موسوعة عراقية لطب الاعشاب

بغداد
عطارة، على اصولها

يقترن ذكر النباتات والأعشاب غالباً بالطب الشعبي، رغم أن التداوي بالأعشاب هو مجرد جزء من هذا الطب الشائع في أكثر من مكان في العالم، إذ يشمل على المعالجة بمواد معدنية وحيوانية، مثلما يستخدم وسائل أخرى كالأدعية والتعاويذ, وحتى السحر والخرافات، ولكن الأعشاب والنباتات طغت بشهرتها على غيرها، ولهذا كان الاهتمام بها كبيراً من حيث التصنيف والجمع وتحديد الفوائد، وتجاوزت العناية بها مجاميع العشابين، إلى المراكز والمؤسسات الحكومية.
وينهض المعشب الوطني العراقي، الذي تأسس عام 1946، بمهمة توثيق السلالات النباتية، تماماً كالذي يجري عند البشر في رسم شجرة الأنساب. وهذه مهمة ليست بالسهلة بالنسبة للنباتات، ولكن رغم ذلك، وهذه مفارقة، فإنه يمكن تعقب الأصل الوراثي لنبتة ما غلى فترات بعيدة جداً.
وتقول مديرة المعشب ساهرة عبد الرحمن، ملخصة مهمات المعشب بالمسح الشامل للنباتات الطبيعية في العراق, سواء بتشخيصها, أو ترتيبها حسب العائدية التصنيفية في ما يسمى المملكة النباتية. أطلس نباتي وموسوعة أعشاب ويحفظ المعشب النباتات كوثائق رسمية للباحثين والدارسين, إضافة إلى تزويد الباحثين في دوائر الدولة المختلفة بالاستشارات العلمية, سواء ما يخص النباتات البرية والمزروعة في العراق. وتضيف قائلة لدينا تنسيق مع معامل الأدوية والصيدليات، لتحديد النباتات الطبية, وتشخيص الاسم العلمي العربي والأجنبي للنبات، إضافة إلى تقرير أي النباتات انقرضت, وأي منها تكاثرت.
وتقول عبد الرحمن: "لقد تكونت لدينا فكرة إصدار أطلس يوضح توزيع النباتات الطبيعية، وهذا ما قادنا إلى عملية مسح شامل على مستوى العراق, يجري حسب التقسيمات الطبيعية, وتنظم جولات ميدانية في جميع المناطق, على مدار فصول السنة, لجميع العينات النباتية وحفظها, بعد تجفيفها, لتكون مرجعاً علمياً. وفعلاً تم حصر وتوثيق قرابة (2700) نوع، تمثل 70 في المائة مما هو موجود".
والجدير بالذكر هنا أن العينات الموجودة, كما تضيف عبد الرحمن, توثق حسب النظام المتبع في معشب (كيو) البريطاني، كونه المعشب العالمي المعروف في هذا المجال. وتواصل مديرة المعشب الوطني قائلة إن "كثرة النماذج, وضرورات توثيقها, كانت وراء إصدار الموسوعة النباتية العراقية منذ عام 1966، وقد صدر منها ثلاثة مجلدات حتى عام 1986، وبقى لدينا أكثر من 40 عائلة نباتية بدون توثيق, جراء المقاطعة المفروضة على العراق". خدمات للعشابين وصناع الأدوية ومن ضمن نشاطات المعشب قيامه بالإشراف على الحديقة النباتية في بغداد منذ نصف قرن، وهي الحديقة التي تضم قرابة 600 شجرة. ويزور المعشب الكثير من العشابين للاستفسار عن بعض النباتات، أو الاطلاع عليها، ومعرفة فوائدها الطبية.
أما الدكتور عبد اللطيف رحيم، وهو مهندس وباحث زراعي في المعشب فيقول إن المؤسسة العلمية تهتم بتطوير السلالات النباتية وتطورها, سواء المنقرضة منها أم الموجودة حالياً، بمعنى أنه ينهض بمهمة العناية بالتراث العراقي في مجال النبات الطبيعية، والعوائل النباتية, مرتبة حسب العوائل والأجناس والأنواع الخاصة بالنباتات العراقية.
ويضيف أنه تم وضع رقم محدد لكل عائلة، وعادة ما يشير الرقم الأول إلى النبات في مرحلة تطوره على الأقل، وبهذا يكون تصنيف تطور النبات من الأعلى إلى الأدنى.
إن عشرينات القرن الماضي، كما يقول الدكتور رحيم, الذي كتبت بحوثا عديدة في هذا المجال، شهدت متابعة أجيال النباتات، وفي عام 1934 جرى تحديد أجيال النباتات, التي كانت موجودة قبل هذا التاريخ بعقود، من قبل اختصاصيين معروفين، ولكن عام 1946 كان بداية الانطلاق الرسمي لتدوين أنساب النباتات، وجمع نماذجها وفرزها وحفظها.
وعلى امتداد الأعوام الماضية وصل عدد العينات المحفوظة في المتحف إلى حدود 65 ألف عينة، تتوزع على 800 جنس, وثلاثة آلاف نوع. ويلاحظ الزائر أن أغلبها نباتات عراقية، وبعضها تم جلبه من الخارج.
والعمل في المعشب ليس توثيقاً فقط، ولكنه موظف لأهداف محدودة, منها إكثار النباتات النادرة, وتطوير المحميات الموجودة، ولهذا يرتبط المعشب بالشركة العامة لفحص وتصديق البذور، المسؤولة عن توزيع البذور الجيدة والمحسنة على المزارعين، وهو يضم محميات أو مسيجات يبلغ عددها 14, منها ما هو نباتي, ومنها ما هو مختلط، وأكبر المحميات الموجود تقع في سنجار بالموصل, وتبلغ مساحتها 1200 دونم مربع.
وتحظى النباتات والأعشاب الطبية بجهد بارز في المعشب, وهي مما يستخدم في الطب الشعبي العراقي. ويقول حسين عطية، الحاصل على إجازة من مديرية الأعشاب الطبية، في وزارة الصحة، إن المعشب يقدم خدمة كبيرة للعشابين, من خلال التعريف بأنواع كثيرة من النباتات، إذ تستخدم أنواع عديدة منها في معالجة الأمراض، مثل عشبة السوس والزعرور والبابونك وحبة البركة والحنظل والحلبة والكمون والزعفران والكزبرة والثوم والكجرات وكرفس البئر وغيرها.
ويذكر التراثي المعروف ناجي محفوظ، أن التداوي بالأعشاب هو أحد فروع الطب الشعبي، ومن هنا تبدو قيمة هذا المعشب.
ويشير الدكتور عصمة يوسف الله، المختص بالصيدلة، إلى أن التداوي بالأعشاب معروف في العراق منذ عصور بعيدة، وقد وجدت مكتشفات ولُقى في قصور تعود إلى عهد الملك آشور بانيبال سنة 626 قبل الميلاد, تتضمن أسماء العديد من النباتات ذات الاستخدام الطبي. وهناك ما بين 250 إلى 350 ألف نبتة وعشبة مصنفة عالمياً, يستخدم منها نحو 50 ألف نوع لإنتاج المستحضرات الطبية. (ق.ب.)