مَن يقف وراء الحرائق في العراق؟

بغداد

ما تبقى من الحريق

شم احد الموظفين رائحة حريق فأخبر المسؤولين ليقوموا بابلاغ فريق الإطفاء الذي قام بإخماد الحريق الذي لم يسبب خسائر بشرية ولم يطل الوثائق أو المستندات، لكن بقيت التساؤلات حسب المصدر، هل الحريق كان مفتعلاً ومقصوداً بهِ تلف مجموعة من المستندات؟ من يقوم بهذه السلسلة من الحرائق في دوائر ألدولة؟ هذا الموضوع تكرر كثيرا ولم يعد الصمت ازاءه ممكنا لأن من غير المعقول والمنطقي أن يكون التماس الكهربائي "مع عدم وجدوها أصلا " ومن يقف خلف كل هذه الحرائق الأمر الذي بات يعني أن هناك نوعا من الاستغفال للشعب الذي بات يعرف تماما كل الحقائق ولا يخفى عليه الهدف من كل ذلك.

طوال السنين السابقة والحرائق تتواصل في أماكن عـدة في بغداد، وبالأخص منها وزارات التجارة والداخلية والتربية والتعليم العالي والصحة العمل والشؤون الاجتماعية ودوائر أخرى ومؤسسات، إضافة إلى أسواق كتعرض أسواق الشورجة إلى اندلاع حرائق عدة، آخرها حريقان قبل أيام خلال أسبوع واحد كما ان المحافظات هي الأخرى لم تسلم من النيران الملتهبة.

مسلسل الحرائق لم يتوقف في بغداد بل التهم محافظـات كثيرة، منها في النجف وكربلاء والكوت والعمارة وطال مباني عدة تابعة لوزارة الصحة والتجارة ومبنى المحكمة الجنائية، والتهم عادة ما تسجل ضد مجهول.

ان مسلسل حرائق الوزارات والمؤسسات الحكومية بدأ عام 2007 في وزارة النفط وحريق آخر حدث في عام 2008 شمل الطابقين الثاني والخامس من مبنى وزارة التجارة ببغداد خاصة الطوابق التي تضم ملفات خاصة وحريق آخر نشب في شعبة العقود والتراخيص بوزارة النفط أيضاً في 2009، وحريق آخر في وزارة الصحة شمل طوابق تضم عقود شراء الأدوية، وحريق نشب في البنك المركزي، وحرائق في الأسواق العامة.

ويتوقع المراقبون حصول الكثير من الحرائق في الوزارات والدوائر للتخلص من وثائق تتعلق بالفساد المالي والإداري المستشري،الذي يتم احتواؤه، بقولهم سنفتح تحقيقا في الحادث.

وقال الدكتور نضال محمد مدير في احدى منظمات المجتمع المدني "على مدى أشهر عديدة والحرائق تتواصل في أماكن عدة في بغداد، وبالأخص منها وزارات التجارة، الداخلية، التربية، التعليم العالي، الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى أسواق في بغداد كتعرض سوق الشورجة كما حصل مرتين خلال هذا الاسبوع من اندلاع حريق كبير فيه، كما ان المحافظات هي الاخرى لم تسلم من مسلسل الحرائق".

واضاف "كما حدث في النجف والكوت وكربلاء والناصرية. وهناك نيران التهمت اماكن عدة طالت مخازن تابعة لوزارات الصحة والتجارة ومبنى المحكمة الجنائية وفندق الرشيد وحريق سوق السنك، اما الأسباب فعادة ما تسجل ضد مجهول ولا احد يعلم الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الحرائق التي حصلت في الكثير من الوزارات والمؤسسات والمخازن المهمة في كل أنحاء العراق، اما بالنسبة لنا فهي واضحة تهدف إلى إتلاف ملفات الفساد المالي والإداري في الكثير من المؤسسات والدوائر التي لم تعد تجد أسهل من هذا العذر وهو التماس الكهربائي الذي تحول للأسف إلى عرف في بلدنا، وهذا العرف شمل الحرائق التي اندلعت في وزارة الصحة والتجارة والدفاع والبنك المركزي والداخلية وهو ما يعني أن هناك خططا مبيتة لإتلاف وطمر الحقائق التي تتصل بعمليات الفساد المالي والإداري بهدف إخفائها تماما إلى الحد الذي تعجز فيه اللجان التحقيقية التي تشكل لهذا الغرض من إمكانية الحصول على قرائن تمكنها من إثبات الأدلة التي تملكها".

وذكرت فائزة حسن التي تسكن بالقرب من وزارة الصحة بانه ما زالت حوادث اندلاع الحريق الذي نشب في مبنى الوزارة عالقة في اذهان المواطنين الذين كانوا موجودين في ذلك اليوم المشؤوم "لقد كنت في طريقي بجانب الوزارة فجأة اندلعت النيران في بناية الوزارة وهي وسط بغداد، مما أدى إلى احتراق الطوابق الستة العليا من البناية، وقبل ايام كانت بناية وزارة النفط قد تعرضت الى حريق مماثل، الحريقان يبدوان متماثلين في النوع والهدف، فكلاهما أتيا على أقسام مهمة كما سمعنا من الموظفين، وكلاهما يقف الفساد الحكومي المستشري كونه المتهم والفاعل والمستفيد".

لقد كانت العيون تتطلع بأسى ومرارة نحو مبنى وزارة الصحة في الباب المعظم بقلب بغداد وهم يشاهدون النيران تلتهم طوابقها، فزادهم ذلك غماً على فقدان الامن والنظام والخدمات واصبحت النيران سمة من سمات جو العراق الكئيب منذ بضع سنوات، وفي مثل كل مرة يعتبر العراقيون هذا الحريق بفعل فاعل، وحتى سماع بيان الحكومة، او قبل ظهور نتائج التحقيق، معتبرين الحريق المزعوم، صورة أخرى من صور الفساد التي تطول أغلب الوزارات والمؤسسات العراقية، ناهيك عن أن التجارب علمتهم عدم وجود أي تحقيق شفاف يمكن أن يقود إلى الفاعل الحقيقي، فهذا الحريق الذي أتى على معظم مبنى الوزارة ليس الأول من نوعه، فلقد سبق أن تعرضت شعبة العقود والمناقصات النفطية بمبنى وزارة النفط إلى حريق مماثل، ناهيك عن حرائق أخرى طالت عدداً من المراكز الحكومية والأسواق مثل أسواق الشورجة وجميلة، ولم نسمع من الحكومة حتى اليوم عن الفاعل الحقيقي، إذ تذهب كل الجرائم والحوادث فتسجل ضد مجهول في دوائرالدولة.

كما كان هناك حريق آخر متعمد مع سبق الإصرار والترصد في مبنى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قبل سنوات كان قد دبر بالوزارة لغرض أخفاء جرائم السرقة والاختلاسات، وعن حريق وزارة الصحة فقد سمعنا في حينها رئيس لجنة النزاهة صباح الساعدي أنّ الحريق الذي شب في الوزارة قد أتى على قسم وثائق عقود الأدوية الفاسدة المبرمة مع شركات عربية وأجنبية، وتحديداً قسم فتح العطاءات المتعلق بالعقود التي تبرم مع الشركات المعنية باستيراد الأدوية، مما يضع أكثر من علامة استفهام كبيرة حول الحريق ودوافعه.

وأكد أنه طالما حذّر مما وصفه بمسلسل الحرائق في عدد من الوزارات، وطالب هذه الوزارات بحفظ الملفات المتعلقة بالعقود والوثائق في أماكن أمينة ومحكمة.

كما اعلن عن تخوّفه من حصول حريق آخر، وهناك اكثر من علامة استفهام وشكوكا في وجود عمليات فساد تشوب عقود التراخيص.

وذهب الاستاذ في مجال علم النفس علي بهجت "الى ان مسلسل حرائق الوزارات في بغداد، جعلت الناس يفقدون ثقتهم في إجراءات الحكومة، لكشف الفساد المالي المستشري في الوزارات منذ الاحتلال، حيث سمعت أحد المواطنين يقول (إنها ليست المرة الأولى، فقد سبق أن اندلعت حرائق مماثلة بالأسلوب والطريقة ذاتها، ومن المؤكد أن المسؤول الأول هو الحكومة لأنها اقتنعت في وقت سابق بالمحاصصة الطائفية التي رفضها جميع العقلاء، ولأن الحكومة تتستر عمدا على اللصوص والفاسدين)".

وقال "لقد سمعت من مصادر كشفت بأن المفتش العام بوزارة الصحة سارع الى الاتصال أثناء الحريق وبعده برئيس الوزراء، وإلقاء اللوم على وزير الصحة السابق ومستشاري مكتبه الخاص بحجة الإهمال و اللامبالاة".

آخر حريق سمعته كان في منطقة الاسكان في محال اثاث في منطقة حي السلام الذي اشار احد العاملين فيها الى ان اسباب الحريق ليست تماسا كهربائيا او أي سبب اخر بل هو مفتعل حيث قيل ان هناك من ياخذ الخاوة من اصحاب المحلات، لكن صاحب المحل المذكور لم يوافق على الدفع ففي اليوم التالي اضرم النار في المحال واشعل انتقاما منه، اي ان الحادث انتقامي، مع ان الحادثة قد سجلت على كونها إهمالا بعيدا عن اي تماس.

من حق المواطن ان يسأل عن نتائج التحقيق وعن الاسباب وراء الحرائق التي نشبت وتنشب في بغداد او في المحافظات ذلك لأن الثقة معدومة بين المواطن والحكومة وهو دليل على ان الاجهزة الرقابية غير قادرة على مسك الملفات، فكما نرى ان اغلب الحرائق تحدث في الطوابق التي تضم ملفات عقود ووثائق مهمة وهو تقصير وعدم متابعة من المسؤولين في تلك الوزارات، او كما قيل ربما ان كثرة ساعات الكهرباء وراء اسباب التماس الكهربائي الذي غالبا ما يكون السبب في اندلاع اغلب الحرائق.

نقول ليطمئن مضرمو الحرائق فليست هناك متابعة للفساد الاداري والمالي والخروقات والتلاعب بكل اشكاله في اغلب الوزارات من الحكومة.

ولرجال الاطفاء وقفة يقول حازم علي في مديرية الدفاع المدني في الرصافة "كثرت الحرائق في دوائر الدولة والوزارات، التي تسجل كونها ناجمة عن التماس الكهربائي، وعدم اطلاع الكثير عن نتائج التحقيق، نحن نعمل عملا فنيا وان التحقيق في احداث الحرائق وملابساتها من اختصاص جهات أمنية، ان اغلب الحرائق تحدث فعلا من تماس كهربائي ذلك ان اغلب القابلوات قديمة ومستهلكة ويجري التحميل عليها بشكل كبير لا يناسب قابلياتها، كما ان حرارة الجو واشعة الشمس الحارقة قد تكون سبباً آخر في حدوثها، علاوة على ان الاهمال من تلك الجهات يقف عادة في طليعة الاسباب التي تندلع فيها الحرائق كما ان هناك وجود خبراء في الدائرة هم الذين يؤشرون اسباب حدوث الحرائق، ولا ننفي وجود حرائق ليس سببها التماس الكهربائي ولكن هذا من اختصاص اللجان الفنية".

تردد الشائعات والشكوك وتبادل الأقاويل المختلفة والكثيرة بشأن تلك الجهة أو ذلك الطرف المعني لم تأتِ عن فراغ أو بدافع الكره والحقد عليهما، وإنما عبر موجة حرائق مجهولة تعرضت اليها الدوائر والوزارات والمؤسسات التي تحتوي عقود عمليات البيع والشراء والحسابات والأرقام المالية التي تستنزف من ثروات البلاد وأموال الشعب، وهي بالتأكيد مؤشرات خطرة على فقدان المواطن لثقته بأداء الوزارات والدوائر الحكومية ونزاهتها وشفافيتها، ولاسيما ان جميع الأماكن التي تحترق أول الأمر تتحول الى أماكن تحتوي غالبا على وثائق وعقود تتعلق بالمشتريات والصفقات والبيع والشراء، مما يدخل الرأس في دوامة التفكير والتحير بقدرة النيران على التهام أماكن هذه العقود وعجزها عن حرق أي مكان آخر لا يحتوي في شرايينه وأوردته على بعض قطرات دماء المال العام، لأن المؤشرات الأولية بطبيعتها تدل على ان الحوادث قد حدثت بفعل فاعل ولتسفر الحرائق عن تلف وإخفاء كل ذلك بشكل كامل لان الحريق وحده هو من يلتهم جميع العقود ولتبقى عمليات الشراء خاصة بالزمن الماضي الذي ولى بغير رجعة والفضل للنيران وحدها بالتأكيد، وقد قمنا بالتحقيق ولكن ملفاته بقيت فوق الرفوف العالية.

وختاما يبقى السؤال حائرا يبحث له عن جواب وهو متى يعلم المواطن الحقيقة ويكشف المتهم الأول في إشعال الحرائق؟ ومتى نتعرف على الفاعل المجهول الذي يحتمي دائما بمظلة الحكومة؟

وندعو الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للتأمين، ونؤكد على ضرورة متابعة قضايا الحرائق في كل الوزارات وضرورة الكشف عن كل الوثائق المهمة التي تعيد الحقيقة وتكشف الجناة حتى لو كانوا من نفس الوزارات التي تم فيها الحرائق.

ونرفض اي كلام يشير الى ان سبب الحريق قيد ضد مجهول لان دائما هناك مؤشرات اولية على ان هناك فاعل يقوم بكل هذه الحرائق.

ننتظر لنرى نتائج الحكومة!.