موسكو تحتفل بعيد ميلادها الذي تجاوز ثمانية قرون

موسكو - من رايسا زوبوفا
تمثال الامير يوري دولغوروكي مؤسس موسكو

الايام الاولى من شهر ايلول/سبتمبر في موسكو هي ايام عيد المدينة. وقد بدأ التقليد باقامة عيد على شرف العاصمة الروسية من فترة غير بعيدة ترجع الى عام 1986.
ويولي مسؤولو مدينة موسكو كعمدتها يوري لوجكوف ونائب العمدة فيكتور شانتسيف أهمية خاصة لهذا التقليد ولا يبخلون بالاموال على اقامته. وكما اثبتت استطلاعات الرأي فان عدد السكان الذي يعتبرون ان الاحتفال في بداية ايلول/سبتمبر هو مجرد هدر وخسارة لاموال الخزينة يقل سنة بعد سنة. فعيد المدينة يعطي سكان موسكو امكانية الشعور بالشراكة والاصالة والاحساس بالفخر بمدينتهم.
اما مقومات الافتخار فهي موجودة بدرجة كافية ومن بينها العمر العريق للمدينة الرئيسية لروسيا الذي وصل الى حدود 855 سنة. وبهذا المؤشر تعد موسكو من أعرق العواصم الاوروبية. وكل طفل في روسيا يعلم ان نقطة الارتكاز في احتساب عمر العاصمة هي سنة 1147 اي السنة التي ذكر فيها للمرة الاولى اسم موسكو في الوثائق التاريخية الروسية.
ويعتبر الامير يوري دولغوروكي، الذي عاش في تسعينيات القرن الحادي عشر، مؤسس موسكو. وحتى السلطة السوفييتية التي كانت لا تحسب حسابا للملوك أعطت الامير حقه ووفته قدره ببناء تمثال له يجسده راكبا على حصانه وكان ذلك العام 1947 في وسط العاصمة في ساحة تفيرسكايا.
اما العمدة الحالي يوري لوجكوف فقد أسس في موسكو نوعا من القدسية لدولغوروكي. فبطلب من العمدة سميت أفضل وأغلى فودكا من انتاج المصنع المشهور "كريستال" باسم الامير كما وسميت باسمه غواصة تابعة لاسطول الشمال ترعاها العاصمة بالاضافة الى منشآت وسلع أخرى.
ان موسكو مدينة تختزن كل العصور التاريخية من القرن الحادي عشر حتى العشرين. وعلماء الآثار الذين يعملون بلا كلل على التنقيب في موسكو يلمحون في كلامهم الى ان عمر العاصمة أكبر بكثير مما يعتقد وهم لا يفقدون الامل بانهم سيجدون اثباتات حسية مادية على ذلك. وجل ما في الامر ان الموسكوبيين يريدون ان "يلحقوا" على صعيد العمر بتلك المدن الشقيقة المجاورة كمدينة قازان عاصمة تتارستان، وكييف عاصمة اوكرانيا اللتين بلغتا من العمر ألف سنة، ومدينة مينسك عاصمة بيلوروسيا البالغة أكثر من 900 سنة. ولكن عمر الـ 855 سنة لا يدعو الى الخجل بكل تأكيد.
ومن المقومات الخاصة للافتخار بموسكو ذلك الاثر الذي تركته العاصمة في الثقافة الروسية. ان التراث الادبي المكرس لموسكو يعد ضخما بالفعل. فالادباء والشعراء الروس الكبار كرسوا لموسكو منذ لحظة نشأة الادب على الارض الروسية عمليا كلماتهم ومعانيهم المعبرة. "كيف انني في معظم الاحيان في ساعات الفراق الحزين الذي يطغى على قدري الشارد افكر فيك يا موسكو!". انه بوشكين. "انني اقبلك في صدرك ايتها الارض الموسكوبية". انها مارينا تسفيتايفا.
هناك الالوف مثل هذه الكلمات والجمل. فمع مرور القرون لم يقم الشعراء بالتغني فقط بالتلال السبع التي شيدت عليها المدينة، وبالكرملين رمز البلاد والعاصمة، وبالطريق الحدائقية الدائرية وانما بكل شارع وكل زاوية وكل مبنى وحتى بحافلة موسكو الكهربائية.
ومن دواعي الفخر لدى العاصمة وسكانها على السواء تلك التغيرات التي حصلت فيها خلال السنوات الاخيرة. فالمدينة تشهد التحولات منذ العام 1991 فتصبح اجمل وأكثر راحة ورخاء وتتحول الى عاصمة اوروبية حقيقية. ففي موسكو تجري اعادة ترميم الآثار المعمارية والتاريخية وتشيد فنادق ومكاتب حديثة وتقام حدائق عامة ومناطق للمشاة جديدة، كما تجهز النوافير وتقام التماثيل.
واعيدت خلال السنوات العشر الاخيرة ابنية كانت قد فقدت مثل كنيسة المسيح المخلص في فولخونكا وكنيسة قازان وابواب القيامة وبرج ساعة ايفرسكايا على الساحة الحمراء وغيرها الكثير.
ليس الكل معجبون بالشكل الذي تظهر به المباني الجديدة في موسكو، بل ان الكثيرين مستاؤون من الذوق المعماري الروتيني الذي يتمتع به المسؤولون الموسكوبيون ومن ميلهم نحو "تزيين" الشوارع بمنتجات الفن التراثي. كما ويزعج البعض الجو التجاري الذي يسود موسكو تاركا بصماته على طابعها.
ولكن ذلك كله مؤقت وموسكو قادرة على تحمل ذلك ايضا. فالتاريخ يعرف في نهاية المطاف العديد من الامثلة عندما أدى قيام ابنية وتماثيل في البداية الى اصابة سكان المدينة بالصدمة وأثار عاصفة من الاحتجاجات وحتى مطالبة مشددة بازالة الجديد الذي تم وضعه. ولكن بعد مرور عقد من الزمن اصبحت تلك المنشآت جزءا لا يتجزأ من شكل المدينة. فيكفي ان نتذكر برج ايفل او مركز بومبيدو في باريس. ان المهم هو ان تحافظ المدينة على جوهرها لدى تغيير شكلها الخارجي.
ان موسكو ليست متحفا وانما جسم حي ومدينة حديثة ذات 10 ملايين نسمة محبوبة من سكانها. وهذا يعد الضمانة الاساسية لمستقبل العاصمة الروسية. "كنت ارغب لو اعيش واموت في باريس لو لم تكن هناك ارض اسمها موسكو". جملة يرددها اهل موسكو وقالها الكاتب الروسي فلاديمير ماياكوفسكي.