مونيكا مارتيز تسبر أغوار جسد الإنسان

مساحات جمالية لم نألفها من قبل

تُعد تجربة الفنانة الأميركية مونيكا مارتيز من التجارب المهمة في الساحة التشكيلية الأميركية حاليا, إذ تتميز تجربتها باكتشاف مناطق ومساحات جمالية تكمن في داخل الإنسان, بقيت هذه المساحات بعيدة عن تناول العديد من الفنانين خصوصا في التشكيلي المعاصر, إذ أن أغلب التجارب الفنية كانت تتوقف عند السطوح والمساحات الخارجية للجسد الإنساني, في ما عُرف برسم الموديل . أو حتى التجارب الفنية لعدد من الفنانين التي تأثرت بعلم التشريح, لكن في تجربة الفنانة مونيكا أخذت أعمالها منحى أعمق وأشمل في التعمق أكثر لدراسة جمالية الأعضاء الداخلية للإنسان مرورا بجميع تفاصيل أجزائه, لذلك كان لأعمالها عدة مسارات في تشكيل العمل الفني:

المسار الأول .. نجد أن الفنانة ترسم الحدود الخارجية للجسد الإنساني كما هو في الواقع ومن ثم ترسم أجزاءه الداخلية بوحدات كلية كما نرى ذلك في لوحة احتضان الرجل للمرأة, فترى حدّي الجسدين، وهما متداخلان في حالة احتضان عشقي, وتبرز بعد الحدود الخارجية للجسدين المكونات الأخرى من ألياف عضلية وخلايا تكوينية لليدين ومناطق الخصرين, في هذا العمل تطغى الألوان الباردة كالأخضر المصفر والأخضر المزرق التي تشكل الألياف العضلية والأوردة وبعض الأنسجة العصبية, بينما نجد في الوسط خصوصا في منطقة الخصرين الألوان الحارة الحمراء والصفراء بتونات لونية متعددة من هذين اللونين وتظهر على شكل دوائر وأشكال بيضوية أو على شكل خطوط مائلة, كل ذلك أعطى للعمل حالة بنائية رائعة, فكانت هناك مجموعة من الأعمال مضت الفنانة في بنائها بهذا الأسلوب.

المسار الثاني .. هو مسار أكثر تعقيدا ويأخذ منحى بنائيا متعددا بسبب وجود أكثر من شكل ومجموعة متشعبة من الخطوط التي تمتد من أعلى العمل الفني الى أسفله، ومن اليمين الى اليسار أو بالعكس, ونجد أن الخطوط البيضاء تشكل أساسا ومرتكزا مهما في هذا المسار من الأعمال حيث تشكل حالة تكوينية تعطي النمط الذي سيمضي به العمل وتساهم في دعم تأسيس الأشكال والمكونات الأخرى المراد رسمها بألوان مغايرة, بينما يشكل وجود اللون الأحمر بتعدد تدرجاته اللونية حالة بناء الوحدات والأعضاء الداخلية لجسد الإنسان.

في أغلب اللوحات نرى وجود الألوان التالية الأبيض, الأحمر, الأزرق, الأصفر، تكاد تكون هذه الألوان هي السائدة في تجربة الفنانة خصوصا في دراساتها لجسد الإنسان، ومن ثم دراساتها لبعض الحيوانات والطيور وبعض الفراشات، فالفنانة تقوم بالدراسة عن طريق استخدام بعض العدسات التكبيرية وأخذ الصور لهذه الأجساد، ومن ثم الإحاطة بها معرفيا وعلميا بعد ذلك تمضي في الشروع بالرسم.

وهناك مسار آخر في تجربتها في رسم تكوينات جسد الإنسان أو الطيور والحيوانات وهو أن ترسم هذه الأجزاء ضمن فضاء واسع، وكأن أجزاء الجسد تسبح في فضاء كما نرى الخلايا وكأنها كواكب تسير في فلكها, بينما تتخذ خلف هذه الأجزاء مساحات لونية تكون ملونة بألوان حيادية في الغالب مع وجود الخطوط البيضاء التي تشكل النسيج الذي يدمج هذه الأجزاء. وجود هذه المساحات الملونة بألوان حيادية مع الخطوط البيضاء يسحب المتلقي أكثر للتركيز في الأجزاء والتكوينات الداخلية للإنسان.

الفنانة مونيكا في أغلب أعمالها تستخدم ألوانا طبيعية مستخلصة من بعض عناصر الطبيعة مثل اللون الأصفر المأخوذ من مح صفار البيض, أو اللون الأحمر المأخوذ من مادة طبيعية أخرى, وكذلك تستخدم الفنانة ألوان الباستيل في تخطيط وتحديد مسارات الخطوط التي تشكل أعمالها.

إن المثير في تجربة الفنانة الأميركية مونيكا أيسا مارتيز هو هذا الاتجاه الذي مضت به من الخارج أي البحث خارج حدود الجسد حيث يكون الكون مليئا بالمكونات والموجودات المتعددة بالعناصر, وعودتها الى البحث والتركيز في ماهية الإنسان وباقي المخلوقات, مما جعلها تركز في دراسة تفاصيل هذه المخلوقات لتحيلنا الى جماليات لم نألفها من قبل, فهي تعشق التفاصيل أينما وجدت هذه التفاصيل في جسد الإنسان, النبات, الطيور والحيوانات.

ففي الوقت الذي اتجهت فيه أنظار الكثير من الفنانين الى البحث عن موجودات وعناصر الكون الخارجي, وقفت هي تتأمل ذلك الجسد وما يحمل من بُعد جمالي وطاقة روحية هائلة, لتقدم لنا أعمالا رائعة من خلال تجربتها المميزة.

سلمان الواسطي ـ ولاية أريزونا (الولايات المتحدة)