ميدان الحرية

بقلم: ظبية خميس

هذه ليلة تنشق فيها أنفاس الكون وهي تتنفس هتاف ملايين المصرين لتسقط الطاغية.

ملايين أكثر في الكرة الأرضية يرقبون، يرصدون معجزة البشر في بلاد تزخر بالمعجزات القديمة، والجميع يدرك أن ثورة المصريين اليوم تفوق أهرامات أجدادهم في روعتها.

هتاف الحرية والغضب يغلب الخوف والرعب والتعذيب والبلطجة والترويع بإسم الإستقرار والمسكنة والخوف من الغد والخضوع لأبوية سلطوية قاسية فقدت صلاحيتها وتتشبث بالبقاء حول أعناق الدولة والأمة العربية لتخدم الصهاينة ومصالح اميركا وتشارك في قمع جميع الشعوب العربية وتشرف على خنق الفلسطينيين إرضاء لإسرائيل بطاقتها الإئتمانية لشرعية السلطة والمؤسسة التي سقطت ولم يبقي منها الليلة سوى خيالها.

في أسبوع واحد سقطت معالم زمن ساقط وولد زمن جديد لا نعرف منه سوى أنه زمن سقوط الخوف والإفراج عن الحرية المخطوفة التي تقول لا لكل ذلك الغث الكاذب الذي كان يحيط بالعقول وحواس البشر.وكم هي بعيدة المسافة اليوم بين عيد الشرطة يوم 25 يناير وجمعة الغضب ومظاهرة المليون التي تسعى إلى جمعة الرحيل اليوم 1 فبراير 2011.

يتتابع الزلزال في هذا العالم ليقذف بمكنونات الصدور إلى الفضاء الرحب. زلزال ضرب تونس والسودان واليمن ولبنان والجزائر وفلسطين وغيرها وصولا لمصر وسوف يستمر يضرب حتى تخرج المكنونات في صعد الأرض أجمعين من قلب أمة العرب وحتى حدود لا نعرف لها ترسيما على خارطة الغد. إن زمنا جديدا يعلن عن نفسه وتاريخ جديد ينبثق للإنسانية أجمعين. ومصر كعادتها تقود الطريق من جديد رغم كل عهود الظلام الكثيف الذي كمنت فيه صابرة ولكن ليست غافلة.

راقبت المشهد طويلا، وعشته قرابة الربع قرن على أرض مصر. كانت القصور تزحف وكبار اللصوص يتحولون إلى الفئة الحاكمة عازلين دنياهم عن دنيا الشعب في مناطق يسيجونها وهم يشرفون على ملاعب الجولف وحمامات السباحة ويرتدون الماركات ويصنعون قصورا لإجازاتهم على سواحل مصر في قرى سياحية وأمكنة يظنونها بمنأى عن الشعب-الرعاع-البيئة- كما ينعتونهم. يحكمون من يخوتهم وملاعبهم ويتحدثون باللغات الأجنبية ترفعا على لغة العوام، يغرقون في الفخامة والبذخ ووهم أرستقراطية لا يملكون لها جذورا. يشربون أنخاب سطوتهم وثروتهم وسلطتهم ويمنون على الشعب ببقايا المائدة العامرة التي يلتهمونها من دم وقوت ذلك الشعب المنهك والكل يبادلهم الأنخاب في مقابل الأدوار التي يلعبونها بإسم الإستثمار والسياسة والسلام والعولمة ويضربون بهم نموذجا لما يجب أن تكون عليه الدول العربية كدولة صديقة لإسرائيل تدافع عن أمانها وحليفة لأميركا لا مانع لديها من إغتيال شعب كالعراق وفلسطين ولبنان وغيرها مقابل إرضاء النظام الدولي وعلي الرعاع من شعوبهم أن تفهم أن هذا ثمن الإستقرار والنمو الإقتصادي والمكانة الدولية لكي تكون مصر دولة المؤسسات كما يدعون.

أداروا جامعة الدول العربية بنفس المفاهيم ونفس الوهم المعادي للوطنية والعروبة الحقة والإنتصار لفلسطين بإدارة تأخذ العرب من فشل إلى فشل وحفنة من المرتزقة من قطاع الخارجية المصرية والبيروقراطين ورجال الأمن ونجحوا في أن يجعلوا منها شاهد ما شافش حاجة وخصوصا في العشر سنوات الأخيرة حيث تساقطت دول وغزيت أخرى وإشتعلت الحرائق دون رد سوى كلمتي نشجب وندين ونسوا أن يدينوا أنفسهم أولا وأخيرا وهم المشاركين في كل جريمة وقعت على أراضي العرب ومنذ عقود طالت حتى جعلت منا بقايا بشر وأرواح مطعونة ومهزومة ومشوهة في مرآة ذاتها ومرايا العالم الذي يرانا ضعافا ومنتهكين. يتفرجون غير عابئين وكل منهم يظن أنه بمعزل عن مصير ذلك الذي كان يشرب معه كأس السلطة منذ قليل قبل أن يسقط من مقصلة أو طائرة فرت به أو سم دس له في دمه.

وبالغفلة نفسها لم يلاحظوا إمتداد أحياء البؤس والفقر والإهمال والمرض والبطالة التي تفرش صفيحها وطوبها وعشوائياتها من حولهم. لقد إعتبروها غرفة الخدم الخلفية وهي تحوي الملايين من شعوبهم وظنوا أنهم نجحوا في إذلالهم وتغيبهم بالمخدرات والجريمة والفنون الساقطة وجعلهم يلهثون وراء رغيف العيش والإنشغال بالعراك والمطاوي وغرز المخدرات والبحث عن الدواء والعلاج- وقد غزت أمراض الكبد والبلهارسيا والسرطان أجسادهم. يفتحون لهم القبور والسجون والشوارع لينام أطفالهم المشردون تحت الجسور والأرصفة.جرفوا القري والريف وأغلقوا وباعوا المصانع وتفرغوا لإعلانات الشيبسي وشاليهات القرى السياحية. حولوا التعليم إلى مشاريع إستثمار تجاري للخاصة ومدارس جهل وضرب ووجبات مسممة ودروس خاصة وقتل تلاميذ أحيانا للعامة حيث تسقط المدارس المكتظة والمهدمة بإنقاضها على رؤوس أطفال الشعب. أخرسوا الأصوات الحرة والمفكرين العضوين والفن الحقيقي وخلقوا مؤسسات لرجالهم ونساءهم المتنطعين في الثقافة والسياسة ليتبوءوا واجهة السلطة ويبرروا ما لا يبرر ويصنعوا للسلطان وجاهته وكذبته بدون حياء أو خجل ويصدرونهم للدول المجاورة كي يكرروا سقف تلك الثقافة الكاذبة والديكور اللازم لإثبات وجاهة تحضرهم في تسطيح أخذ مداه الأجوف لتفريغ العقول والأرواح من المعاني الحقة للثقافة والفكر والفن والأدب.

نعم إن الخدمة التي يسدونها لأسيادهم وللصهاينة تتجاوز بلدا في حد ذاتها إلى المنطقة كاملة حيث لا بد للعرب من البقاء خرفانا منصاعين يوحدهم الخوف والرعب والطاعة والإنصياع وأي نموذج يخرج من ذلك لا بد من تشويهه ومحاربته.وهم الطمأنينة الكاذبة لمنجز الوهم.

في جمعة الغضب التي قتلوا فيها الجموع وأطلقوا الرصاص وجاءوا بحظر التجوال والجيش وأطلقوا الشرطة السرية واللصوص والقتلة على المحلات والبيوت والأحياء والمدن والقرى والنجوع ليسلبوا ويحرقوا ويروعوا في حفلة مجون إمتدت قبل أن ينطق صوت الرئيس المسجل بعد منتصف الليل أنه لا أمان بدونه وأنه باقي على عرشه بعد أن قطع عنهم الإتصال والتواصل مع العالم وحاصرهم وأنه كفيل بمزيد من الترويع والدمار لهم ظن أنه أنجز مهمته وأن أطفال الشوارع هؤلاء الذين يدعون أنهم شعبه سيذهبون للنوم ويشكرون الفرعون ويحمدون الله أنه لا يزال فوق رؤوسهم لزمن يجيء.

لكن الشعب لم يذهب للنوم ولم يختبئ وراء الجدران بل خرج كمارد يكبر ويكبر ويغطي الساحات والميادين وكل شبر من أرض مصر ويمتد ليصل إلى آذان ووجدان العالم وتهز صرخته الكون تلك الصرخة التي ينتهي قبلها تاريخ وحقبة ويبدأ زمن لن يرمم ولكن سيخلق من بطن الظلام شموسا من الحرية يتلقفها العالم في كل مكان.

هذه ليلة يتعلم فيها البشر العطشى معني الحرية وكيف الطريق إلى بابها.إنها ليست ثورة الغضب بل ثورة الإنسانية لإحترام آدميتها ولسوف يسمعها الجميع الملوك والخدم والشعوب والسجناء والمصارف والبيت الأبيض وسور الصين العظيم.

السيد الرئيس أوان الرحيل قد أزف.

ظبية خميس