مونديال 2010: المستديرة مصدر أمل وإلهام وتوحّد

جوهانسبورغ
'كرة القدم أبقتنا على قيد الحياة'

تُعتبر نهائيات كأس العالم لكرة القدم اهم حدث رياضي في العالم على الاطلاق الى جانب الالعاب الاولمبية، لكنها ستحمل اهمية اضخم هذا الصيف لانها ستكون على اراضي جنوب افريقيا البلد التي يطلق عليها لقب "قوس القزح"، على ملاعب البلد الذي عانى الامرين تحت نظام الفصل العنصري، على تراب القارة التي تعيش القهر والحرمان والفقر.

يكفي ان تذكر اسم روبن ايلاند لتعلم ما يعني ان تستضيف جنوب افريقيا نهائيات كأس العالم بنسختها التاسعة عشرة وما تحمله كرة القدم من معان لشعب اختبر نظام الفصل العنصري حتى اوائل التسعينات.

ما زال الجميع يتذكر تلك اللحظة التاريخية الخالدة التي ظهر فيها نيلسون مانديلا متقدما في السن ومرتجفا بعد اطلاق سراحه من سجن فيكتور فيرسيتير، وهو يرفع يديه إلى السماء مناديا الجماهير المحتشدة في الميدان ليطلق العبارة الشعبية الشهيرة "اماندلا" التي تعني "السلطة للشعب" بلغة الزولو.

امضى نيسلون مانديلا ثلث حياته في الزنزانة كمعتقل سياسي قبل ان يخرج الى الحرية في 11 شباط/فبراير 1990، محطما معه "جدار" الفصل العنصري.

لقد حقق مانديلا عودة تاريخية ليؤسس للحظة توقفت فيها الحركة بشكل كامل في كل ارجاء جنوب افريقيا وتصدرت البلاد عناوين الصحف والمجلات في كل حدب وصوب، واصبح "ماديبا" زعيم الحرية ومن اشهر الوجوه في العالم بعد ان كانت صورته مجهولة بالنسبة للعالم الخارجي وابناء شعبه لمدى 27 عاما.

تم اعتقال "ماديبا" سنة 1962 ليصبح بعدها اسمه مرادفا للنضال من اجل الحرية في جنوب افريقيا رغم ان الملايين من مناصريه لم يسبق لهم ابدا ان رأوا صورته.

وخلال محاكمة ريفونيا الشهيرة حكم بالاعدام على مانديلا وبعض القادة الثوريين الاخرين مثل وولتر سيسولو وجوفان مبيكي واحمد كاثرادا بعد اتهامهم بتخريب الممتلكات العامة وغيرها من التهم التي نسبت اليهم لكن الضغوط الخارجية لعبت دورها في تجنيبهم المشنقة.

تم ترحيل مانديلا من سجن بريتوريا حيث كان يقبع تحت الحراسة المشددة ليتم عزله في زنزانة بسجن روبن ايلاند الذي تم تشييده خصيصا لاعتقال من كانوا يسمون باعداء الدولة.

هنا بدأت كرة القدم تتلازم مع معنى مقاومة القهر والعزل، واصبحت منفذا للامل وتناسي الواقع المرير، اذ انه خلال سبعة من الاعوام ال18 التي امضاها مانديلا على الجزيرة، كان اتحاد ماكانا لكرة القدم فاعلا، و"ماكانا" هو قائد قبيلة وكان من اول السجناء السياسيين الذين احتجزوا في روبن ايلاند بسبب رفضه للاستعمار.

استند اتحاد ماكانا الى شعار "يديره السجناء من اجل السجناء" وتقيد حصرا بقوانين الاتحاد الدولي للعبة لانه كان من الكتب الوحيدة الموجودة في مكتبة السجن خلال تلك الفترة.

كرة القدم لم تكن وحسب متنفسا من العذاب الجسدي والنفسي الناتج عن السجن، لقد علمت السجناء مفهومي الانضباط والغاية.

كان السجناء منقسمين استنادا الى ولائهم السياسي ان كان لحزب المؤتمر الوطني الافريقي او مؤتمر عموم افريقيا، لكنهم وضعوا ذلك جانبا واجتمعوا من اجل ادارة اتحاد كرة القدم.

والامر الاهم هو ان كرة القدم منحت السجناء مساحة حيوية خاصة بهم، منحتهم وسيلة لاظهار ان بامكانهم ان يحكموا انفسهم وبالتالي البلاد. وهذا ما فعلوه، اذ ان العديد من الذين عملوا على ادارة وتنظيم كرة القدم في روبن ايلاند وصلوا الى مراكز السلطة، بينهم الرئيس الحالي لجنوب افريقيا ياكوب زوما (الذي كان أحد حكام الدوري)، وموسيووا ليكوتا رئيس كونغرس حزب الشعب ووزير الدفاع السابق.

وكان توكيو سيكسوايل الذي ساهم في صك الدستور الجديد لجنوب افريقيا عام 2004 واحد أعضاء اللجنة المنظمة لكأس العالم جنوب افريقيا 2010، من الرموز الفاعلة ايضا في اتحاد "ماكانا".

"كرة القدم ابقتنا على قيد الحياة"، هذا ما قاله سيكسويل في حديث مع موقع الاتحاد الدولي، مضيفا "كل شيء كان ممنوعا على روبن ايلاند، لكننا كنا نهرب كتاب قوانين الاتحاد الدولي خلسة. وكان لدينا حتى حكاما محترفين+ ولجان انضباط مناسبة. قسمت الفرق استنادا الى ولائها السياسي. كنا نلغي المباراة في بعض الايام اذا كان مؤتمر عموم افريقيا غاضبا. لكن اتحاد ماكانا لكرة القدم كان وسيلة لتوحيدنا جميعا. تخطى كافة الحواجز السياسية. ادركنا انه كان وسيلة هامة من اجل تضامننا، وحدتنا وتعاوننا".

واضاف "استعمل السجناء اي مواد تمكنوا من وضع ايديهم عليها من اجل صنع الكرة. لعبنا بما كان متوفرا وشبكة المرمى كانت مصنوعة من شباك صيد حقيقية جرفتها الامواج الى الجزيرة. طلبنا الاذن لكي نسحبها (الشباك) عن الشاطىء. بحلول الوقت الذي جئت فيها الى روبن ايلاند، كان اتحاد ماكانا حقق العديد من الخطوات. بعد عدد من الاحتجاجات، نجحنا في نهاية المطاف في الحصول على اول كرة فعلية خاصة بنا. استغرق الامر سنوات، لكن في نهاية المطاف سمح لنا بالحصول على العتاد المناسب، على الاحذية المزودة بالمسامير، والكرات، والعتاد المناسب وحتى صافرات الحكام. وحينها، كان عليك ان ترى المباريات!".

منع السجناء الهامين في روبن ايلاند، مثل مانديلا ووولتر سيسولو واحمد كاثرادا، من المشاركة او مشاهدة المباريات التي نظمت. وفي الواقع ان سلطات السجن بنت حائطا من اجل حجب الرؤية عن مانديلا ما ان عرفت ان باستطاعته مشاهدة المباريات من زنزانته في القسم الانفرادي، لا سلكات السجن ومن يقف وراءها في نظام الفصل العنصري كانوا يدركون ان كرة القدم تملك قوة تحرير النفوس وهي لم تكن تريد ان يحظى مانديلا وغيره من الشخصيات بفرصة "فصل" الجسد عن الروح، الا انها لم تنجح في ذلك، وها هو "ماديبا" حاضرا ومحررا وزعيما، وسيكون شاهدا على احتضان بلاده لاول عرس كروي في القارة الافريقية، بل انه سيتواجد في المباراة الافتتاحية بعد غد الجمعة ليقدم الدعم المعنوي ل"بافانا بافانا" الذي يقص شريط الافتتاح امام المكسيك.