مَدرسة لبنانية 'مغامِرة' تنتهج حوارا جديا مع الاخر

بقلم: أماني بتكجي
لماذا نعتبرانفسنا دائما على حق؟

قد يكون من المفارقات أن موضع التغيير في لبنان هو مدينة صيدا الجنوبية الصغيرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ورغم أنه يُنظَر إليها أحياناً على أنها مدينة مسلمة محافظة إلا أنها كذلك مركز لمدرسة ابتكارية مغايرة ألهمت مدارس أخرى في المنطقة للامتداد والتوجه نحو أجزاء أخرى من العالم.

وتهدف مدرسة حسام الدين الحريري التي تضم طلاباً من الروضة وحتى المدرسة الثانوية، إلى توفير معرفة معمقة حول الإسلام لطلابها وتأهيلهم بمهارات للتفكير الناقد للتعلّم عن العالم حتى يستطيعوا أن يخدموا مجتمعهم بأسلوب أفضل.
لهذا الهدف قامت المدرسة بالتقدّم لبرنامج تعليمي عالمي يأخذ أفضل الممارسات من كافة المدارس ويدمجها معاً لإيجاد منهاج رفيع للطلبة. هذا البرنامج توفره منظمة البكالوريا الدولية ومركزها جنيف بسويسرا.

وأصر القائمون عليها على تسميتها مدرسة "مغامِرة" اذ أنها تقع على بعد ساعتين بالسيارة من حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل، وشهدت جزءاً كبيراً من النزاع بين الدولتين.

إضافة إلى ذلك فإن المدرسة تخدم مجتمعاً محافظاً له مهمة هي توفير المعرفة لطلابه حول تراثهم حتى يتمكنوا وبسرعة من العمل في مجتمع كمفكرين ناقدين ومواطنين خلاقين مبدعين.
ويمكن لفكرة التغيير والانفتاح على الغرب أن تطرح علامة استفهام في هذا النوع من المجتمع، لذا فعندما يتم البحث في مشروع يتعلق بالارتباط مع منظمات غربية أو دولية، تضطر إدارة المدرسة لأن تغامر خارج الساحات المعروفة في محاولة لترويج الفكرة للمجتمع المحافظ الذي تخدمه المدرسة.

ويرد في فقرة من رسالة منظمة البكالوريا العالمية "تشجع هذه البرامج التلاميذ عبر العالم على أن يصبحوا دارسين نشطين متعاطفين طوال حياتهم. يفهمون أن الآخرين رغم خلافاتهم معهم، يمكن أن يكونوا على حق".

ولان المجتمع والمدرسة لهما خلفية إسلامية محافظة، فإن هذه الجملة أثارت جدلاً ساخناً بين أعضاء مجلس إدارة المدرسة. لماذا يكون "الآخرون" على حق؟ هل يعني هذا أنه يتوجب علينا التنازل عن مبادئنا وتعليم أطفالنا أن الأطفال من الديانات الأخرى يمكن أن يكونوا على حق؟

لا يمكن مساءلة مبادئ الفتاوى، حسب منظور إسلامي عالمي متطرف، كما أن الإسلام يعتبر هو السبيل الوحيد إلى الخلاص.

ويخلق هذا الحوار الساخن خلافاً كبيراً في مجالس إدارة المدارس في عدد من أبرز المدارس في دول الخليج العربي حيث ينتشر هذا البرنامج بشكل واسع، فهو يشكل وصفة للتغيير تتطلب من المدارس مراجعة برامجها وتدريب مدرسيها والعاملين فيها في مجال أحدث البحوث ونتائجها وأن تثبت تقدماً ملموساً.

وألهمت نظرة معمقة في تلك الجملة مدرسة حسام الدين الحريري الى ان تقف وترى فيها تفسيراً آخر، وفرصة لنشر وجهات نظر المدرسة إلى العالم في تبادل ثقافي ثنائي الاتجاه.
إذا كان بإمكان الآخرين أن يكونوا على حق، فنحن إذن، بخصوصياتنا وتداخلاتنا الثقافية، نستطيع أيضاً أن نكون على حق. نستطيع أن نكون هؤلاء "الآخرين" المختلفين، ويستطيع الآخر كذلك أن يرانا.

وبما ان المدرسة تنتمي إلى قلة من المدارس العربية التي تشارك في هذه البرنامج، بإمكاننا توفير بعض الأفكار المعمقة القيمة للمنظمة.
من وجهة نظر منظمة البكالوريا الدولية، هناك عدد قليل جداً من المدارس في العالم التي تدرّس البرنامج نفسه بلغات ثلاث: العربية والإنكليزية والفرنسية.

هناك معان ضمنية كثيرة تتعلق بأثر اللغة التي يجري التدريس بها على قرارات المناهج، فعلى سبيل المثال اضطرت المدرسة لأن تخطط لتدريب المعلمين على استخدام عملية البحث والتقصي في التدريس باللغات الثلاث وفي الوقت نفسه تجنب استخدام المواد التعليمية المترجمة، ومن ناحية أخرى يمكن للتدريس بلغة واحدة أو بلغتين أن يصقل مهارات البحث والتقصي لدى الطالب مقارنة بالتدريس بأكثر من لغة أو اثنتين.

في هذه الحالة واجهت المدرسة تحدياً لاستخدام أساليب تدريسية مناسبة للبحث والتقصي دون التضحية بتعليم اللغات. تبين أن بياناتنا أثناء عملية التطبيق مفيدة جداً في توفير المعرفة للعملية التدريسية في مدارس أخرى.

تبرز قضايا الاتصال وحل النزاع إلى مقدمة النقاش المتعلق بقرارات المناهج. من خلال هذا البرنامج، ودون البحث عن قصد عن مواد منهجية في مجال حل النزاع، قامت عملية التطبيق بإرشادنا لتعليم الأطفال كيف يكونون مواطنين باحثين ومتقصّين ومغامرين ومفكرين ومهتمين وأصحاب مبادئ ومنفتحين عقلياً.

ليس بالضرورة أن يعني الانفتاح على العالم تقبل ما يقوله الغير واستهلاكه بشكل غير متفاعل. هل هناك أية مميزات أفضل نعطيها لأطفالنا وهم ينمون ويتعلمون وينجحون كراشدين في هذا الجزء من العالم الذي يحتدم فيه النزاع والاضطراب السياسي؟

أماني بتكجي
مديرة في مدرسة حسام الدين الحريري
صيدا/ لبنان