ميزان الحق (3): ما الذي سنفعله بهذا العراق؟

لم يعرف زعيمٌ شعبَه، مثلما يعرف العراقيين صدام. انه يقرأهم كما يقرأ في كتاب، ويراهم كما يرى وجهه في المرآة، ويعرف كل تفصيلٍ من تفاصيلهم التاريخية والاجتماعية. لهذا السبب يقال انه لا يمكن تحدي نظرته في عيون الآخرين. ليس لسطوةٍ، في الواقع، ولا لجبروت او حتى "كاريزما"، بل لانه يقرأ، من خلف الحدقات، ما لا يقرأه أحد.
وقد قيل فيه ما يقال وما لا يقال، ونسجت حوله الكثير من الأساطير، وكان موضع جدل لا ينتهي على الدوام، إلا انه أمسك بعروة تلك الدراية ليقود العراقيين، على قرع الطبول أحيانا، في طريق بناء دولة قوية غنية مستقلة. فكانت، ببعض شدةٍ وبعض لين، عزيزة حرة ومقتدرة، وتثير حفيظة الامبرياليين ومخاوف الصهاينة وقلق عملائهما في المنطقة.
انه "بطل" في عين، و"مجرم" في عين أخرى. ربٌ من أرباب الحكمة في عين، وطاغية عنف وقسوة في عين أخرى. ولكن ما لم يستطع الكثيرون ان يروه في هذا الرجل هو انه، مثل الكثير من أسلافه من أساطير الماضي السحيق، نصف انسان ونصف إله (بالمعنى الميثولوجي، لا الديني، للكلمة).
ولكي لا يبدو الأمر مديحا لا مبرر له، فالحقيقة هي ان تاريخ العراق السياسي والاجتماعي عرف الكثير من الشخصيات، ومن مختلف المشارب والاتجاهات، التي تملك هذه الصفة. فكانوا رجالا اذا قالوا فعلوا، لا يهابون الموت، لان نصفهم الإلهي يقول لهم انهم لا يموتون، قاماتهم أعلى من أعواد المشانق، وتأخذهم المفاهيم والقيم المجردة، كالشرف والكرامة والعفو والاخلاص، لانهم ينظرون الى الأشياء من فوق.
وسواء بالفقر أم الغنى فانهم يتجبرون ويتعالون لانهم يأتون من هناك... من جزئهم العلوي.
هكذا، حتى وهو في سجنه، يبدو الرئيس صدام جالسا على عرشٍ منظورٍ لأولئك الذين يرون نصفه السماوي، وغير منظور لأولئك الذين يرون نصفه الأرضي.
كل ثقافة البابليين والآشوريين في السلطة كانت قائمة على ذلك المزيج الخلاق لقادة نصفهم بشر ونصفهم آلهة. يتعالون كأنبياء فتغمرهم الدوافع الى الحكمة، ويتواضعون كبشر فيغرقون بملذات الحياة، حتى ولا كأنهم كانوا هناك. يرحمون ويقسون. يصارعون الوحوش ويخرون صرعى امام عيني إمرأة.
فأي من هذين النصفين نحاكم؟ وهل يمكن الفصل بينهما أصلا؟
ليس كل الذين حكموا العراق إعتلوا هذه المنصة. ولكن صدام كان، من دون أدنى شك، واحدا منهم.
وبطبيعة الحال، فلكل إمرء أن يرى ما يريد ان يراه. ولكن هذا قد يكفي بمفرده ليفسر كيف ينقسمُ فيه الناس. ولعله يكفي للقول ان التهديد بقتله سيكون بمثابة لعنة وكارثة اجتماعية، لانها ستقلب نصفاً على نصف. وما أحوج العراقيين الى تحاشيها، حقنا للدماء.
وهو في سجنه، وبعد أن رأى كل ما رآه، وبرغم ان قتله ما يزال ملفاً مفتوحا بين أيدي عملاء الاحتلال، ترفّع صدام وتعالى على جرحه ليضع العراقيين أمام واجب المغفرة والتسامح والتعالي على الظلم والبغضاء. أولاً، لانه يعرف، بوضوح شديد، ان العراقيين، اذ يقسون على بعضهم وعلى انفسهم الى حد المجزرة، فانهم، في الوقت نفسه، شديدو الضعف أمام قيم المودة والمغفرة اذا ما وضعت أمامهم كحدٍ ومعيار.
قال في بعض تلك الرسالة التي خاطب فيها شعبه (15 اكتوبر/تشرين الأول 2006): "أدعوكم أيها الأخوة والرفاق... الى ان تعتمدوا الحق والعدل في جهادكم، ولا يجرّنكم الى ما يسيء اليه هوىً أو طيش لا سمح الله، وأدعوكم الى التسامح بدل التشدد مع مَنْ تاه وأضاع الدرب الصحيح ليهتدي إذا ظهر من أهلها بارقة أمل.. وأن يبقى باب العفو والتسامح مفتوحاَ أمام الجميع حتى اللحظة التي تسبق ساعة التحرير الناجز باذنه تعالى، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، لا فرق بينكم إلا خطوة الجهاد الأسبق والأكثر مشقة وتضحية (...) وان أصحاب الحصانة العليا (أي الرفيعون وذوو النصف السماوي) وحدهم هم مَنْ بإمكانهم أن يقوموا بالتسامح عند الاقتدار، فوحدهم مَنْ يستحق مثل هذا الشرف (...) ولا تنسوا ان بعد كل حرب سلام، وبعد كل فرقة واختلاف إئتلاف وإتحاد، وبعد كل تباعدٍ تقارب، وبعد كل بغضاء، قد يمنُّ الله بعودة وإلفة... أيّها الأخوة لقد ظُُلمتمْ من الغزاة وتابعيهم وأعوانهم وشركائهم فلا تظلموا أحداً، إذ أنكم لو ظلمتم فكأنكم تظلمون أنفسكم لأنكم تنزعون عنكم حق الله فيكم وتتيحون الفرص للمتصيّدين ليشوّهوا جهادكم ونضالكم وليتقدموا عليكم ما لا يليق بكم وهي خسارة عظيمة، لو حصلت، لا سمح الله. وعندما تنتصرون تذكروا ان النصر هو نصر الله، وانتم جنده، مما يتوجب عليكم التسامح والعفو مبتدئين بأن تضعوا دماء أبنائكم وأخوانكم (تحت البساط) ومنهم أبناء صدام حسين، عفواً صادقاً لوجه الله لا رجعة فيه، مستذكرين سيرة الانبياء والرسل ومنهم الرسولين الكريمين صلى الله عليهما وسلم محمد بن عبد الله وعيسى بن مريم حيث عفوا وأتجها إلى ربهما بالدعوة الى الغفران لمن يعفيا عنهم ويتسامحا معهم وصفحاً حتى عن الذين أساؤا إليهما (...) أيها الأخوة وبعد ان تعفوا وتصفحوا عن مرتكبي الأخطاء الجسيمة والجرائم في ظروف الطوارئ والغزو والأحتلال أعملوا على تطبيق القانون بعدل وحزم ولا تأخذكم في الحق لومة لائم ابتداءً بالأقربين وحتى الأبعدين لينعم شعبكم بنعمة الأستقرار والأمن وتزدهي وتزدهر فيه الثقافة والعلم والقانون والأقتصاد والحياة الأجتماعيّة السعيدة والألفة والمحبّة والأمن والسلام".
الآن،
أبهذه اللغة كان يحكم الحجاج؟
هل قال صدام للعراقيين يوما "انا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني"؟ أم قالها أتباع الاحتلال وخدم الصهيونية والانذال؟
وهل هناك حاجةٌ الى ان نعرف لماذا خسر الغزاة وأعوانهم حربهم في العراق؟
ببساطة، لانهم جاءوا ليحكموا العراق بالأحقاد وبثقافة القتل والدمار الشامل والعقاب الجماعي، ومن أجل ان يستسقوا شهوات الانتقام.
وببساطة، لان مشاريعهم كانت مشاريع هدم لا إعادة بناء، وقهر لا ديمقراطية، وإذلال لا حفظ كرامة، واغتصاب لا صون شرف، ونهب لا عطاء، وفرقة لا إتحاد، وطائفية لا وطنية، وخصام لا مصالحة، وأخيرا: "فرق موت" لا حقن دماء.
من بول بريمر الى الطالباني، تولى منصة الحكم في العراق كثيرون، ولكن ما من أحد فيهم كان ذا نصفٍ سماوي. وما من أحدٍ، اذا قال، كان بحجم ما يقول، رجلٌ كما يجب ان يكون الرجال: نصفه بشر ونصفه إله. نصفه أنكيدو ونصفه جلجامش. نصفه معاوية بن ابي سفيان ونصفه علي بن ابي طالب. نصفه حاكم ونصفه روائي وشاعر.
اذا كان يريضكم (أعداؤه): خذوا نصفكم لتقتلوه غدرا وغيلة، وإبقوا لنا الآخر حياً.
ونعرف انه لا أحد سيحتاج نصفنا السماوي كما ستحتاجونه انتم.
***
لا شك ان المؤامرة ضد العراق كانت كبيرة وطويلة الأمد ومتعددة الأبعاد، وظالمة الى حد لا يستطيع معه المرء حتى ان يتخيل مدى وحشية القائمين عليها، وجرأتهم على ارتكاب الجريمة.
العراق، لا نظام صدام وحده، كان هو الهدف. وقد تحقق لهم ما أرادوا من خراب وتمزق ودمار، بمعونة حثالاتٍ وسقط متاعٍ وصغار.
تدمير العراق ونهبه وسحق شعبه وقتل علمائه، هو ما أرادوا، حتى صار ما كان "سويسرا العرب"، في ظل صدام، مجرد "حقول قتل" كمبودية تحت "سنابك" الاحتلال وتابعيه.
فهل كان نظام صدام نظاما لا عيب فيه؟
في الجوهري والأساسي، كانت الرفعة الوطنية هي المقياس. ولئن اقتضت هذه بعضَ خسارةٍ في المألوف من الحريات، فلقد كان من المفيد والواقعي ان يتساءل المرء ما اذا كانت، بالفعل، خسارة عظيمة حيال أحزاب وتيارات لم تعرف كيف توظف دورها في السياق التاريخي الذي كان يندفع فيه العراق.
والحال، فلو لم تكن هناك أخطاء، ولو لم يكن هناك رجال أخطاء، في ظل عراق-صدام، لما كنا وصلنا الى هذه الحال.
والشجعان لا يخشون الاعتراف. ولانهم أكبر من صغائرها، فانهم يعلون عليها ولا تعلو عليهم. ومثلما هم يمنحون المغفرة، فلعلهم يحتاجون لها أيضا.
ولكن ثمة مخلصين وبواسل أيضا يستحق المرء ان ينحني إجلالا لبطولاتهم وتضحياتهم ونكرانهم للذات في مواجهة الغزاة وعملائهم. وهؤلاء هم اليوم عماد المقاومة وعصبها وقلبها النابض.
ما من سلطة الا ويحيط بها صغار وضعاف وذوو مواهب محدودة فيعوضون نقصهم بالكثير من الزيف والتطرف في الولاء. وغالبا ما تكون هذه وصفة، تلقائية تقريبا، لارتكاب الخطايا، ولاضعاف النظام، من حيثما يعتقد أصحاب سوء الفهم والجهل انهم ربما يقوّوه.
ولكن، كم ما يزال من الأولى ان ينظر الى الرئيس صدام بحصانته، كأي رئيس لخلق الله، فلا يؤخذ بكل ما يفعله رجال الخطايا والأخطاء.
فهل لم يرتكب رجال الرئيس جورج بوش من الجرائم والأخطاء، في العراق وغير العراق، ما يكفي لجرهم الى محكمة لاهاي. فكيف جاز ان يظل محصنا؟
ببساطة، لان بوش لم يأمر شخصياً بارتكاب كل شيء، وذلك حتى وان ظل من حق العراقيين ان يلاحقوه على دمائهم التي هدرت وفقا لأكاذيب معلنة وموثّقة في مجلس الأمن.
الخضم الذي كان ينخرط فيه العراق لم يكن بحرا هادئا مستقرا على أي حال. وكأي معترك تغيير اجتماعي وسياسي واستراتيجي كالذي كان ينخرط فيه العراق، فقد كان من الطبيعي ان تقع أخطاء.
بعض "أهل الثقة" لم يكونوا بالضرورة أكثر أمنا للنظام من "أهل الخبرة". التجربة نفسها دلت على ان هذا البعض كان أهل غدر في الواقع، فيما الكبار من "أهل الخبرة" أظهروا تماسكا أكبر، وقدرة أكبر على تحمل الشدائد. وهم لئن ظلوا كبارا، فلأنهم، في الأصل، كبار؛ تُسعدهم كفاءة الغير ولا يجدون فيها نقصا لهم بل زيادة؛ طولاً لا قُصرا، وسعةً لا ضيقاً.
فاذا كان تقليب البدائل والخيارات جزءا من معترك التماسك والإنجاز لأي نظام، فان أهل الخبرة الأحرار هم وحدهم الذين يمكنهم تقليب البدائل والخيارات.
بطريقة ما، صار من اللازم للرشاد السياسي العراقي ان يضع حلا لمعضلة التهديد والأطماع في العلاقة مع الخارج.
الكثير من الاستقلال العراقي ما يزال معلقا بالمخاوف من هذا الخارج. ولربما آن الأوان لقتل هذا الوحش، بجعل الداخل أكثر تحصينا، وأقل قابلية لأن يكون سلعة في سوق الضغوط وأعمال التهديد والابتزاز.
ما العمل بمشروع القوة؟
هذا واحد من الأسئلة الجوهرية التي ستواجه جمهورية ما بعد الاحتلال.
هل يمكن، في مواجهة التحديات الاقليمية، وبخاصة الصهيونية الإسرائيلية والصهيونية الفارسية، التعويل على "ضعف" يكون بمثابة "قوة"؟ فاذا كان الجواب لا، فهل من سبيلٍ مؤسسي ودستوري لتحييد الآثار الاجتماعية والسياسية الداخلية لهذه القوة؟ او في الاقل، جعلها امتداداً خارجياً لقوة الداخل، بدلا من كونها "تهديدا" مشتركا للداخل والخارج معا؟
ثم، أي قوة؟
هل يكون الاقتصاد رافعة للقوة العسكرية ومنتجها؟ أم تكون القوة العسكرية هي المستهلك الأكبر لقوة الاقتصاد؟
وماذا سيكون الحال في العلاقة مع "الآخر" السياسي والاجتماعي الداخلي؟ هل نلغيه، لـ"نتوحد" على سبيل الصهر والقسر، ام نحميه ونصغي له ونجد فيه تتمة وامتدادا وطنيا فنتوحد على سبيل التكامل الوظيفي والتعددية داخل مؤسسة النظام؟
وأي نظام؟
ما هي طبيعته المؤسسية؟ محتواه؟ هويته؟ نظام القيم فيه؟
عاصفة الخراب والغدر التي عصفت بالعراق هي التي تبرر طرح الأسئلة من أولها ومن أكثرها بداهة.
وللإجابة عليها، فان العراق في أشد الحاجة ليس الى صدام وحده بل والى الكثير من الوطنيين الأحرار الذين يجمعون بين الإرادة الصلبة وأخلاقيات الحق والعدل والتسامح والعفو ونبذ الظلم. كما ان العراق في حاجة الى جميع المتعالين على الصغائر، والى جميع ذوي القيم التي يراها العراقيون كلما نظروا الى وجوههم في المرآة.
ولكن لا شيء قبل ان يعود الحق الى نصابه، والرئيس صدام الى موقعه، والسيادة الحقة الى العراقيين. فنبدأ، عبر مؤتمر وطني جامع شامل، لوضع رؤية لما يجب ان يكون عليه العراق؛ مؤتمر لا يسقط في التفاصيل، ولا (خصوصا) بالتقاسم السوقي الرخيص للحصص، بل يحدد القيم والمعايير والاعتبارات الجوهرية للهوية الوطنية.
من هنا تكون البدايةُ صحيحةً مؤسسياً. ومن هنا يكون الدستور معيارَ رؤى جامعةٍ وقيمٍ شاملة وفلسفة هوية وأخلاق.
***
فما الذي سنفعله بهذا العراق؟
أولا، انه عراق الجميع، على قدم الإخوة والمساواة. لا طائفية ولا تمايزات. "العراقوية" (اذا صحت الكلمة) فوق عروبة العربي وكردية الكردي، وفوق شيعية الشيعي وسنية السني ومسيحية المسيحي وصابئية الصابئي ويهودية اليهودي. العراق هو الأصل. هو الهوية وهو المعيار. انه الحل الأخير والنهائي الذي يجمع هذه الفسيفساء التي شكلت، على مر العصور، وجهه ونكهته وجمال بيئته الاجتماعية، التي، بتنوعها، صار العراقيون ما هم عليه.
وثانيا، نريد دولة قانون. تبدأ بعفو شامل ومطلق، "لا رجعة فيه لوجه الله". ثم تكون هناك مؤسسة قضاء مستقلة، وفقا لأرقى المعايير والقواعد الانسانية. فدولة القانون الأول في التاريخ، أولى بها ان تعود لتكون الأكثر تحضرا، ونظامها القضائي هو الأكثر سموا ونزاهة ورفعة.
ونريد مؤسسة نظام مُفصّلة الوظائف، تضم برلمانا من غرفتين منتخبتين، واحدة لنواب الشعب، وأخرى لخيرة علمائه وخبرائه وشيوخه. وتضم مؤسسة رئاسة محصنة وذات صلاحيات واسعة ومشروطة في آن. وما أنفع ان يكون هناك مجلس مستشارين من أهل الخبرة، محصنين، يقدمون النصيحة للرئيس، بصمت تام وسرية مطلقة، ليكونوا احرارا في التعبير عما يجول في ضمائرهم.
ونريد مؤسسة نظام تضم أحزابا ومنظمات وجمعيات يعرف كل منها حقوقه دوره ومكانته وقواعد عمله.
ونريد مجتمع حرية ومساواة. يحترم المرأة ويجل حقوقها المدنية وخياراتها الاجتماعية. لانها أم وأخت. ونريد مجتمعا يحمي الأطفال ويوفر لهم أفضل ما يمكن من أنظمة الرعاية والخدمات، لانهم المستقبل. ونريد مجتمعا يحفظ لقيم الخير والتراحم والتسامح مكانتها، فلا يتمايز او يطغى أحد على أحد. والكل سواء أمام القانون.
ونريد مؤسسة إعلام وطنية وحرة، تحصّن الرئيس، لانه وجه الجميع، ولكنها، فيما عداه، تقول ما تقول بلا خوف ولا لوم. ونريد نقدا بلا تجريح، نصيحةً بلا تقريع، رأياً بلا غطرسة، إعتراضاً ونقضاً بلا تخوين.
ونريد مؤسسة تعليم تعيد للعلم مكانته وتعيد إرساء الأساس للنهضة التكنولوجية التي بدأها نظام الرئيس صدام.
ونريد حكما ذاتيا للأكراد يشعرون من خلاله انهم عراقيون أكثر. ويتمتعون فيه بكل الحقوق التي تتمتع بها اسكتلندا في نطاق المملكة المتحدة، وبكل الحقوق التي تتمتع بها كاليفورنيا في نطاق الولايات المتحدة، من دون ان تكسر عمود هذا البلد ووحدته.
فهل المطلوب أكثر، لينجو هذا البلد من صهاينة جدد؟
ونريد بلدا لا مكان فيه للطائفيين ولا للعملاء ولا للمأجورين ولا للأنذال ضد وطنهم.
ونريد إقتصاداً يزدهر بحرية أبنائه وقدرتهم على الخلق والابداع والتجديد، وتعود عوائده اليهم بالتساوي كأفراد أحرار ومستقلين.
وهذا بلد يحتاج الى الجميع.
كل قطرة دم تذهب هدرا، انما تذهب من قدرته على البقاء، من مستقبله ومن صورته في أعين أبنائه.
ونريد انكيدو كما نريد جلجامش. الاسطورة لا تكون بنصف دون آخر. انها صراعنا الخاص في "أوروك"، أصل هذا العراق العظيم.
والأسطورة، هي ملحمة صراع بين الحياة والموت، الفناء والخلود. وتقول الملحمة ان بطلها جلجامش كان كامل الجمال والقوة؛ وهو بطل أوروك، وكان سلاحه فتاكا لا يصده أحد، وكان يغري من النساء مَنْ يشاء، ولكنه كان السور والحامي لمدينة أوروك، وكان هو الذي سخّر أبناءها لبنائها على قرع الطبول. وكان يثير الرهبة لدى أهالي أوروك الذين عندما شكوا حالهم إلى الآلهة، قررت تصريف طاقات جلجامش الفائضة، فخلقت الآلهة له مَنْ يماثله ويناهضه، وهو أنكيدو الرجل المتوحش الذي تربي بين حيوانات البرية، والذي عثرت عليه أمرأة أغرته بمفاتنها لتأتي به الى أوروك بأمر من الآلهة عشتار.
وكانت الآلهة خلقت أنكيدو من قبضة من طين (الآلهة أرورو) ورمته في البرية وكان من نسل "ننورتا" إله الحرب والصيد. ولكن مجيئه إلى أوروك ولقاءه مع جلجامش كان بمثابة أول نقلة حضارية للإنسان في أرض الرافدين من حياة البداوة إلى حياة المدن والاستقرار، فتم ترويض أنكيدو هناك.
في البدء، كان اللقاء بين جلجامش وأنكيدو جسدياً، إذ تصارعا وخارا خوار ثورين وحشيين، ولكن بعد برهة قصيرة، وجد جلجامش في أنكيدو ما يتمم به شخصيته فتحول الصراع الجسدي بينهما إلى صداقة ومودة صارت مصدرا وأساسا لقيم وأهداف سامية لأوروك.
فأي من هذين النصفين نحاكم؟ وهل يمكن الفصل بينهما أصلا؟ علي الصراف alialsarraf@hotmail.com