مَن يتذكر الصومال؟

ما من معنى اليوم للتذكير بدولة كان اسمها الصومال. الصوماليون أنفسهم كما أظن لا يفعلون ذلك. لقد حلت مشكلاتهم المعقدة. اما عن طريق انتشارهم في بلدان اللجوء أو عن طريق توزعهم بين الجماعات المسلحة والعصابات وفرق القرصنة. اما من تبقى من الصوماليين فإنه سيكون بين حين وآخر عنوانا لمجاعة يتم من خلالها ابتزاز المجتمع الدولي من قبل قطاع الطرق والأفاقين.

في مختلف أنحاء الأرض هناك صوماليون ولكن ما من كيان سياسي اسمه الصومال، إلا على الخرائط.

فالصومال الطبيعي ليس دولة تحتمي بقانون ولا هو بوطن يحمي مواطنيه.

الصومال في حقيقته انتهى إلى أن يكون حالة مرضية مستعصية. وضعه تاريخُ شعبه الدموي بكل ما انطوى عليه ذلك التاريخ من صراعات مهدت لتدخل القوى الكبرى على طاولة التشريح، هناك حيث صار خبراء السياسة يستلهمون الاعراض والممارسات والنتائج في تأليف نظرياتهم عن كيفية تحلل جثة كانت يوما كائنا حيا.

الصومال اليوم هو كائن مختبري، يتم استعراضه من أجل المعرفة والادراك والفهم. فكان أن اخترع مفهوم "الصوملة" من أجل الاشارة المقتضبة إلى مرض قد تصاب به بلدان أخرى.

ربما تعلمت القوى الكبرى من الحالة الصومالية الشيء الكثير في مجال سعيها لتدمير دول بعينها، شاء قدرها اللعين أن تقع ضمن المنطق السياسي والثقافي والاجتماعي الذي يساعد على صوملتها. وهو ما جرى في العراق بالرغم من ثروته التي تشكل غطاء للفضيحة وما يجري في سوريا الآن بالرغم من أن النظام الحاكم لا يزال ممسكا بالسلطة في دمشق.

ومع ذلك يمكنني القول أن الصومال شيء والصوملة شيء آخر وإن تداخلا.

لقد نسي المجتمع الدولي الصومال. لا يتذكره إلا حين المجاعات التي يسمح لها في أن تلتهم الالاف من الارواح قبل أن يتم التصدي لها.

ما من مرة كان تفادي المجاعة في الصومال ممكنا.

وكما يبدو فان المجتمع الدولي صار على دراية بأسرار تلك المجاعات بحيث صار بطيئا في استجابته العاطفية. هناك مَن تشكل له تلك المجاعات فرصة للإثراء السهل والسريع على حساب أطفال هم عبارة عن قفص صدري وأمهات لا يملكن القوة على رضاعة أطفالهن وشيوخ يقفون مثل الأشجار اليابسة.

لقد تُرك الصومال لعبث أبنائه.

لا بأس أن يكون مشكلة لدول القرن الأفريقي. وهي دول حائرة في سياساتها بعد أن تبين لها أن ما لا يصلحه التراضي لن تصلحه القوة.

ولم يكن تخلي الولايات المتحدة عن اصلاح الاوضاع في الصومال إلا بداية لتخلي الآخرين عن القيام بذلك، حتى وإن كان الصومال مشكلة أفريقية كما يشيع الغرب.

ما لم ينتبه إليه الكثيرون أن الصومال بما أنتهى إليه كان طبخة أريد من خلالها الوصول إلى "الصوملة" وهو المفهوم السياسي الذي صار عنوانا لفشل المجتمعات في الارتقاء بنفسها من خلال الالتزام بمفهوم الدولة بكل معانيه القانونية.

بالنسبة للغرب كان الصومال حيوانا مختبريا، كان الخيال التجريبي قد جرده من كل مقومات وشروط الحياة الإنسانية. وهو ما تماهى معه الصوماليون أنفسهم حين صاروا يقدمون تطبيق الشريعة الاسلامية بالسلاح على مهمة اقامة دولة حديثة على ركام دولة سياد بري التي هدموها بأنفسهم.

لا أحد اليوم يتذكر الصومال بإعتباره دولة.

الصوماليون أنفسهم هم كائنات فلكلورية في بلدان اللجوء. لا يهمهم أن يكونوا كائنات طارئة، تفيض عزلتها من حولها. يدركون أن مَن نساهم في البداية سيغض النظر عنهم في النهاية.

كانوا عنوانا للفشل وستظل الصوملة هي عارهم الأبدي.