتمر لـ"اصدقاء الشعب السوري" ولكن ذلك المؤتمر كان في حقيقته تجمعا للدول المناصرة للمعارضة في مسعاها لإسقاط النظام السياسي الحاكم، فأين موقع الشعب السوري من تلك الصداقة؟

هناك جزء عظيم من الشعب السوري لا يزال متمسكا بالثوابت الوطنية التي أقيمت على أساسها الدولة السورية. وهو جزء لا يوالي النظام السياسي القائم، بقدر ما يحرص على ضرورة وجود الدولة السورية.

وكما يبدو فان لعبة المعارضة هي انعكاس مرآتي للعبة النظام.

فسوريا الاسد وهو تعبير بلاغي يخلو من المعنى السياسي قد قفز بالخطأ على نهر الخطيئة، من غير أن يكون للجريمة أثر يذكر.

فإذا كانت سوريا الأسد اختراعا حكوميا فلمَ تتبناه المعارضة حين تشير إلى الجيش السوري باعتباره كتائب الاسد؟

لقد حظيت المعارضة السورية بدعم اعلامي دولي يعد سابقة مثيرة للجدل والريبة معا. وهو ما جعل الرئس السوري يعترف بان معارضيه قد انتصروا عليه في الفضاء. ولكن هل يمكن القبول بكل هذا التجييش الاعلامي لولا أن العالم كان قد فقد قدرته على انصاف شعب، كان قد خرج في مسرات سلمية مطالبا بحريته فإذا به يتحول إلى سلعة في مزاد عالمي، يتجاذبه طرفان: روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة أخرى.

لم يعد للدولة السورية في ظل ذلك الاحتراب من قيمة.

فروسيا والصين ترعيان نظام بشار الأسد. اما الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون فانهم يرعون معارضة ذلك النظام التي تدعو إلى اسقاطه.

لقد سقطت الدولة السورية ومن وراءها الشعب السوري في الخندق الذي يفصل بين الطرفين المتنازعين. فمَن يفكر بالشعب السوري ليس لديه سوى صور المخيمات التي أقيمت في تركيا والاردن ولبنان ومن يرعى النظام فإنه لا يفكر إلا في مستقبل ذلك النظام. ما من شيء يذكر بالدولة السورية أو الشعب السوري.

كما لو أن الطرفين قد قررا اختزال سوريا بالنظام الحاكم.

وهو اختزال ينطوي على حقيقة ما يبيت لسوريا من مخططات عدوانية، هي القاسم المشترك بين قطر باعتبارها الممول الرئيسي للمعارضة السورية وبين ايران باعتبارها الحليف الاقليمي الرئيسي للنظام. فالاثنان يفكران في الحاق سوريا، كونها بلدا مستضعفا ومنتهكا، بخارطة سياساتهما.

سوريا اليوم هي رهينة تجاذبات اقليمية ودولية، لا يملك النظام ولا معارضوه القدرة على أن يفلتوا منها. وهو ما يعني اضطرارهما في وقت لا يبدو بعيدا على الاعتراف بعجزهما عن النظر إلى الشعب السوري وفق معايير إنسانية.

"سوريا ليست هنا" مَن يسبق الآخر إلى الاعتراف بهذه الحقيقة سيكون له السبق في الدخول إلى التاريخ.