مَنْ له مصلحة في استهداف أطباء المستشفيات الحكومية في العراق؟ ولماذا تسكت الحكومة؟

مع إستمرار تراجع الخدمات الطبية وتدهور الواقع الصحي في العراق، وبضمنه تناقص عدد الأطباء، خاصة الأختصاصيين منهم، ومع استمرار مساعي التغطية على الواقع الصحي المزري وأسباب تراجعه وتفاقمه، تنصلآ من المسؤولية، من جهة، وتصاعد العمليات الأرهابية وتزايد جرائم القتل الجماعي وإصابة المئات من العراقيين بالجروح الخطيرة، التي تستوجب تداخلآ جراحياً ومعالجة طبية اَنية وعاجلة لأنقاذ حياتهم، من جهة أخرى، تصاعدت عمليات إستهداف الأطباء العاملين في المستشفيات الحكومية، سواء بالاعتداء عليهم بالإهانة والشتم والضرب والتهديد، أو بالقتل المباشر.

اَخر سلسلة جرائم القتل حصلت قبل أيام قلائل: إغتيال الأستاذ الجامعي في كلية الطب بجامعة بغداد، طبيب القلب الدكتور أحمد شاكر محمد، بتفجير سيارته بعبوة لاصقة بتقاطع أبو عكال في منطقة الزعفرانية؛ وإغتيال الدكتورة أنعام كمال العاملة في مختبر للتحليلات المرضية من قبل مسلحين وهي بسيارتها الشخصية في شارع الوليد بمنطقة الزعفرانية؛ وقتل طبيب إختصاص باطنية وأصابة زميله بجروح خطيرة بأسلحة كاتمة للصوت لدى مرورهما بسيارة شخصية بمنطقة بغداد الجديدة.

العدد الجديد من المغدورين إنضم للقائمة الطويلة التي شملت مئات الأطباء الذين تمت تصفيتهم جسدياً خلال السنوات الأخيرة، بينما تقف الحكومة وأجهزتها الأمنية عاجزة، في حالات عديدة، وبضمنها تنفيذ عمليات الاغتيال أمام أنظار الشرطة، في بغداد ومحافظات أخرى، عن حماية الأطباء حتى وهم يقومون بواجباتهم الوظيفية، المهنية، والأنسانية. وهو ما دعا منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في 7/7/2013 إلى ان تؤكد من جديد بان العنف الموجه ضد العلماء والأطباء في العراق هو السبب الرئيس لهجرة العقول من البلاد. وشددت على ضرورة عدم ترك مرتكبي هذه الجرائم دون عقاب.

حيال ما حصل في الزعفرانية، أغلق جميع الأطباء في المنطقة عياداتهم الخاصة خوفاً من إستهدافهم من قبل الجماعات المسلحة، وترك غالبية الأطباء منازلهم بعد عدة تهديدات تلقوها عبر رسائل نصية أو مكالمات على هواتفهم- كما أكد لصحيفة "طريق الشعب" مواطن مالك لمجمع يضم عيادات طبية هناك.

في الواقع، أن محنة الأطباء ليست وليدة اليوم، وإنما هي محنة تتفاقم يوماً بعد اَخر منذ غزو العراق وفسح المجال واسعاً أمام تغلغل الطائفيين والفاشلين والمزورين والفاسدين والحرامية وسط الأحزاب المتنفذة في العراق "الجديد"، والشروع بتنفيذ مخطط تصفية عقول العراق بهدف إفراغه من علمائه وكفاءاته، وهو المخطط الذي راح ضحيته لحد الآن أكثر من 5 اَلاف عالم وأكاديمي وكفاءة علمية وفنية العراق بأمس الحاجة إليهم.

نتيجة لإستهداف الكفاءات العلمية والخبرات الطبية وتصفية المئات من الأطباء جسدياً وإضطرار اَلاف الأطباء لمغادرة العراق، أو تركهم للعمل مجبرين، لم يبق في العراق سوى عدد قليل جداً من الأطباء الذين واصلوا العمل في المستشفيات الحكومية بدافع خدمة أبناء وبنات شعبهم، لا يسد عددهم سوى ربع الحاجة الماسة إليهم. ونتيجة لهذا، والى جانب الزيادة السكانية الملحوظة في العراق، وفشل سياسة الحكومة في تشجيع الأطباء الأختصاصيين العراقيين العاملين في الخارج للعودة الى بلدهم الأم والعمل في مؤسساته الطبية، محتلين مواقعهم فيها بحسب مؤهلاتهم وخبراتهم، إلتزاماً بمبدأ "الشخص المناسب في المكان المناسب"، لكل هذا أصبح في العراق اليوم طبيب واحد لأكثر من 40 ألف مواطناً- وفقاً لأعضاء في لجنة الصحة والبيئة النيابية. بذلك أصبح العراق يمتلك أطباءً أقل بنحو 50 مرة مما لدى الدول النامية الأخرى، ومنها من هي أفقر من العراق بكثير.

ويبدو ان المخطط الأجرامي يتواصل حتى تحقيق الهدف المرسوم- إفراغ العراق من اَخر طبيب كفوء وحريص وليتواصل تدهور الخدمات الطبية وفقدان المزيد من العراقيين لحيواتهم، لاسيما وان هذا الهدف المفضوح يقترن بإتساع حجم الأمية، خاصة وسط الأمهات، وهو أمر مقصود، مصحوب بتشجيع ظاهرة "عمالة الأطفال"، المؤلفة من التلاميذ الذين تركوا الدراسة مضطرين لمساعدة عوائلهم الفقيرة، ضمن سياسة إشاعة الجهل والتخلف في شتى الصعد، التي يستكملها إنتشار الدجالين والمشعوذين في قطاع الصحة، من خريجي "سوق مريدي" وأمثاله، الذين راحوا ينافسون بعدد مراجعيهم - دون مبالغة - مراجعي خيرة الاختصاصيين في الطب الباطني والجراحة والنسائية والأطفال.

وضمن هذا المخطط الخبيث أصبح الطبيب هو المستهدف، يوجه له بعض الناس غضبهم تذمراً مما يعيشونه حالياً من إرهاب وترويع وقهر وغبن وتهميش، وتردي أحوالهم الصحية. حالة مزرية يعيشها العراقي مصحوبة بسوء خدمات الكهرباء والماء والمحاري، الى جانب الفقر والبطالة وغياب القانون وإنعدام النظام والعدالة الأجتماعية. وللأسف، فأن الغضب والإمتعاض من الواقع المزري السائد لا يوجه الى المتنفذين في الحكومة وفي مجلس النواب، أو الى المليشيات المسلحة والقتلة والمتواطئين معهم، وإنما يعكسه البعض على الأبرياء، مثل الأطباء والكادر الصحي المساعد، بإعتداءات ظالمة وغير مبررة.

الغريب ان تقف الحكومة متفرجة على ما يحدث وكأن الأمر لا يعنيها ـ متجاهلة المعاناة اليومية التي يعيشها الأطباء في المستشفيات بشكل عام، حيث قلة الاحترام الذي يبديه بعض الناس للأطباء في المستشفيات الحكومية ممن يبذلون كل ما يقدرون عليه من جهود لمساعدة المحتاجين إليهم ولا يقدرون الصعوبات والمعوقات الكبيرة التي يواجونها يومياً في إنقاذ حياة المصابين، ومنها قلة الأجهزة والمعدات الطبية وشحة الأدوية اللازمة. هذا عدا وصول الحالات إليهم، وما أكثرها، متأخرة جداً، فلا يستطيعون إنقاذ حياة المصاب أو المريض مهما فعلوا.

أحدى الطبيبات العاملات في مستشفى الصدر ببغداد أشارت الى تعرض طبيبات عاملات في مستشفى الامام علي إلى الضرب على يد أهل احد المرضى، دون وجه حق، الأمر الذي دفع جميع الأطباء في المستشفى الى الأضراب عن العمل لمدة أسبوع كامل وتم إغلاق غرفة الطوارئ فيها طوال هذه المدة. وأضافت الطبيبة بان الأطباء صاروا يترددون في اتخاذ قرار إجراء عملية جراحية خوفا من أن تحدث مضاعفات قد تؤدي بالنتيجة إلى أن يصب أهل المريض أو المريضة جام غضبهم على الجراح، مع ان المضاعفات تحدث أحيانا ولا تعني على الإطلاق أن الطبيب اخطأ بشكل أو بآخر.

اَخر الحوادث: إعتداء جنود من اللواء 24 التابع للفرقة السادسة في الجيش العراقي في 26 حزيران الماضي على أطباء وعلى الكادر التمريضي والأداري في مستشفى أبو غريب بالشتم والضرب نتيجة وفاة جندي متأثرا بجروح أصيب بها أثناء هجوم مسلح استهدف مقرا للجيش وسط قضاء ابو غريب، رغم ان الجريح توفي أثناء نقله إلى المستشفى وليس في المستشفى.

الأطباء يشكون من تعرضهم بشكل مستمر إلى اعتداءات على أيدي بعض العناصر الأمنية والعسكرية ممن يجلبون زملاء لهم مصابين لمعالجتهم في المستشفيات- بحسب "السومرية نيوز".

وفي الثالث من تموز الجاري دخلت قوة من الشرطة الاتحادية ووزارة العدل كانت ترافق احد المرضى المحكومين بالإعدام، إلى مستشفى الكرخ لمعالجته، وعندما طالبها موظفو المستشفى بعدم إدخال السلاح إلى المستشفى، إنهالوا عليهم بالضرب بأعقاب الأسلحة وبالشتم، وأثاروا ذعر المرضى والمراجعين، متهمين إياهم بأنهم "يحاولون تهريب السجين". في اليوم التالي تجمع نحو 30 طبيباً وموظفاً للتظاهر إحتجاجاً على هذا الاعتداء السافر، إلا ان قوة من الجيش العراقي وحماية المنشآت منعتهم. وأكد العديد من ضحايا الأعتداء أنهم قاموا برفع دعوى قضائية على الضابط المسؤول عن القوة التي هاجمت موظفي المستشفى. ولا تعد هذه الحادثة هي الأول التي تتعرض فيها الكوادر الطبيبة في العراق إلى اعتداءات- تؤكد " المدى برس"- إذ قامت مجموعة مسلحة عرفت نفسها بأنها من تنظيم "عصائب أهل الحق" في الأول من شباط 2013، بمهاجمة مستشفى الإمام علي والاشتباك مع أمن المستشفى والاعتداء بالضرب على الأطباء والعاملين فيها. ونشرت سلسلة تقارير عن تهديدات قامت بها المجموعة ضد العاملين في المستشفى من المجموعة نفسها التي توعدتهم بالقتل في حال مضيهم برفع دعوى قضائية ضد أفرادها.

والغريب المريب ان تقف وزارة الصحة ونقابة الأطباء المركزية متفرجة على ما يحصل لمنتسبيها وأعضائها. فقد إعترفت وزارة الصحة خلال ندوة نظمتها في مطلع أذار 2013 في بغداد تحت شعار "نحو خلق بيئة آمنة للأطباء" بخضوع الأطباء للابتزازات العشائرية والبلطجة، مؤكدة بأن الشرطة تكون في بعض الأحيان غير قادرة على حماية الأطباء بسبب تعرضها هي الأخرى إلى التهديد، لافتة إلى أن بغداد وحدها سجلت خلال العام 2012 ما لا يقل عن 70 حادث اعتداء ضد طبيبات وأطباء. وتسجل من وقت لآخر في مستشفيات بغداد وباقي المحافظات، حالات الاعتداء بالضرب والتهجم على الأطباء "لأسباب الشرف" بفعل المجتمع العشائري ومطالبة الأطباء بملايين الدنانير كفدية وما شابه، لكنها لم تقدم حلآ للمشكلة..

ونقابة الأطباء المركزية أكدت على لسان الدكتور وليد الحديثي - النائب الأول لنقيب الأطباء - علمها بوقوع إعتداءات على الأطباء وان عددها يتزايد منذ 6 سنوات، لكنها تقف عاجزة هي الأخرى عن حماية أعضائها، وغير قادرة على طرح حل حقيقي للمشكلة، عدا انتظار صدور قانون حماية الأطباء الذي ما يزال في إدراج مجلس النواب.- بحسب "إذاعة العراق الحر". بينما أكد أحد أعضاء لجنة الصحة والبيئة النيابية لـ " الفرات نيوز"، إن ما تم تشريعه من قوانين تخص شريحة الأطباء، كقانون حماية الأطباء، لن تحميهم ولن تشجع المهاجرين منهم على العودة البلد، وذلك لأن هناك مطالب كثيرة للطبيب من أجل ان يعود الى البلد والحكومة غير قادرة على توفيرها.

بالمقابل شرعت الحكومة بإستقدام أطباء أجانب من الهند وغيرها لسد جزء من الحاجة الى الأطباء.

لن يستغرب أحد من المسؤولين المتنفذين المتفرجين ان يأتي يوم يفرغ فيه البلد من كوادره الطبية إذا ما

تواصل تعرض شريحة الأطباء الى إستهدافهم من قبل الإرهابيين والقتلة، وتواصل تعرض من سلم منهم لحد الآن من الأغتيال للتهديد والابتزاز والإهانة والضرب، وتواصل إضطرار الأطباء ترك المستشفيات الحكومية التي يعملون فيها، وإنتقلوا الى مستشفيات في كردستان العراق او هاجروا الى بلدان أخرى أو تركوا العمل نهائياً ليبقوا مع أسرهم في أرض الوطن.

ونتساءل مجدداً:

لمصلحة من تتواصل الأعمال الأجرامية ضد الأطباء؟

ومن الذي يحرض عليها ويشجعها؟

ومن ينفذها؟

ولماذا تواصل الحكومة ومجلس النواب والقضاء، ممثلآ بالادعاء العام، السكوت على الجرائم المنكرة بحق الأطباء، وعلى المساعي التخريبية الرامية الى تطفيش من بقي منهم في البلد؟