مَن المسؤول عن غياب النقد الشعري الإجرائي؟

بقلم: علي حسن الفواز
غياب فادح

قد يقول البعض ان هناك غيابا فادحا في النقد الشعري التطبيقي، وان نقادنا عزفوا عن ممارسة هذا النقد وانصرفوا الى الافراط في التنظير، او اعادة قراءة الماضي التليد للمنجز الشعري القرين بالمغامرات والاصوات العالية.

وقد يقول بعض اخر ان غياب التميز بالكتابة الشعرية وعدم وضوح ملامح التجارب الشعرية هو السبب في هذا الهروب النقدي شبه الجماعي.

وربما هناك اسباب قد يتداولها البعض والبعض الاخر، لكنها تبقى رغم ذلك بعيدة عن تلمس معطى الواقع النقدي وازماته في مقاربة المعالجات النقدية وفي متابعة ما هو جديد، او ربما التعاطي مع العديد من الاسئلة التي تطرحها اليوميات والوقائع والتجارب الجديدة ذاتها.

هذا الحديث بات ساخنا ومكررا ومثيرا لاسئلة دائمة خاصة بين اوساط الشعراء الجدد، لكن هذا الحديث برغم كل مرجعياته واسبابه ليس قدريا، وليس رهينا بحضور او غياب ازمات ثقافية خالصة، بقدر ما هو جزء من ازمة عامة، ازمة في السياسة، وازمة في التعليم الثقافي، وازمة في الاعلام الثقافي، وازمة في المعطى الاكاديمي وموجهاته في ضبط الفعاليات الثقافية ومنهجتها كظواهر ومفاهيم ورؤى وشروط في سياق التعليم الثقافي.

كل هذه الاستحقاقات تفترض الحاجة الى رصد تحولات الثقافة وانماط كتاباتها خاصة الشعرية باعتبارنا (امة شعرية) وامة (تتداول الشعر بشكل تاريخي ومعرفي ويومي) اي ان خصوصية التمثل الشعري في عاداتنا الثقافية يفرض علينا شكلا من اشكال التواصل والتعرّف والتراكم، ناهيك عن ضعف انتاج الوعي النقدي في انماط ثقافاتنا المتعددة بسبب مهيمنات سياسية وتعليمية ودينية ضاغطة.

ولا شك ان هذا التوصيف يضع مشكلة النقد الشعري في الاولويات، خاصة النقد المنتج، النقد الباحث في اشكاليات الشعري والجمالي والتعاطي مع اسئلته، وليس العادات الانطباعية العامة والعائمة والتي كثيرا ما تستهلكها اليوميات الثقافية.

ورغم اهمية النقد الصحفي في الاعلان والتعريف والمتابعة، الاّ أن العمل على تجذير الفعاليات النقدية في المشهد الثقافي والاكاديمي تمثل اهم الاسس التي تدفع النقدي لان يكون جزءا فاعلا في صناعة الثقافة، اقصد صناعة مشهدها وملامحها ونظامها الاستعمالي، فضلا عن دوره في تكريس تقاليد ثقافية تصطنع لها بالضرورة استراتيجيات ثقافية، ومؤسسات ثقافية، فضلا عن دورها في توسع مديات المريدين والاشياع والعادات الثقافية/ النقدية، مثلما هي مجال واسع وعملياتي للكشف والتبشير بتجارب جديدة، وحتى الافصاح عن تحولات عميقة في المشهد الثقافي، فضلا عن دور النقدي ووظيفته في اثارة الاسئلة الثقافية/ النقدية ازاء الظواهر والمعطيات والوقائع.

واحسب ان حرصنا على ايجاد اسس لتنمية المشهد النقدي وتجلية مظاهره، تنطلق اساسا من دعوة النقاد الى تبني ما يسهم في تعميق وجود هذه الاسس في حياتنا الثقافية، والى الحرص على تخليق فضاءات مغايرة، وايجابية في ذات الوقت، تملك الاهلية لاستيعاب كل التغايرات التي عصفت ولا تزال تعصف بالمشهد الثقافي، واطلاق العنان لوعي جديد اكثر جرأة واكثر تحررا في اعادة فحص الظواهر والازمات في مشهدنا الشعري، والتي تشكّل بعضها تحت غيابات قهرية اصابت الجسد الثقافي بسبب موجهات الاستبداد والعنف ومركزة النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي/ المؤسساتي، فضلا عن شيوع ظاهرة (الهروب الوطني) للعديد من الجماعات الثقافية الى خارج العراق، حيث المنفى و(الشتات) الذي لم يسهم للاسف في تشكيل ظاهرة حقيقية للمنفى الثقافي العراقي، اذ ظل هذا المنفى رخوا، ونوستاليجيا، وغامرا بالرومانسية.

وطبعا اسهمت هذه الغيابات في اشاعة ثقافة الطرد والاقصاء والتهميش، مع بروز ظواهر استلابية استغورت القيم الثقافية تحت عناوينها المضللة، ناهيك عن ظواهر اصطناع انماط مشوهة لـ (الصناعة الثقافية).

في سياق هذا الواقع تبدو الاسئلة اكثر ضرورية، خاصة تلك التي تتعلق بظواهر غياب النقد، وغياب الدرس النقدي، وغياب ظواهر التشكلات المعرفية النقدية التي باتت جزءا فاعلا في اليات التحول الكوني، وازاء هذه الاسئلة الضاغطة نقترح النزوع الى استعادة (المبادرة) لتسليط الضوء على اغترابات الجسد النقدي، فضلا عن الدعوة الى القيمين على صحافتنا النقدية وكذلك مسؤولي البرامج الثقافية في قنواتنا الفضائية لايلاء هذا الجانب الاهمية القصوى من خلال تخصيص مجالات للنقد الاجرائي، وتسليط الضوء على كتابات مبدعينا من الشعراء الجدد، ليس للتأكيد على ان العراق لا يزال ولودا بالشعراء، وانما لتأكيد فاعلية التواصل والتراكم الشعري، فضلا عن ادامة الحراك الثقافي بشكل عام، لايماننا بان قوام الفعل الثقافي هو النقد، خاصة النقد الاجرائي التطبيقي دونما اهمال للنقد النظري الذي نلمس استشراء بعض ظواهره بشكل غير مدروس، علما ان بعض الصحف والمجلات بدت اكثر غلوا في الانحياز الى ضجيج الافكار المنبعث من دوي هذه الاشتغالات المنجزة والمكرسة في العقل الثقافي الغربي، مثلما بدت اكثر حرصا على نشر الدراسات المطولة وغير المجدية عن عن تنظيرات تلك الاشتغالات النقدية والمناهجية والتي بعضها ينحني على ترجمات تحتاج كثيرا الى التوثيق العلمي، وكان هذا النمط من الكتابات لا يزال يمثل عقدة لغوية وثقافية للبعض.

ان حرصنا على ايلاء النقد الاجرائي اهمية خاصة ينطلق من الحاجة الى فاعلية الحراك الثقافي، والى خلق نوع من المتابعة التي ترصد المكتبة الثقافية الشعرية، وتفحص ما هو جديد، باتجاه التعريف كما قلنا، وباتجاه توسيع فاعلية القراءة التي نحتاجها الآن بعمق وبمسؤولية.