مَن يرغب في افشال جنيف 2؟

بعد مرور أكثر من سنتين على الحرب في سوريا لم يسقط النظام الحاكم في دمشق، كما كانت أطراف عربية ودولية كثيرة تأمل بل وتخطط له. نتائج المعارك على الأرض صارت تميل إلى ترجيح كفة القوات الحكومية. قوات المعارضة لم تتقهقر كثيرا عن مواقعها السابقة، بقدر ما صارت تتكبد خسائر بشرية، ليس من اليسير تعويضها في الميدان. وهذا بالضبط ما يدخل استراتيجية النظام العسكرية في منطقة السعي إلى ابادة العدو ومنع انسحابه مهزوما. وإذا ما استمر الوضع الميداني على ما هو عليه الآن فان قوات المعارضة ستخسر الكثير من مواقعها في المدى الزمني المنظور. وقد لا يكون ذهاب النظام إلى المفاوضات ملزما له.

من الطبيعي أن يشكل هذا الواقع سببا لقلق الكثير من داعمي ومناصري الخيار العسكري من أجل اسقاط النظام السوري، في مقدمتهم بريطانيا وفرنسا وتركيا وقطر. ولكن ألم تكن الولايات المتحدة الطرف الأكثر شراسة من بين تلك القوى في الدعوة إلى رحيل النظام؟ ألم يؤدي السلوك الاميركي المناهض لنظام الرئيس بشار الأسد بالمعارضة السورية إلى التورط في عسكرة الثورة واللجوء إلى الصدام المسلح؟

مع ذلك فقد كان موقف الرئيس الاميركي المنحاز إلى الحل السلمي للأزمة السورية محبطا لأقرب معاونيه. علينا هنا أن نتذكر تصريحات وزيرة الخارجية الاميركية السابقة هيلاري كلنتون النارية التي كانت توحي بان رحيل الأسد بات قريبا، وما على الرئيس السوري سوى أن يوافق على خروج آمن له ولعائلته.

هل صدقها المعارضون عن سذاجة أم أنهم تعمدوا المضي في الخيار المسلح من أجل احراج الرئيس اوباما حين يتحول الصراع إلى حرب ابادة؟ في هذا السياق يمكننا النظر إلى مسألة استعمال قوات النظام السلاح الكيماوي، التي روج لها المعارضون قبل سواهم ظنا منهم ان اللحظة التي سيكون فيها الانتقال الى السيناريو الليبي قد حلت. غير أن تلك المحاولة قد باءت بالفشل في الوقت الذي يبدو فيه الحسم العسكري بعيد المنال، إذا لم يكن مستحيلا.

من خلال اتفاقها مع روسيا على عقد مفاوضات جنيف 2 من غير شروط مسبقة اختارت الولايات المتحدة أن تميز نفسها عن القوى الدولية الأخرى الداعمة للمعارضة. وهو موقف لن يعجب قوى المعارضة السورية، بل أنه قد يؤدي بها إلى أن تفقد مصداقيتها إذا ما قررت الذهاب إلى جنيف بأيد فارغة. وهو ما ستفعله على الاغلب.

وإذا ما نظرنا إلى الأمر من جهة النظام فان مجرد جلوس ممثليه أمام مندوبين من المعارضة، لم يقم باختيارهم بنفسه انما هو نوع من الاعتراف باضطراره إلى تكريس الواقع الذي يقول بان وجوده صار موضع نقاش، يشارك فيه بنفسه. وهو أمر لا يمكن لنظام شمولي أن يتخيل وقوعه. ومع ذلك فانه سيقع.

في مواجهة النفوذ الاميركي ــ الروسي المشترك فان موقف اللاعبين الاقليميين المعارضين لاي تقارب سوري ــ سوري لن يكون مؤثرا. فمثلما لا تستطيع ايران أن تؤثر على موقف النظام الحاكم في دمشق من المفاوضات فان تركيا وقطر وإلى حد ما السعودية لن تستطيع الحيلولة دون مشاركة قوى المعارضة في مؤتمر جنيف 2. كما أن مقارنة هذا المؤتمر بالمؤتمر الذي سبقه والذي عقد قبل عام في جنيف أيضا تقلل من قيمة اللقاء المباشر بين قوى المعارضة والنظام، وهو اللقاء الذي يجري لأول مرة وبرعاية دولية. ولكن هل تملك القوى الاقليمية المناهضة للحل السياسي للأزمة السورية أوراقا متاحة تفشل من خلالها المؤتمر؟

اعتقد ان هذا المؤتمر سيشكل انتقالة نوعية في الصراع السوري ــ السوري، لن يكون انتقال السلطة محورها الرئيسي. فبعد أن استمع العالم إلى ما تريده المعارضة، سيكون المؤتمر مناسبة لكي يستمع العالم إلى ما يقوله النظام. وفي هذا الميزان لن يكون هناك مكان للقوى التي كانت ولا تزال ترغب في اختزال القضية السورية برحيل الاسد من السلطة.

إن فشل مؤتمر جنيف 2 في الوصول إلى أهدافه فسيكون السوريون وحدهم سبب ذلك الفشل.