ميرفت العزوني تحبو على الظلال

بقلم: أحمد فضل شبلول
عيد اليتيم، منكسرَ الروح في عالم الرواية الكابوسي

"حبو الظلال" الرواية الأولى للكاتبة المبدعة ميرفت علي العزوني، وهي رواية قصيرة (نوفلا) لا يتجاوز عدد صفحاتها مائة صفحة. ولكنها تغوص في قاع الريف المصري ما بين عزبة شرف أو عزبة مندور، وقرية المواردي، وتفضح بعض ممارسات هذا القاع اليومية، من خلال شخصيات عدة أبرزها عيد الذي شاهد، وهو طفل يحبو، أمه وهي تُغتصب على يد أربعة رجال لعب الحشيش برؤوسهم، فجعل منهم قياصرة وملوكا تدين لهم الأرض، يقتلون الرجال ويستحيون النساء، ويستعرضون فحولتهم، ويلتهمون جسد أمه المنهك، أمام أبيه الذي قيدوه وانهالوا عليه ضربا، بينما يمارس أحدهم عملية اغتصابها.
ماتت الأم، وقُتل الأب لطمس معالم الجريمة، وترك المجرمون الطفل لأنه (لسه عيل). وهكذا ينشأ عيد يتيم الأب والأم، منكسرَ الروح، في عالم الرواية الكابوسي الذي يُنذر منذ بدايته بانعدام القيم الأخلاقية التي يحملها المجتمع المعاصر.
نشأة الطفل عيد على هذا النحو، تذكرنا بنشأة الطفل هاري بوتر للكاتبة الإنجليزية جي كي رولينج، الذي قتل السحرة أباه وأمه، ولم يستطيعوا قتل الطفل هاري الذي سينتقم بعد ذلك من قاتلي أبيه وأمه عن طريق السحر أيضا.
الفارق أن عيدًا لم يكن ساحرا، ولم يتعلم فنون السحر، ولم يسع للانتقام من قاتلي أبويه، وإن كان البعض يعتقدون أنه مخاوي جنية النهر التي تحبه وتحرسه (جنية يتساقط عسلها كالجميز بعد تختينه، وساقاها قمعا سكر) وهي اللازمة التي تكررت في الرواية غير مرة.
لقد أصابته لوثة ما، نتيجة ما شاهده من عنف وقتل واغتصاب، ونتيجة الكوابيس التي انتابته، وكانت تصرفاته في بعض الأحيان غير طبيعية أو غير مسئولة، كحديثه مع الجاموسة، واحتضانه لشجرة الجميز (واد يا عيد يخيبك .. انت بتحضن الشجرة)، وقعدته بجوار النهر، الذي يُطلق عليه البحر في بعض الأحيان (مبين حاله للنسوان، والبنات اللي بتملى وتغسل) وعلى الرغم من ذلك عطف عليه أهل عزبة مندور.
لم تتوقف بنا الكاتبة كثيرا عند نشأة عيد طفلا في بيوت العزبة، وبجوار النهر وشجرة الجميز، ولكنها تقفز بنا عشرين عاما، ليكبر عيد فجأة أمامنا (عشرون عاما توقف فيهم نزيف الهروب، واحتواكَ النهر وطين الأرض الذي يذوب فيه لون بشرتك ..).
وتدور الأحداث التي تكشف عن شخصية عيد المتنامية بقوة في الرواية، والتي تجرُّ معها بعض الشخصيات الأخرى مثل شخصية بائعة الخُضار عزيزة التي تترك نافذتها مواربة ليلا ليدخل منها الرجال وينامون معها في الفراش، ويخرجون بعد أن يقضى كل منهم وطره منها. وذات ليلة يدخل عيد من النافذة لينام معها ويمتعها، دون أن تعرف من يفعل معها ذلك في ظلام الليل، ولكنها عرفت أنه عيد بعد أن عضت أصابعه ذات ليلة وهو معها في الفراش، وفي النهار أخذت تحملق في أصابع الرجال الذين يشترون من بضاعتها، فلمحت أثر أسنانها في إصبع عيد، فعرفت أنه هو، وعندما طلب منها الزواج رفضت، وتشهد الراوية التي تحل محل الجوقة ـ في بعض الأعمال المسرحية ـ على قصة عيد معها فتقول: "عزيزة .. يالكِ من بلهاء، ترفضين الزواج منه في وضح النهار، وتتلهفين عليه وتشتهينه في عتمة الليل، آن لك أن تسخري من وربة النافذة، ومن العتمة، ومن حمق الأسياد". وربما يكون هذا مونولوجا داخليا أو مناجاةً للنفس أكثر منه تعليقا على الأحداث.
أيضا عاصر عيد التحولات السياسية والعسكرية، منذ هزيمة 67 التي حلَّت على البلد وتنكست لها الرؤوس، وعودة فرج (ابن مندور وهنية) بعد أن كان مفقودا في الصحراء، وحديثه لأهل العزبة (بيقولوا حاربنا .. احنا ما حاربناش، تعرفوا مش في 48 الأسلحة كانت فاسدة، في 67 النفوس هيه اللي كانت فاسدة. الطيارة فضلت تلاحقني، بعد كده الإسرائيلي سابني، مانا ميت ميت، لو قدرت ع الجوع والعطش، هاهرب ازاي من التعابين والعقارب وشمس الصحرا، مشيت كتير لحد ما راجل من البدو لاقاني، خدني عنده، وبعدين هربني، وطلعني على الحدود، فضلت اتنقل من حتة لحتة، لحد ما وصلت بيت أخويا الأستاذ في المحلة، هدومي مقطعة وحافي).
ومن خلال حوارات أهل العزبة، التي يسمعها عيد، نعيش التحولات التي يتخللها بعض التيمات الشعبية الخاصة بأعمال الربط والسحر والشعوذة التي يقوم بها سعداوي الذي يخاطبه الحاج مندور بقوله (بدل ما أنت عمَّال تكتب أعمال للعرسان الغلابة، ما نعمل للإسرائيليين عمل يخلَّع ركبهم، ولا يهد الخط اللي بنوه على أدمغتهم).
مثل هذه العبارة تكشف عن الكيفية التي يفكر بها أهل البلد، أو أهل العزبة في تعاملهم مع الأحداث، وهي تحمل إدانة الكاتبة لهذا التفكير الغيبي الساذج، وكانت موفقة في اختيارها لنون الجماعة (نعمل) التي تعود على الجميع، ولم تقل (تعمل) فتعود تاء المخاطبة على سعداوي وحده.
أيضا تكشف حوارات أهل العزبة عن متابعتهم لعمليات الاستنزاف (الريس غير قيادات الجيش، وفيه عمليات استنزافية كتيرة بيعملها جنودنا وبتنجح، زي إيلات) وكان الأمل أن "جمال" سيجلب الكهرباء إلى العزبة، والمقصود بطبيعة الحال جمال عبد الناصر، ولكن الهزيمة التي وقعت، ثم المجهود الحربي الذي استنزف أموالا طائلة، منع إدخال الكهرباء، لتعيش العزبة في الظلام الشامل، ظلام الهزيمة، وظلام الجهل، وظلام النفوس، إلى جانب ظلام الأزقة والطرقات التي ينتشر فيها المجرمون وقاطعو الطرق ومغتصبو النساء، وكان عيد ضحية هذا المناخ الظلامي بعد اغتصاب أمه وقتلها، ثم قتل أبيه، ويظل هذا الظلام الرمزي سائدا على طول الرواية، فالظلمة ستر للعاهرات والمجرمين، وهذا ما عبرت عنه عزيزة في قولها لحمدان ذات ليلة عندما طلب منها أن تُشعل لمبة جاز (لمبة إيه يا حمدان، الضلمة ستره).
وعلى الرغم من نصر 73 إلا أنه لم يُدق عامود كهرباء واحد في الأرض، بل جاءت جرارات تجرف هذه الأرض، لتظل العزبة على ظلامها، بل تناقصت خيراتها، نتيجة تجريف الأرض.
هكذا تتراجع البلد رويدا رويدا وتسبح في الظلام ـ على الرغم من النصر ـ ويفقد كل شيء قيمته وينهار، ويبدأ الأولاد في بيع الأرض قيراطا قيراطا. رغم أن (الأرض زي البنات جسمها فاير، بين يوم وليلة تكبر وتحلو وتحتاج تحب وتتحب) إلا أن الأولاد لم يفهموا مشاعر هذه الأرض الطيبة، خاصة بعد أن باع الابن الكبير نصيبه في الأرض للإنفاق على حملته الانتخابية، ولم ينجح، فبدأ يجهز أوراقه للسفر إلى بلد عربي.
هذا على المستوى العام في الرواية.
أما على المستوى الخاص، فكل يبحث عن ملذاته الخاصة، بما فيهم عيد نفسه الذي لم يعرف أحد قصة اختفائه في نهاية الرواية، هل مات أم هرب من العزبة والقرية، وليذكرنا في هذا باختفاء مصطفى سعيد في نهاية رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال".
***
الشخصية الثانية الأهم في الرواية شخصية هنية، زوجة مندور، وكلاهما احتضن عيدًا، واعتبراه ابنهما، وكان يحمل لهما كل الاحترام المصحوب بالتقدير.
لقد واجهت هنية فقدان الزوج وضياع الأرض وهروب عيد، أو موته، بكل تحدٍّ وصلابة، ولم تجد سوى لحظات تذكر الماضي التي أجادت العزوني العزف عليه، وكأن الرواية فيما يتعلق بهنية، نشيدَ حنينٍ، استطاعت الكاتبة أن تلونه بكل ألوان الحزن والشجن، منذ إهدائها "إلى جدي والأيام الحلوة" حتى هروب عيد أو اختفائه، فتشعر هنية بالقلق المحموم والحزن لغيابه، ولم تجد سبيلا سوى العمل داخل المنزل فهو الملاذ الوحيد، والتوقف يعني الانصهار في بوتقة الحزن، ومع ذلك فالمملكة تنهار والأولاد يبيعون إرثهما في الأرض.
تبدأ هنية في الانسحاب من الحياة، فتقول في حديثها مع الذات، أو من خلال المونولوج (الآن تساوت الأشياء حلوها ومرها. جف نبع القوة بداخلك. امرأة أخرى تطل من التشققات والشروخ. امرأة تعيش خارج جسدها، بنبض آخر وفكر مختلف).
لقد أصبحت هنية حطام امرأة تعيش على الذكرى (أيام زراعة القطن وجنيه، تتحول الحقول إلى وليمة كبيرة، تقدم فيها صواني الأرز، وأطباق الأرز باللبن والعسل والجبن القديم والفطير) وتحن للأرض التي كانت، ولشجرة الجميز، وللنهر، ولضحكة عيد.
***
لقد حركت ميرفت العزوني حوالي ثماني عشرة شخصية في "حبو الظلال"، أرخت من خلالها لوضعية العزب والقرى المصرية بإحدى محافظات الوجه البحري غير المتعينة تعيينا محددا، منذ ما قبل هزيمة 67 وحتى الآن، وما طرأ عليها من تغيرات حولت القرية من صورة إلى صورة، وحولت الفلاح المصري من حال إلى حال. غير أنها في الوقت نفسه حافظت على عادات القرية وتقاليدها، وخاصة فيما يتعلق بالمسكوت عنه، مثل ما يحدث في ليلة الزفاف، أو ليلة الدخلة، من دخول بعض نساء القرية مع العروسين، ومباعدة ما بين فخذي العروسة والضغط بقوة على الساق اليمنى، واليسرى وشل حركة الذراعين، ثم يضع العريس إصبعه الملفوف بالشاش الأبيض، ويخرق خزان الدم، فإذا صرخت العروسة وانبثق الدم من خزانه، كان ذلك دلالة أو علامة على أنها كانت عذراء وفضَّ رجلها عذريتها ولو بالإصبع (وهو ما أشارت إليه أيضا غادة نبيل في روايتها المتميزة "وردة الرمال")، فيطلق الرجال الرصاص في الهواء وتزغرد النساء، فقد حافظت الفتاة على عذريتها ورفعت رأس عائلتها، ومن ثم تنطلق الأغنيات الريفية لتعبر عن هذا الموقف الفارق في حياة الفتاة الريفية وأسرتها بعامة.
تقول كلمات إحدى هذه الأغنيات، قبل فض غشاء البكارة: (يا ساتر استر من دخول الحارة) وبعد فضَّ الغشاء يكتمل النص الغنائي الشعبي الذي يحمل بعض قيم القرية وعاداتها واستعانت به الكاتبة أو الراوية (قولوا لابوها إن كان جعان يتعشى) حيث يعبر النص عن قلق والد العروسة وأهلها على شرف ابنتهم، فيمتنع عن المأكل والمشرب في هذه الليلة إلى أن يتأكد من شرف ابنته، وتعلق الراوية على ذلك فتقول: (شعور مؤلم أن تعيش بنت وحيدة وسط خمسة رجال تخاف بقع الدم، وتظن أن تضاريسها لعنة تحاصرها).
وهي بذلك تشير إلى فاطمة ابنة هنية التي قالت لحماتها (تشوفي يا حماتي الشاشة) ـ أي شاشة الدم التي تدل على عذرية الفتاة ـ فترد عليها الحماة قائلة (اخرسي يا بت بلاش قلة أدب). لتكشف الكاتبة أو الراوية بذلك، التناقض الهائل الذي يعيشه أهل القرية أو أفراد المجتمع الريفي، فمع أن الكل يعرف طقوس ليلة الدخلة المؤلمة، ويمارسونها على بناتهم، إلا أنهم من وجهة أخرى يعتبرون الكلام أو الحديث عنها (قلة أدب).
ومن هنا تأتي شجاعة الكاتبة في الخوض في منطقة محظورة أو مسكوت عنها في الوسط الاجتماعي الريفي، أو يُتداول فيها الحديث سرا وليس جهرا. ومن هذه الأسرار أيضا تحذير الأم لابنتها ـ وهي في سن الطفولة البريئة ـ من القفز واللعب، وقولها (حسبي عدرتك أنتِ هتفضحينا) أو قولها عندما بدأت علامات الأنوثة تبزر على السطح (أموتك لو شفت دم الحيض على هدومك).
وأتساءل ماذا سيكون حال الرواية لو انقلبت الآية، وفاجأتنا الكاتبة بفقد فاطمة لعذريتها، لأي سبب من الأسباب؟ تُرى هل كنا سنقرأ نصوصا مغايرة ومسكوتا عنها أكثر؟ أم سنشهد حالة من حالات القتل دفاعا عن شرف العائلة؟
بهذا تضع العزوني أيدينا على بعض المناطق الحرجة اجتماعيا وأنثروبولوجيا من خلال "حبو الظلال"، بل تقتنص هذه المناطق وتثبتها ـ عن طريق الفن الروائي ـ في أذهان قرائها خاصة القراء الذين لم يعرفوا عادات الريف وتقاليده، فتحقق بذلك المعادلة الفنية المطلوبة. وكما يقال فإن "الفن هو اقتناص لحظة عابرة لتثبيتها إلى الأبد".
***
لقد توسلت الكاتبة بتقنيات روائية عدة، منها: المونولوج الداخلي أو تيار الشعور، والحوار، والوصف، والرجوع إلى الوراء (الفلاش باك). فضلا عن اقتصادها للكلمات، فلا مجال للتطويل أو الاستطراد والثرثرة. فمعظم العبارات جاءت قصيرة ذات كلمات قليلة تفي بالغرض، ومنها على سبيل المثال قولها على لسان عيد: "حتى الأعياد فقدت بهجتها وفخامتها في بيت سيدك" فهذه العبارة ذات الكلمات القليلة تدل على تغير الزمن من ناحية، وما يعتمل داخل نفسية الشخصية التي تقول تلك العبارة من ناحية أخرى، حيث نلاحظ انكسارا ما، أو هزيمة ما مرسومة على جبين عيد.
ومن المفارقات الغريبة أن مثل هذه العبارة جاءت على لسان عيد بعد نصر 73 الذي لم يشعر به، وكأن النصر من وجهة نظر عيد أن يُدق عامود كهرباء في الأرض ينير شوارع العزبة، فيختفي الظلام المادي والمعنوي، وتختفي الكوابيس، وهو صادق في ذلك.
الهزيمة أيضا يشعر بها عيد بعد أن تزوجت عزيزة من تاجر حبوب رآها وهو يشتري محصول الكتان، وانتقلت للعيش معه في مدينة طنطا. فقد كانت عزيزة مصدر متعة مجانية، وبفقد هذا المصدر الذي لن يستطيع تعويضه، يشعر بهزيمة من نوع آخر.
ولعلنا لاحظنا أن الكاتبة من أنصار أن تكون لغة السرد والوصف بالفصحى، ولغة الحوار بالعامية. وهي تقنية تجتذب الكثيرين من الكتَّاب، خاصة عندما يكون الحوار بين مجموعة من الشخصيات غير المثقفة أو غير المتعلمة مثل معظم شخصيات رواية "حبو الظلال". وكما نعرف فإن للعامية أيضا جمالياتها وعمقها وعبقريتها التي كشف عنها زجالون وشعراء أفذاذ من أمثال: بيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، والأبنودي، ونجم، وحجاب، وقاعود، وغيرهم، بل أن هناك تجارب لروايات كتبت كاملة بالعامية لمصطفى مشرفة، ولويس عوض، ويوسف القعيد، وربما غيرهم، ولم يكن هذا عن عجز في لغتهم الفصحى.
أما ميرفت العزوني فقد أمسكت بالعصا من منتصفها، فكتبت سردياتها بالفصحى، وحواراتها بالعامية، معتمدة في ذلك على تنوع الضمائر ما بين المخاطب والغائب والمتكلم، بطريقة قد تكون مربكةً أحيانا للقارئ غير المتمرس.
وعلى الرغم من صغر حجم الرواية، فإن صاحبتها قسمتها إلى ثمانية فصول، وكل فصل يحتوي بداخله على مشاهد عدة مرقمة، وكنت أفضل أن تجئ الرواية بلا هذا التقسيم، لأنها تمثل في النهاية نهرا واحدا متدفقا، قد تتفرع مياهُه أحيانا إلى نهيرات عدة، ولكن سرعان ما تعود هذه النهيرات إلى مجراها الرئيس.
أما عنوان الرواية "حبو الظلال" فيبدو أن الكاتبة استقته من عبارتها التي تقول فيها على لسان عيد: "كثيرا ما توهمت أن بإمكانك صنع ظلال كظلك، الظل كالروح يلازم صاحبه حتى الموت، وهو على شاكلته، ولكل ظل اعوجاجه".
وهي في هذا تذكرني بقصة بديعة للكاتب الدانماركي هانز كريستيان أندرسون تبادل فيها الظل موقعه مع صاحبه، فأصبح الظل هو الإنسان، وأصبح الإنسان هو الظل.
عند ميرفت العزوني نجد الظلال تحبو، فتعزف روايتها على حبوها، ونتساءل: هل المقصود هو حبو عيد، أم حبو ظلاله التي تداخلت مع كل شخصيات الرواية الرئيسة والثانوية، فأصبح فيها ملمحٌ أو ظلٌّ من ملامح أو ظلال عيد، تلك الظلال أو الملامح التائهة الشاردة الضائعة بضياع الأرض وفقدانها بالبيع قيراطا قيراطا؟.
إن عيدًا ـ رغم كل عيوبه وعدم اكتمال شخصيته، أو اهتزازها على نحو ما ـ لا يملك سوى الاختفاء أو الفرار أو الهروب من هذا الواقع المتردي الذي لا يجد فيه ظله مرسوما على أرض عاش عليها ردحا من عمره، ويئس من دخول عامود كهرباء فيها، وبدأ أبناؤها في التخلي عنها.
وعلى هذا تكون رواية العزوني صرخة تحذير وإنذار فني لكل من يحاول نشر الظلام ويسعى إلى تثبيته، ولكل من تسول له نفسه أن يبيع الأرض، أو يتنازل عنها، أو يتفاوض على أي شبر فيها. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية