ميزان الحق (2): دولة قوية أم ضعيفة أم ديمقراطية؟

بقلم: علي الصراف

على امتداد سبعة آلاف عام من تاريخه، (أي منذ مطلع التاريخ نفسه) كان العراق موضعَ أطماعٍ ومصدرَ تهديدات.
نشأت الحضارة السومرية، وهي أولى حضارات الكون، من مزيج ثروة وأدب وقوة. الثروة نجمت، في البدء، من طريقة ثورية في زراعة الأرز، والثراء كان مصدرا لانتاج أدب (شعري غالبا) قاد في النهاية الى اكتشاف الخالق، ونشوء أولى مظاهر وطقوس العبادة، وتالياً الكثير من العلوم والمعارف، التي قدمت للبشرية أول عجلة، وأول أبجدية، وأول ملحمة شعرية، وأول ديانة، وأول حساب أرقام، وأول قانون، وأول نظام (للتراتب السياسي والاجتماعي)، و.... أول دولة.
ومثلما يُورث كلُّ ثراءٍ أطماعاً، فكلُ دولةٍ تُورث تهديدات.
ومع نشأة الدولة في هذه البقعة من الأرض، نشأت دول-حضارات منافسة.
لست أزمع أن أعرض درساً في التاريخ، ولكن قلّبوا صفحاته، وستجدون ان العراق، التاريخي والحديث في آن معاً، ظل محاطاً بدول-حضارات تهدده بمقدار ما كان يهددها، وتسعى للتمدد اليه بمقدار ما كان يسعى للتمدد إليها. وكان أمام العراق أحد خيارين لا ثالث لهما: إما ان يكون دولةً قويةً، أو لا يكون، فيتمزق ويصبح نهباً تتنازعه دول الجوار القوية.
هذا تاريخ. وسوى الأغبياء والحمقى، فان أحداً لا يستسهل اللعب مع التاريخ. المسألة هنا، ليست مسألة وجهات نظر، ولا نظريات، ولا سياسة، ولا استراتيجيات. إنها مسألة كينونة. مسألة وجود حضاري. مسألة مزيج من هوية ومرجعيات وجغرافية.
باختصار: انها تاريخ، والتاريخ لا يؤخذ بحماقة ولا يُنظر اليه باستخفاف، ولا يمكن تغييره بدبابة.
مثلما كانت "أرض السواد" دولةً للخلافة، وبغداد عاصمتها، فان ضعف وتداعي وسقوط هذه الدولة جعل هذا البلد نهباً لامبراطوريات الشرق الفارسية، والمغولية، قبل ان تسقط بأيدي الامبرطورية العثمانية.
لقد أمضى العراق نحو ألف عام من تاريخه تحت هذه الهيمنة. وما كان مركزاً للعلوم والثقافة، بإبداع وعبقرية أبنائه، صار مركزاً للفقر والتخلف. فمن دون دولة قوية، العراقيون لا يبدعون ولا ينتجون لأنفسهم شيئا.
وهذا ليس خيارا.
ومن دون دولة قوية، فان الظلال التي لن يستطيع العراقيون ان يستظلوا بغيرها، هي ظلال تلك الأعوام الألف نفسها، حيث ينهب الأقوياء في الجوار الثروة ليمنعوا أبناء هذا البلد من ان يشكلوا دولة تمثل تهديدا.
وهذا ليس خيارا أيضا.
ومن دون دولة قوية، لن يكون هناك بلد، بل خِرقٌ ممزقة يطفو على سطحها مجرمون وأدعياء ومنافقون وسفلة يتمردون على الكيان ويدمرون زقّورة النظام وينهبون الهيكل.
وهذا ليس خيارا، أيضا وأيضا، ولكن هذا هو ما يحصل.
يقول المستعمرون الجدد، لكي يبرروا تمزيق العراق، ولكي يوفروا أساسا "مقبولا" لنهبه، ان العراق "دولة حديثة" نشأت فقط عام 1921. وبما انه كذلك، فان وجوده من عدمه ليس قضية. وبالتالي، فلا تاريخ لهذا البلد، ولا كينونة اجتماعية-سياسية سابقة، ولا إرث، ولا حضارات. فإن وجدت، فليس لها أحد. ولتكون هي نفسها نهباً لكل مَنْ نهب. ولعل نهب وتدمير المتحف الوطني العراقي، جاء ليؤكد هذا المعنى بالذات، فـ"أشياء كهذه تحدث" (على حد تعبير دونالد رامسفيلد) بالنسبة لأمة يُنظر اليها في واشنطن ولندن على انها أمة "هنود حمر" لا تستحق ان يكون لها إرث، أو ما يدل على إرث، بعظمة إرث العراقيين وعبقريتهم التاريخية.
ولكن العراقيين ما يزالون كما هم. السومريون فيهم ما يزالون أحياء ويرزقون، (عرقيا وثقافيا) والبابليون والأكديون والآشوريون أيضا، وما من ديانة إخترعوها أو آمنوا بها على امتداد تلك الآلاف من السنوات إلا وما زالت حية. وليس عبثاً انهم ما يزالون يستعملون الى يومنا هذا، الكلمات السومرية والبابلية والآشورية والأكدية ذاتها، في لهجاتهم المحلية، (مثل: "شكو"- ماذا، و"أكو"- يوجد، و"ماكو"-لا يوجد، و"تمّن"- أرز، و"مسكوف"- وهو طريقة في شوي السمك، و"صريفة"-كوخ القصب، و"حُرمة"-من "حرماتو" الأكدية، وتعني المرأة، وقديما "بغي المعبد"....الخ)، وكأنهم ما يزالون يرابطون في التاريخ، لا مرابطةَ هويةٍ ومعنى فحسب، بل مرابطةَ وجودٍ وكينونةٍ أيضا.
والعراقيون دولة. تاريخ حضاراتهم، انما هو تاريخ دولة، وهو تاريخُ كيانٍ سياسي-اجتماعي عظيم القوة. يوجدون بوجوده، ويتمزقون ويتخلفون ويتحولون الى رماد من دونه.
ودولة، بمعنى دولة واحدة. واحدة فقط. لا إثنين ولا ثلاثة. تذهب السومرية، فتأتي البابلية، وتذهب البابلية فتأتي الآشورية والأكدية. وهكذا. يهيمن من يهيمن من العراقيين على بعضهم، ولكن يظل عراقهم واحداً موحداً.
***
اذا كان هذا هو التاريخ، فهل من أحمق يستطيع ان يقترح تاريخاً آخر من دون ان يُعرّض نفسه لسيارة مفخخة؟
هل التاريخ لعبة؟
وهل يمكن لغزو أجنبي، هو نفسه جزء من المعضلة، ان يحوّل مجراه بالقهر والقصف وأعمال الإبادة؟
وبطبيعة الحال، فما من "دولة قوية"، الا وكانت دولة ظلم، أو بعض ظلم، أيضا.
الظلمُ جزءٌ من طبيعة أي دولة، شرقاً وغرباً، شمالا وجنوبا، ماضياً وحاضراً على حد سواء.
وحسب مرجعياتنا، فهي دولةُ ظلمٍ أيضاً حتى ولو كان على رأسها الخليفة عثمان بن عفان، وحتى ولو كان على رأسها علي بن أبي طالب. فلئن رضي الله عنهما، الا ان بعض البشر لم يرضوا، فقتلوهما لشعورهم العميق بالظلم.
وأحد "معضلات" العراقيين التاريخية (والطبيعية)، هي انه اذا كانت دولتهم القوية شرطاً ضرورياً لوجودهم ولرخائهم، فانها بقوتها، تظلمهم أيضاً، او في الأقل، تظلم جزءاً منهم.
ولا مفر من هذه المفارقة. ولم يكن من السهل على أي أحد، أو أي فكرة، ان تعثر على مخرج منها. فالصراع مع/او الخوف من تدخلات دول الجوار ظل قوياً ومتواترا، على امتداد التاريخ كله تقريبا الى درجة انه لم يكن بوسع العراقيين ولا دولتهم ان تضع فاصلا بين قوتها كأداة ردع (ضد الخارج)، وبين قوتها كأداة قمع (ضد بعض الداخل).
وحيثما كان "بعض الداخل" يغمز للبقية من قناة التواطؤ مع الخارج، فقد كان من الطبيعي لكيان يشعر ان وجوده مهدد، ان يقمع ويقسو ويتشدد.
ولم يكن هذا إلا قدراً. وهو قدر لا يمكن اللعب به، معه او ضده، باستخفاف. لانه، ببساطة جزء من تلك الكينونة. جزء من التكوين الاجتماعي والسياسي الذي صنع وجود العراقيين كما صنع محنهم أيضا.
وقد يكون هناك مليون سبب يدفع الى اجراء اصلاحات في طبيعة هذا التكوين، الا ان هذه الاصلاحات، لا يقال لها "كن" فتكون، أولاً، ولا يمكن إجراؤها، ثانياً، من دون النظر بعيون يقظة الى ما يمكن ان تفعله دول الجوار القوية. لانها اذا بدت ضعفاً، سمحت لهذه الدول ان تتمدد، واذا بدت تهديدا، حرّضت هذه الدول على التدخل.
انه قدرٌ ظالمٌ، حقاً. ولكنه قدرٌ صنعه التاريخ وصنعته الجغرافيا، ولم يصنعه صدام حسين.
جاء هذا الرجل الى السلطة لا ليقود بلداً كغيره من البلدان، بل ليبني بلداً وسط غابة وحوش. فلم يكن من الحكمة، وما يزال من غير الحكمة، ان يجعل منه أي أحد "حملاً وديعاً".
والعراق جزءٌ من أمةٍ عربيةٍ وجدت نفسها مطحونة في صراع مع كيان صهيوني لم يكتف باغتصاب فلسطين، ولكنه ظل يتمدد ويتمدد مدفوعاً بأطماع أسطورية خرافية لاقامة إمبراطورية تمتد من الفرات الى النيل. وسواء بدت هذه الاسطورة وهماً أم لا، فان الطبيعة العدوانية لهذا الكيان لا تدل على شيء أكثر مما تدل على نزعات هيمنة، استراتيجية واقتصادية، فوق جغرافية، تهدد الجميع في كل وجه من وجوه حياتهم ووجودهم ومصيرهم.
اليوم يستطيع الكثيرون ان يجادلوا في مدى الحاجة لذلك الارتباط العضوي بين العراق والقضية الفلسطينية. ولكن:
1. لم يكن العراق وحده مرتبطا بالقضية الفلسطينية.
2. صدام لم يصنع هذا الارتباط، بل ورثه.
3. القضية الفلسطينية لم تكن بالنسبة للعرب والمسلمين "قضية انسانية" تتعلق بآلام شعب وجد نفسه مشرداً. ولكنها كانت وما تزال قضية "حق في الوجود". الاسرائيليون لم يبنوا دولتهم على انقاض كيان جغرافي-سياسي لشعب، فحسب، بل وأيضا على أنقاض حق هذا الشعب في الوجود أصلا. فلسطين، في الفكرة الصهيونية التي شكلت حجر الزاوية لكل سياسات اسرائيل وحلفائها، ليست سوى "أرض من دون شعب، لشعب من دون أرض".
واذا كانت هذه الفكرة هي التي تحدد كل ما تفعله اسرائيل حيال الفلسطينيين وحيال كل دول الجوار، فالعنصر الجوهري فيها هو ان اسرائيل لن تكسب "حقها" في الوجود الا بمقدار ما ينسحق الآخرون، وان قوتها قائمةٌ على ضعفهم، وازدهارها منوطٌ بتخلفهم، وغناها مشروط بفقرهم، وتقدمها رهنٌ بانحطاطهم.
وما لم تكن هذه الفكرة (بكل دلالاتها العملية) مشروعاً للدمار الشامل ضد كل دولة في المنطقة، فلا أدري كيف يكون الدمار الشامل.
لو كان العراق مثل لبنان، لكان من الجائز القول "ان قوته تكمن في ضعفه".
ولكن العراق، في تاريخه، وفي جغرافيته، وفي تكوينه الاجتماعي-السياسي ليس لبنان. فقوته، وقوة دولته، شرطٌ من شروط وجوده.
حيال تهديد عضوي كالتهديد الصهيوني، هل كان يمكن للعراق، ان يغض البصر؟ هل كان يمكن لسياسة غض البصر ان تستقيم مع منطق التاريخ؟ هل كان من الجائز، لأي أحد يتولى قيادة هذا البلد، ان يحوله الى حملٍ وديع، ويضمن في الوقت نفسه ألا يتحول العراق الى خِرق ممزقة؟
ولئن لم تكن للعراق "جبهة" مع اسرائيل، فجبهة "الارتباط" العضوي بمشروع السحق والمحق الاستراتيجي الصهيوني كانت وما تزال "جبهة" مواجهة عسكرية كغيرها من الجبهات. فاسرائيل لا تريد من حولها دولاً تبدو قوية، ولا دولاً تقول لها "لا"، ولا دولاً تعارض مشاريعها للهيمنة الاقتصادية، ولا قادة ذوي إرادة حرة، بل عبيدا ومأجورين وخرفاناً.
وهناك ايران أيضا. الأحلام الساسانية والصفوية ما تزال حية وقوية. وهي لئن ارتدت هذه الأحلام مليون ثوب، بما فيها اللطم على الحسين، والزعم بالولاء لآل البيت، فان للأمة الفارسية (كأي أمة أخرى) مشروعها القومي الخاص. وهذا المشروع لم يفتأ ينظر الى العراق كغنيمة وحصة.
ولا شيء يبرر نسيان أحلام الامبراطورية العثمانية، على الأقل، في السعي لـ"استرداد ولاية الموصل" التي ألحقت، بـ"العراق الحديث"، كما يُزعم بـ"صفقة" بيع وشراء بين "تركيا الحديثة" وبين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.
قوة العراق، وقوة دولته، كانت وما تزال، شرطاً ضرورياً لردع هذا التهديد وذاك وذلك.
ولقد أراد هذا الرجل لا أن يبني بلدا، فحسب، ولكن ان يواجه سلسلة تحديات خارجية أيضا، لم تكن لتسمح لأي أحد ان يعيش هانئ البال مسترخياً.
ولا كان من الممكن ان تكون قبضته ضعيفة.
الخطرُ كان واضحاً. فقد كان من السهل للبلد ان يتمزق وان يُصبح نهباً لكل مَنْ نهب، اذا ظهر لدول الجوار ولاسرائيل ان هذا "الدكتاتور" لم يعد قادراً، بإشارة من إصبعه، على ان يحرك جيشاً او يوقف تهديداً، أو يشغّل عبقريةً علمية، أو يلهب حماس وحمية وضمائر الملايين من أبناء شعبه.
وبغيابه عن السلطة، فهل هناك شيء، اليوم، أوضح من الخراب والتداعي الذي كان يخشى هو منه؟
في السنوات الأربع الأولى من مجيئه الى السلطة، كان هذا الرجل، برفقة مناضلين وطنيين آخرين، قادرا على أن يطلق سراح السجناء السياسيين، ويؤسس لبناء جبهة وطنية، ويشرع في ارساء الأسس لاقامة أول حكم ذاتي للأكراد في التاريخ، ويؤمم النفط، ويشرع في برنامج للاصلاح الزراعي، ويجعل التعليم مجانيا، ويبدأ برنامجا لمحو الأمية....
وإذ وضعوه في السجن، فماذا فعل أعداؤه في سنواتهم الأربع الراهنة أكثر من: نهب المليارات، واقامة مليشيات، وانشاء "فرق موت"، وتدمير مدن، والدعوة لتقسيم العراق، والفشل في توفير أدنى الخدمات، والمساهمة، الى جانب قوات الاحتلال، في مستنقع سفك دماء حصد أرواح أكثر من نصف مليون مواطن.
ويمكن سرد المبرر ونقيضه، ولكن الشريف يجب ان "يضع الله بين عيونه" ليرى على أي كفّةٍ من كفتي الميزان يقف.
أترانا نثير مخاوفَ لا وجود لها، أم أننا نصفُ واقعاً قائماً.
وقد تكون هذه المفارقة معضلة استراتيجية تتطلب حلاً، ولكن دبابات الغزو، وتدخلات الجوار، كما هو واضح، ليست حلاً. انها الشيء الذي أراد صدام ان يواجهه، فوقع ضحيته، كما يقع أي مناضل، في معترك المواجهة.
بعض الحلول كان يقترح إقامة "دولة ديمقراطية" بدلا من "الدولة القوية" أو "الضعيفة".
ولكن الديمقراطية "نظام تشغيل" للادارة العامة وللعلاقات بين الدولة والمجتمع. انها بهذا المعنى ليست سوى "سوفت وير" سياسي. وما لم يكن هذا الـ"سوفت وير" ملائماً ومتطابقاً مع الـ"هارد وير" نفسه (المجتمع، ثقافته، مرجعياته، طبيعة مؤسساته)، فانه لن يعمل، وسيؤدي الى تخريب "الجهاز" كله.
السؤال الذي ما يزال من الضروري مواجهته هو: هل يمكن بناء ديمقراطية من دون "بنية تحتية" (اجتماعية وإقتصادية ومؤسساتية)؟ هل يمكن لهذه البنية ان تنهض من دون قيم عدالة ومساواة وتسامح وقانون وأخلاقيات مشاركة وطنية في الأقل؟
والحال، فان الغرب يريد ان يبيع علينا "ديمقراطيته"، لانه يفهم نظامها ويعرف كيف يقوم بتشغيله لحسابه، وليس حبا فينا بالضرورة. وعندما يكون العملاء هم الذين يحملون راية هذا "السوفت وير" لتشغيله بالقوة، فان النتيجة يجب ان تكون متوقعة سلفا.
ثم، منذ متى كانت الدول الاستعمارية (القديمة والجديدة) "جمعيات خيرية" لنشر الديمقراطية؟ أليس من الواضح انها، من منطق الاستعلاء والتفوق العنصري، تريد ان تستبدل البُنيات الاجتماعية والثقافية لكي تلائم مصالحها التجارية بالدرجة الأولى، فنتحول بفضلها الى أسواق ومستهلكين؟ ألا تراها تريد لنا ان نُسبّح بحمد تكنولوجياتها التي لا يُسمح لنا بانتاجها أو التفوق في غيرها؟ أليس من الواضح انها تريد لنا ان نظل ضعفاء وفقراء وتابعين لتظل إسرائيلها مزدهرة وتمارس كل ما تشاء من أعمالها العدوانية بحرية؟
***
"البيئة الاجتماعية" العراقية، وليست التحديات والتهديدات الخارجية فقط، تتطلب هي نفسها وجود"دولة قوية". انها بالنسبة للعراقيين السبيل الأهم ليس لضبط الايقاع السياسي والاقتصادي فحسب، ولكنها، كما كانت على الدوام، الدافع والمحرك الرئيسي للابداع ولتوظيف العبقريات العلمية والثقافية أيضا. ومن دون هذا المحرك لا شيء ينهار بمقدار ما ينهار النظام الاجتماعي نفسه.
وكثيرا ما كنا نسخر من القول "ان العراق لا يحكم إلا بصدام. فيذهب واحد ويجيء صدام أكثر منه".
ولكن مرارة الواقع الراهن، اذا كان من شأنها ان تعلمنا شيئاً، فهو ان صدام "ظاهرة عراقية". ظاهرة ذات معنى تاريخي. ظاهرة على صلة مباشرة بثراء السومريين وقوة دولتهم، بمقدار ما هي على صلة، مباشرة أيضا، بكل المخاطر والتهديدات والتحديات المصيرية التي ورثها صدام في السلطة (1968-2003).
لقد أراد هذا الرجل ان يبني بلداً. وهو فعل الكثير، في الواقع، حتى تحول بين يديه الى قوة إقليمية ذات تطلعات جبارة، كان من شأنها، لو مضت في طريقها، ان تغير بالفعل مجرى التاريخ في المنطقة برمتها.
فأثار خوف إسرائيل، ووكلائها، وحلفائها، وعملائها كلهم دفعة واحدة.
وكان من الضروري بالنسبة لكل هؤلاء ان يدفع هذا الرجل الثمن، حتى ولو على حساب بقاء العراق كدولة، وحتى ولو على حساب حياة مئات الآلاف، بل الملايين من البشر، وحتى ولو على حساب تحويل البلد الى مستنقع لسفك الدماء.
ومثلما كان عثمان وعلي "ظالمين"، فرضي عنهما الله ولم يرض عنهما بعض البشر، وحيال مشروع-منعطف بحجم المشروع الاستراتيجي الذي كان يبنيه صدام، فقد كان من الطبيعي ان يبدو، بالنسبة للبعض (ولي أنا أيضا)، قاسياً وعنيفاً وظالماً.
ولكن يجدر السؤال، ولو بالقليل من يقظة الضمير: هل يمكن محاكمة صدام من دون محاكمة تاريخ الحضارات الذي انجبه؟ هل تمكن إدانته من دون إدانة هذا التاريخ نفسه (وبالتالي تبرير تدمير شواهده ونهبها)؟ وهل يمكن محاكمته من دون ان تتحول جغرافيا العراق وخارطته الى موضع شك؟ وهل تمكن إدانته من دون إدانة مشروع القوة-المنعطف الذي أراد به للعراق ان يكون قوة إقليمية لا تضارعها قوة؟
لا شيء يمنع أي أحد ان يكون سخيفاً وسطحياً وهمجياً وجاهلاً ما شاء له الهوى، ولكن عندما يتعلق الأمر باللعب مع التاريخ والجغرافيا، أفليس من الحكمة ان يكون المرء حذراً؟ أفليس من الحكمة، لكل ذي شرفٍ وغيرة، ان يحسب حساب التكاليف من البشر؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذا النص هو الجزء الثاني من مقدمة كتاب سوف يدفع قريبا الى النشر. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com