موعد سنوي مع 'اولمبياد الشعر' في ابوظبي

ابوظبي
امير الشعراء يجمع مشارق العرب ومغاربهم

في نهائيات الدورة الثانية من مسابقة "امير الشعراء" في ابوظبي، هَزَمت الثقافة، ربما في واحدة من النوادر، كلا من السياسة والقبلية والشوفينية الوطنية الضيقة. وتمكن الشعر من ان يسترجع مكانته العتيدة في قلب ثقافتنا العربية المعاصرة.
الشعراء الفائزون، يتقدمهم اميرهم الموريتاني سيدي محمد ولد بمبا، رسموا صورة مبهرة لأهمية التواصل مع المعاصرة والتراث سوية. فقدموا أملا اكثر مما قدموا شعرا. فرغم كل ما تعرضت له المسابقة في دورتها الاولى وبدايات دورتها الثانية، ورغم الهجوم الذي لا ينقطع ضد نجاح المسابقة الشقيقة "شاعر المليون"، الا ان النجاح تلو النجاح، والمشاركات التي تلي المشاركات، وتراكم الابداع، كلها ترد على من لا يروق لهم ما تحقق من انجاز.
الأهم من كل هذا ان مسابقتي "امير الشعراء" و"شاعر المليون" تحولتا الى مؤسستين راسختي الاقدام والى موعد سنوي لا يحتاج الى دعوة.
الرسوخ المؤسسي مهم، لأنه يعني ان قافلتي المسابقتين تمشيان دون ان يتمكن احد من التأثير عليهما. فالمناكفات الاقليمية والحساسيات الوطنية حاولتا ان تحيدا بركب القافلتين لاعتبارات غير موضوعية. واستمر اطلاق الدعوات، بحجج واهية في اغلب الاحيان، لايقاف المسابقتين. ولعل اكثر ما تم ترويجه ضد المسابقتين هو انهما تعيدان النعرات القبلية وتزيدان من الاحتكاكات بين بعض دول المنطقة.
لكن القائمين على المسابقتين، بوعي أن الانجاز الثقافي أهم من "القيل والقال" والحسد، ساروا بالقافلتين بأمان وتجاهلوا كل من حاول أن يضع عصيا في عجلة الركب. وكان ردهم دائما "نعمل الصحيح، اما البقية فلا تهمنا". ولم يُجد التصعيد الاعلامي والتلميحات السياسية والضغوطات غير المباشرة من عدد كبير من الاطراف "المتضررة" من الانجاز المتحقق من خلال المسابقتين ومن الصعود الثقافي اللافت لأبوظبي، لم يُجد في تغيير رأيهم.
حتى من زاوية الرد الضيقة على ما اطلق من اتهامات، كان الاثر واضحا. فالاستماع الى مديح القبيلة من قبل الاخرين يجعل الشاعر والمتلقي يدركان ان غيرهما يعتز بنفس الدرجة بما يعتزون فيه، وأن حبهما لقبيلتهما يقابله حب لشاعر ومتلق على الطرف الاخر لقبيلة ثانية، فلا يتمترسان خلف حب متطرف. وبدلا من الاحتكاكات الوطنية بين الدول، نرى جمهورا عربيا واسعا يهتف مباركا فوز الموريتاني ويقدر اهمية الشعر كحالة وطنية في ذلك الركن القصي من الامة العربية الذي لا تأتي منه الا أنباء الانقلابات.
كان تواصل النجاح هو رد القائمين على المسابقتين، وكان النجاح هو ما ثبّت الموعد السنوي للمسابقتين. فعندما ترى المئات، بل الالوف، من الشباب السعودي وهم يتدفقون على المشاركة في جولات الترشيح الاولية لمسابقة "شاعر المليون" التي تجرى في العواصم والمدن العربية الكبرى، يمكنك أن تقدر أهمية "اولمبياد الشعر" الذي انطلق من ابوظبي. فالشعراء العرب، مثلهم مثل الرياضيين، وضعوا على مفكرتهم السنوية الموعدين الأهم شعريا، وخصصوا بقية السنة للتدريب والاستعداد.
الفوز الموريتاني بإمارة الشعر والرضا السعودي بالمركز الثاني والدهشة المصرية بالمركز الثالث كلها علامات صحية على بيئة ثقافية تنمو وتتوسع بشكل صحيح. وعندما نرى بقية الصورة الثقافية في ابوظبي من اهتمام بالموسيقى والادب والترجمة والفنون التشكيلية وتوعية الشباب بأهمية الثقافة وتعليم الصغار مفردات التراث وخصوصية التجربة الوطنية وتقدير ثقافات وتراث الاخرين، ندرك اهمية الصرح الذي يشيد في أبوظبي.