موهبة الطفل سلاح ذو حدين

اعداد: رحاب نهار
لا تبالغوا في تدليله

تظهر صفات الطفل الموهوب في مراحل نموه المبكر. فتراه دائماً كثير الحركة، عنده قدرة هائلة على اللعب، فضولي في معرفة الأشياء ويناقش ويحلل كل ما يحدث أمامه بالإضافة إلى تمتعه بذاكرة قوية يدهش بها الكبار من حوله.

والموهبة في العموم تعني "قدرة استثنائية أو استعدادًا فطريًا غير عادي لدى الفرد، وقد تكون تلك القدرة موروثة أو مكتسبة سواء أكانت قدرة عقلية أم قدرة بدنية".

وإذا كان طفلك موهوب، فإنك ستلحظ عنده قدرة على التعلم بشكلٍ سريع حتى أنه يسبق من هم في جيله. وأثناء اللعب مع أصدقائه، فإنه يتزعمهم ويستطيع حل أية مشكلة تنشب فيما بينهم.

لكن ثمة عوامل قد تظهر في حياة هذا الطفل تعيقه من التطور الطبيعي وتمنعه من أخذ موقعه كشخص موهوب في الحياة. وباعتباره يتطور بطريقة غير منتظمة فإنه يتأثر بأحسن الأمور وأبشعها أكثر من غيره بأضعاف. وهنا قد تبدو حياة هذا الطفل المميز عرضة للتحول السلبي في أية لحظة، لذا على الأهل أن ينتبهوا له بطريقة خاصة ما إن اكتشفوا بذور الموهبة في تصرفاته.

وخاصةً أن دراسات كثيرة أثبتت مؤخراً أن نسبة الأطفال المبدعين عند ولادتهم حتى سن الخامسة تصل إلى 90%، لكنها تتضاءل لتصبح 10% ما إن يصبح الطفل في سن السابعة، وقد تتلاشى تماماً فيما بعد مع مرور السنين.

وغالباً ما تكمن المشاكل التي تفقد الطفل إبداعه في وعي الأهل الكبير لموهبة طفلهم محاولين إرضاء ثقته بنفسه بشكلٍ مبالغ فيه. ففي حين يحاول الطفل الموهوب التحايل على أهله بتمرير تصرفات غير لائقة ومرفوضة من قبلهم، يسعى هؤلاء الأهل إلى الترحيب بأي تصرف من طفلهم مصفقين له ومهنئين أنفسهم على هذا النسل الذكي.

ولكنهم يتجاهلون ويتناسون راضين غير مجبرين، الأذى الذي يتسبب به مدللهم سواء لنفسه أو لغيره. مما يجعله أكثر اقتناعاً وفرحاً بتصرفه معيداً تكراره بأوقات أخرى. وهنا تتحول ثقته لعجرفة وغرور، وأما موهبته فستسير باتجاهٍ خاطئ حتماً.

وفي حالاتٍ أخرى معاكسة، قد لا يكون هذا الطفل قاصداً للإساءة وتصرفاته خالية منها تماماً. فيفهمه من حوله بطريقة خاطئة بسبب أسلوبه الجريء في الكلام وقدرته على الجدل والحوار. وهم إن يعاقبونه على هذا فإن شعوراً خاطئاً سيتولد بداخله، مفاده أنه غير مرغوب ومرفوض وتصرفاته غير صحيحة، وبالتالي فإن ثقته بنفسه تهتز وتتهدد موهبته وعبقريته المستقبلية.

وهنا يتحمل المسؤولية البالغين، الذين يجب أن يفهموا مقصد الطفل ودوافعه. تاركين عقولهم تتحكم بتربيته لا مشاعرهم التي قد تفسده بسبب مزاجيتها وعدم موضوعيتها.

من جهةٍ ثانية، يطلب الباحثون والأخصائيون التربويون من الاهل أن يحثوا ولدهم على تجربة أشياء جديدة دائماً، وأن يدعوه يمر بتجربة فاشلة لعله يفهم أن الفشل أمر طبيعي قد يحدث في اي وقت وعليهم أن يتحملوا نتائجه ويواجهوا كل شيء في الحياة.

ويأتي هذا الطلب بعد أن عرف عن الأطفال المبدعين ولعهم الكبير بالنجاح والكمال، الشيء الذي يجعلهم يخافون في بعض الأحيان من تجربة أشياء جديدة بعد أن كان فضولهم أكثر ما يميزهم.

ولأنّ الأطفال الموهوبين يتمتعون بحساسية عالية، فمن المحتمل أن يشعرون بالضغط الشديد دون غيرهم من الأطفال. ويكاد تفهمهم لأن البالغين والأهل ينتظرون منهم نتائج في غاية الأهمية دائماً، لأمر مقلق يدعو إلى الارتباك والتراجع عند أي خطوة يخطونها.

وكلما ازدادت توقعات الأهل بنتائج خيالية وغير متوقعة من طفلهم "الرائع والمميز"، يزداد الضغط على الطفل. هذا الضغط الذي يشتت انتباهه عن الأشياء المهمة ويصرف طاقته في إعطاء نتائج واضحة ومبهرة فعلاً. وأن تشعر طفلك الموهوب بأن عليه إثبات موهبته في كل لحظة لتتباهى به أمام الأقارب والمعارف والأصدقاء يؤثر عليه سلباً ويستنزف كل قدراته في التعلم والنمو.

وهنا تفيد بعض التجارب بضرورة تقرب الأم تحديداً من ابنها، لتفهم متطلباته واحتياجاته الفكرية والجسدية وتساعده على فهمها واستيعابها بشكلٍ أقرب وأسهل، ليتطور في كل مرحلة من المراحل بطريقة صحيحة خالية غالباً إن لم يكن تماماً من صعوبات وعوائق تقف في وجه موهبته.

ويرى الأخصائيون أن التطور السليم والمنطقي للطفل الموهوب يتطلب تفهم الأهل لعدة نواحي، أولها حاجته إلى الشعور بأنّ الآخرين البالغين منهم على وجه التحديد، يتقبلونه ويتفهمون كلامه وتصرفاته متقبلين قدراته وفشله في نفس الوقت. وحاجته إلى معرفة الفرق بين التفوق والكمال، أي أن يتم تشجيعه للتقدم نحو التفوق والنجاح مع الشرح المبسّط والحذر من مفهوم الكمال وعدم قدرة الإنسان على تحصيلهز

وأهم نقطة يتم تنبيه الأهل إلى تفهمها، هي استيعابهم للنواحي والصفات التي تميز الطفل الموهوب عن غيره من أبناء سنه، مع الإدراك التام لتلك التي يتشابه معهم فيها. و سيمنح هذا التفهم الراحة النفسية للطفل في تصرفاته وكلامه.

ويجب أن نعلم أنه مهما بلغت درجة ذكاء الطفل فإنه بحاجة إلى توجيه دائم بحيث تتم محاسبته على الفعل الخاطئ، ومكافاته على التصرف الصحيح، فالطفل يبقى طفلاً.