مَن المسؤول عن انتشار الإرهاب الوهّابي في العراق؟

كشف رئيس الوزراء العراقي، الدكتور حيدر العبادي، أمام مجلس النوّاب يوم الأحد 30 تشرين الثاني، 2014، أن خمسين ألف جندي من القوات النظامية في أربع فرق عسكرية لا وجود لهم إلا على الورق وفي سجلات الرواتب الشهرية بوزارة الدفاع. ويُطلق عليهم تسمية الجندي الوهمي أو الفضائي. بينما تذهب رواتبهم إلى قادتهم من الضباط المسؤولين وبقية سلسلة المراجع مقابل حصولهم على إجازات مفتوحة خارج وحداتهم العسكرية. وقد أبدى العبادي تألمه لهذه الظاهرة الخطيرة على أمل أن يعالجها بالطرق المناسبة. وأضاف العبادي "أشعر بالأسى لما حدث. الجنود يقاتِلون ويُقتَلون، وغيرهم يستلم الرواتب." وقال "إذا أجرينا تفتيشاً على الأرض فسنرى العجائب والغرائب." واعتبر أن "أخطر فساد ما هو موجود في المؤسسة الأمنية." جاء ذلك في أول اعتراف رسمي عراقي بحجم الفساد في المؤسسة العسكرية، وفي إطار إصلاحها، حسب البيان الرسمي.

وكانت صور في الشبكة الدولية (الإنترنت) أظهرت الجنود العراقيين وهم يستبدلون الزي المدني بملابسِهم العسكرية قبل أن يفرّوا من معسكراتهم في الموصل في 9 حزيران/يونيو الماضي 2014 عندما اجتاحتها العصابات الإرهابية الوهّابية المسمّاة "داعش".

كما أظهرت كاميرات الصحفيين الأرتال العسكرية وهي تصل بكامل عتادها وأسلحتها إلى أطراف المنطقة الكردية في شمال شرقي العراق. وقد طالب ضباط في الجيش العراقي حينها بفتح تحقيق مع الضباط المسؤولين في المدينة.

وفي يوم 12 تشرين الثاني/نوفمبر، 2014 أصدر القائد العام للقوات المسلحة الدكتور حيدر العبادي أوامر ديوانية بإعفاء 26 قائداً عسكرياً من مناصبهم وإحالة 10 قادة إلى التقاعد، وتعيين 18 قائدا في مناصب جديدة بوزارة الدفاع. ورد ذلك ضمن توجهات العبادي لتعزيز عمل المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ومحاربة الفساد بمختلف اشكاله.

ومن متابعة التقارير الإخبارية اليومية يمكن القول باطمئنان أن ما يُقال عن الجيش ينطبق على قوات الشرطة والأمن تماماً.

وتأكّد ذلك مرة أخرى عندما أعلن العبادي يوم الإثنين، 1 كانون الأول/ديسمبر، 2014 عن إعفاء 24 من قيادات وزارة الداخلية من مناصبهم وإحالتهم إلى التقاعد، وتعيين ضباط جدد ضمن خطة إصلاح عمل المؤسسات الأمنية. ويأتي هذا التغيير من أجل إعادة هيكلة القوات الأمنية وجعلها أكثر فاعلية في مواجهة الإرهاب ـ حسب تعبير البيان.

ذكرتُ في مقال سابق بعنوان "ما المطلوب عمله من رئيس الوزراء العراقي الجديد، حيدر العبادي؟" نُشِر في هذا الموقع الكريم يوم الأربعاء، 13 آب/أغسطس، 2014، أن الملف الأمني يجب أن يحظى بالأولوية المطلقة، بينما تسايره وتكمّله بقية الملفات بنفس الوقت. ومن بين ما قلتُه صراحة أن "جيش الطوائف هو جيش الهزائم، وشرطة الطوائف هي شرطة الهزائم". ووجّهتُ أصابع الاتهام مباشرة إلى شخص ووظيفة السيد نوري المالكي باعتباره رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة، وأشرف بنفسه على وزارتي الدفاع والداخلية، ورئاسة المخابرات والاستخبارات، ورئاسة مجلس الأمن الوطني والقومي. ومع امتلاكه لكل هذه المناصب الحساسة والصلاحيات الواسعة فقد فشل وتهاون في درء خطر الإرهاب الوهّابي والعصابات المسلحة الطائفية التابعة للأحزاب الحاكمة في بغداد وأربيل. كما أن شخصيته الصِدامية سبّبتْ استقطاباً حاداً في المجتمع والحكومة ومجلس النوّاب، وكذلك مع الدول المجاورة والدول الحليفة، أي الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة."

ثم تفاجأ العراقيون وامتعضوا كثيراً عندما رأوا العبادي وباقي الأحزاب الطائفية وهم يُعَيِّنون ويُداورون رؤوس الهزائم والجرائم والفساد والفشل والتهاون والتخاذل في مناصب رفيعة مرة أخرى. فقد أصبح نوري المالكي وإياد علاوي وأسامة النجيفي نُوّاباً لرئيس الجمهورية، وهو منصب فخري. وأصبح بهاء الاعرجي، وصالح المطلك، وهوشيار زيباري نُوّاباً لرئيس الوزراء. كما أصبح حسين الشهرستاني وزير التعليم العالي والبحث العلمي، إبراهيم الجعفري وزير الخارجية، باقر جبر صولاغ الزبيدي وزير النقل، عادل عبدالمهدي وزير النفط، روز نوري شاويس وزير المالية، وغيرهم من الفاشلين.

إتضّح من التصريحات والتعليقات الكثيرة من الدكتور العبادي مباشرة ومن مسؤولين آخرين أن التعيينات الجديدة في ما يُسمّى الرئاسات الثلاثة، أي رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النوّاب، تمّتْ حسب ما أسمَوه "التوافقات الطائفية"، أي الحصص الطائفية التي جاءت بها جماعات مؤتمر لندن مع الاحتلال عام 2003. ومن بين أسباب إعادة تعيين المالكي، على وجه التحديد، في منصب نائب لرئيس الجمهورية هو لمنع حدوث انشقاق جديد في حزب الدعوة الإسلامية الحاكم، وبنفس الوقت تطبيق للمثل الإنكليزي: "قرِّبْ صديقَك إليك، وقرِّبْ عدوَّك إليك أكثر." حتى إذا ما احتاج أحد أن يحاسب المالكي وجده تحت قبضة يديه.

إنّ مسؤولية المالكي، من النواحي الشخصية والسياسية والقانونية ـ الجنائية، عن ازدهار الطائفية وروح الانفصال والتقسيم والفساد الإداري، وانتشار الإرهاب الوهّابي في العراق وحدوث مجازر الإبادة الجماعية والتهجير القسري وغيرها من الجرائم، لم تنتهِ بانتهاء مدة وزارته. وهي التي دامت ثمان سنوات وشهدت إعادة تشكيل القوات المسلحة في الجيش والشرطة على أسس طائفية بحتة وبمساعدة القوات الأميركية والبريطانية. ومع اقتراب مائة يوم من حكم وزارة الدكتور حيدر العبادي (في 20 كانون الأول/ديسمبر، 2014) فإن هذه المسؤولية يشترك فيها الآن مع المالكي إلى أن يستطيع دحر الإرهاب الوهّابي وتحرير كل المدن العراقية منه، وإلى أن يستطيع السيطرة والقضاء على الطائفية. فإن لم يفعل، لعجزه أو لامتناعه، فإنه يتحمّل المسؤولية بالكامل مثل نوري المالكي. بل سيُضاف عارٌ جديدٌ إليه، وهو أنه ربّما سيُشرف، مع الطائفيين الآخرين، على تقسيم العراق بصورة رسمية وعلى أسس طائفية أيضاً.

إذا كان هدف العبادي من تشخيص ومعاقبة 50 ألف جندي وعدد غير معلوم بعد من الضباط المسؤولين هو أكل السمكة من الذَنَب وصولاً إلى الرأس فهو إجراء خاطئ من حيث أنه يبحث عن الأسماك الصغيرة ولا يتحرش بأسماك القرش والحيتان الكبيرة. ذلك أن هؤلاء الجنود لم يجرؤوا على التغيّب من واجباتهم في حماية أمن الوطن لو كان الضباط والوزراء والقائد العام للقوات المسلحة حازمين في تعاملهم مع الملف الأمني والطائفية. وإذا كان هدف العبادي من معاقبة هؤلاء الجنود وضباطهم امتصاص نقمة الشعب العراقي والانشغال عن رؤوس الفساد، أي المالكي ووزارته كلها، فهو خلل قانوني وسياسي وأخلاقي فادح لا يمكن غفرانه.