موريتانيا.. نحو الجمهورية الثالثة؟ من تنصيب رئاسي إلى آخر: 18 ابريل 1992 و19 ابريل 2007

في ذكرى لحظات سعيدة.. "تجري الاستعدادات هذه الأيام لوضع اللمسات الأخيرة على الدولة الموريتانية الجديدة ذات المؤسسات الدستورية اللائقة والتي كرستها إرادة الشعب الموريتاني صاحب الحق. وستبرز الجمهورية الجديدة للناظرين في ثوبها القشب بين الحين والآخر. والرجل الذي أراد لها أن تكون كذالك وضحى في سبيلها بما لديه ووهب لها سيفه ودرعه وترسه، سيبرز إلى جانبها في ثوبه القشب هو الآخر.. وسيحضر الأصدقاء والأقارب والمتطفلون والناس جميعا باستثناء الجيران... لكن غيابهم لن يغض من جلالة المشهد ولا من سحر تلك اللحظات: فسيرى الراؤون موريتانيا الجديدة وهي تدوس النجوم بأخمصيها.
لحظات فريدة بالتأكيد.
ثم، يصحوا الناس وتستعيد الحياة اليومية تعاستها المعتادة...
وتبلى الحلل وهي جديدة.. إلا أن الحضور سيذكرون دوما أنهم عاشوا تلك اللحظات.
أما الجمهورية الجديدة فسيبقى لها دائما أن تذكر الرجل الذي اختارها لنفسه - إذا هو نسي- بأنه مخير بين أمرين في معاملتها: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
("لحظات سعيدة" هي افتتاحية صحيفة "البيان" الموريتانية/ عدد 11، من 16 إلى 26 ابريل 1992) بين الليلة و.. البارحة على وقع رسائل التهاني والتبريكات من كل أرجاء العالم لكل من الرئيسين الموريتانيين الجديد المنتخب وكذا الآخر المنتهية ولايته، تغمر الموريتانيين هذه الأيام مشاعر فياضة تمتزج فيها نشوة الانتصار والنجاح إلى جانب التعقل وكظم الغيظ والتأني والتحلي بالبراغماتية والانشغال بحسابات الربح والخسارة وتخمين المحاصصات بالنسبة لجميع الأطراف التي شاركت في اللعبة.
والكل مستسلم لدغدغة الإطراءات العربية والدولية المشيدة بنجاح المسلسل الانتقالي نحو الديمقراطية في موريتانيا والتغني بتفرد تجربة هذا البلد وأهمية استخلاص "أسرار" الدرس الديمقراطي من عند أهله، بينما تبدوا أغلبية النخب العربية وكأنها تكتشف للتو لحظة شاردة لـ "تجليات" الديمقراطية الموريتانية بالرغم من أن عمر هذه التجربة يربو الآن على 16 سنة منذ وضع أول دستور تعددي عرفته البلاد سنة 1991. يتم كل هذا وموريتانيا - التي تقف مجددا على مفترق طرق حاسم – تنتظر موعدا آخر مع التاريخ. إذ، بعد أقل من ثلاثة أسابيع، سيجري تنصيب الرئيس المنتخب واستلامه لمقاليد السلطة في 19 ابريل/نيسان 2007 من طرف المجلس العسكري للديمقراطية والعدالة الذي قاد المسلسل الانتقالي منذ 3 اغسطس/اب 2005. ويبدو أن مشهد تنصيب رئيس الجمهورية سيتكرر للمرة الثانية في تاريخ هذا البلد، بعد أن تم تنصيب أول رئيس منتخب- قبل خمسة عشر سنة- في 18 ابريل/نيسان سنة 1992!
فما الذي ستتميز به "اللحظات السعيدة" لـ 19 ابريل/نيسان 2007 عن تلك "اللحظات السعيدة" الماضية لـ 18 ابريل/نيسان سنة 1992، كما خلدتها لنا افتتاحية صحيفة البيان؟ وهل من جديد حقا؟ أم أن لسان حال الديمقراطية الموريتانية يقول: كل مرحلة انتقالية وانتم بخير وكل تنصيب وانتم بخير؟
وإذا كانت كل محاولة لتقييم المرحلة الانتقالية - بما لها وما عليها- تعد من السابق لأوانه وغير مواتية من الناحية المنهجية، فإن واجب التساؤل المتيقظ عن "ما بعد" المرحلة الانتقالية يظل واردا، بعيدا عن أجواء التحمس المشروع ومواقف التفاؤل والتشاؤم التي تتنازع الرأي العام هذه الأيام.
فهل ستنجح موريتانيا "ما بعد" المرحلة الانتقالية في التصالح مع ذاتها قصد وضع تصور مبدع لتشكيل نظام سياسي أو ترسيمة سياسية "براديم" paradigme جديد مغاير وقادر على الاضطلاع بالمهام المرحلية الجسيمة؟ وما هي أهم ملامح ومقومات وخريطة هذا النظام السياسي الجديد، وما هي معالم وسيناريوهات التغييرات والإصلاحات التي تمليها المرحلة وما أجندتها الزمنية الممكنة؟
ماذا عن أدوار مختلف الفاعلين السياسيين داخل الساحة الموريتانية وخارجها؟ ماذا عن المعطيات الإقليمية والدولية؟ وهل توجد إرادة صادقة وجدية لدى مختلف فرقاء المشهد السياسي الموريتاني للتأمل والتفكير والإصلاح؟ وهل ستتاح لهم الظروف الملائمة لذلك؟ وكيف سيكون المستقبل السياسي لموريتانيا؟ وما هي التطورات المحتملة والآفاق المنظورة لمرحلة ما بعد المسلسل الانتقالي؟ هل نضجت الظروف الموضوعية لإقامة الجمهورية الثالثة في موريتانيا؟ أم أن مناخ الصحراء وتقلباته المفاجئة سيبقى سيد الموقف؟
من وجهة نظر تحليل استراتيجي بارد لخلفية المسلسل الديمقراطي الانتقالي والاستحقاقات الانتخابية ( البلدية، البرلمانية والرئاسية) التي تمخضت عنه، وتداعياتها المختلفة، تظهر جملة من المعطيات البنيوية المهمة التي تشكل الإجابة عليها محددات أساسية لبلورة طبيعة واتجاهات تطور الأحداث الراهنة وآفاقها المستقبلية داخل الساحة الموريتانية.
هل انقلاب 3 اغسطس/اب "الناجح" الذي - بالرغم من كل شيء – قد أطاح برئيس جمهورية منتخب ومنصب، سيكون مجرد ضجة قامت وانتهت بسلام من خلال تسليم السلطة لرئيس آخر منتخب ومنصب على مرأى من طوابير المراقبين الدوليين والمحليين؟ وما هي الضمانات الضرورية لاستقرار موازين الحكم في البلد والخروج به نهائيا من الحلقة المفرغة للديمقراطيات الانتقالية بشهود أو من دون شهود؟ أم أن ذلك الانقلاب سيشكل نهاية فعلية لفترة الاستقرار السياسي النسبي التي عرفتها موريتانيا منذ آخر انقلاب عسكري سنة 1984؟ وعلى ضوء ذلك ما هي طبيعة وحجم المخاطر التي تتهدد البلاد في المستقبل المنظور:

- هل هي مشاكل أمنية وعسكرية: دوامة انقلابات، انفلات أمني داخلي، انفراط عقد الوحدة الوطنية، انتشار العنف المسلح؟ الإرهاب؟
- هل هي مشاكل سياسية وتواصلية: أزمات ثقة، تعرقل المسار الديمقراطي، انحسار المشاركة، العجز التواصلي، الاحتقان السياسي، الصراع على السلطة، الحرب الأهلية؟
- هل هي مشاكل اجتماعية واقتصادية: تعثر خطة الإصلاحات الاقتصادية، فشل برامج مكافحة الفقر، تخلف الغطاء الصحي والضمان الاجتماعي، اتساع دائرة التهميش، استفحال البطالة، تراكم الإحباط والتوتر، تنامي الاضطرابات المجتمعية؟
- هل هي مشاكل بيئية ومناخية: كوارث طبيعية كارتفاع المد البحري واشتداد الجفاف والتصحر وانتشار التلوث البيئي؟
- هل هي مشاكل "جيوبوليتيكية" ودبلوماسية: نزاعات حدودية مع بعض دول الجوار، خلافات وأزمات دبلوماسية إقليمية، اختلالات في قراءة موازين القوى الدولية، أخطاء في السياسة الخارجية، عزلة دبلوماسية؟ رهانات المرحلة بعد اكتمال المسلسل الانتقالي، وفي انتظار استلام الرئيس المنتخب وحكومته المدنية والبرلمان الجديد لمقاليد السلطة السياسية في البلاد في 19 ابريل /نيسان الجاري، بإمكان المراقبين التساؤل عن ماذا بعد؟ وما هي رهانات المرحلة القادمة؟ وكيف سيكون المستقبل السياسي لموريتانيا "الجديدة"؟ وما هي التطورات المحتملة والآفاق المنظورة "لما بعد" المسلسل الانتقالي؟ وهل سيتعزز السعي نحو إقامة الجمهورية الثالثة؟ وما هي الشروط والمستلزمات الضرورية لذلك التحول الكبير؟
- هل ستتم إعادة تأهيل وتفعيل الطبيعة الجمهورية لنظام الحكم السياسي في البلد بما يقيم دعائم ثابتة لتأسيس الجمهورية الثالثة ويمكنها من الاضطلاع بجدية وكفاءة بكامل مهامها ومسؤولياتها داخليا وخارجيا على أساس من الحكمة والانفتاح وحسن تقدير الأمور واحترام القوانين والنظم والمؤسسات الجمهورية في عملية تفاعل وتكامل وتطور واع ومسؤول لخدمة مصالح الشعب الموريتاني أولا وقبل كل شيء؟
- هل سيتم بناء جسور حقيقية وجادة للحوار الديمقراطي بين ومع مختلف الفاعلين السياسيين الوطنيين في الساحة وخارجها وتبني مبادرة إعادة بناء خطاب سياسي وطني عصري يتعالى على الثنائية الكلاسيكية لـ "السلطة والمعارضة" ويقوم على أسس جديدة وجدية تتركز حول قضايا: (أ) مصلحة و(ب)أمن و(ج)استقرار و(د)تنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية؟
- هل ستحسم - نهائيا وحصريا- إشكالية شرعية الوصول إلى السلطة وتداولها لصالح التغيير الديمقراطي التعددي والسلمي - بعيدا عن كل أشكال العنف كخيار بديل- مع تبني ميثاق شرف جمهوري لنبذ وتجريم أي شكل آخر مغاير؟
- هل ستقلع موريتانيا فعليا نحو نموذج دولة القانون مع تطوير آليات ديمقراطية توفر- على الدوام- حدا مناسبا من الحرية والتعددية الحزبية والمدنية والإعلامية بما يحسم نهائيا موضوع التغيير السياسي لصالح الخيار الديمقراطي المدني ذي الطابع السلمي وبما يضمن استتباب السلم الاجتماعي ويحقق التنمية الشاملة والمتوازنة؟
- هل سيتم إيجاد حل جذري للمعضلة المزمنة المتمثلة في تسييس وتجيير مؤسسات الجيش والأمن الوطني في لعبة استغلال واحتكار "العنف العمومي" كوسيلة للوصول إلى السلطة والتمسك بها تحت أي ذريعة؟
- وهل ستوضع ضوابط موضوعية وميكانيزمات فعالة للتعاطي مع المؤسسات العسكرية والأمنية باعتبارها مؤسسات جمهورية لها ما لها وعليها ما عليها بموجب القانون ولا يمكن أن تكون- بأي حال من الأحوال- فوق الجمهورية و/أو في مواجهة معها؟
- هل سيتم التمكن من إعادة صياغة مفهوم ومهام الأمن العام وممارسته فنيا ومهنيا وأخلاقيا حسب مقتضيات دولة القانون، ليس باعتباره مسؤولية الحكومة وأجهزتها المختصة فحسب، بل باعتباره يمثل جوهر رعاية المصالح العمومية بما يضمن صيانة السلم الاجتماعي للجميع أي لمكونات الدولة الموريتانية ذاتها؟ 3 سيناريوهات ممكنة حسب المؤشرات الراهنة، يمكن تمييز ثلاثة سيناريوهات ممكنة للتطورات السياسية لما بعد المرحلة الانتقالية في موريتانيا. وتعتمد هذه السيناريوهات كلها علي معطي رئيسي أساسي ألا وهو مزاج واقتناع وإرادة واستعداد النخب الموريتانية المختلفة المدنية منها والعسكرية وكذا مدى حساسية وتفاعل دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي والاستخباراتي المؤثرة محليا، إقليميا ودوليا لإجراء أو لعدم إجراء التغييرات والإصلاحات الضرورية المناسبة للتعامل مع الموقف الجديد وتداعياته علي مختلف الأصعدة: - سيناريو أول إما أن تخرج من المرحلة الانتقالية كل الأطراف التي ستشكل "البراديم" paradigme السياسي الجديد منهكة وقلقة على المستوى الشخصي والوظيفي، وهو ما سيؤدي بها إلي الارتماء في أحضان بعض دوائر العسكر من خلال تجديدها - من موقف ضعف- لأشكال من التعاقد الأدبي الضمني مع بعض أوساط المؤسسة العسكرية لتأمين حماية واستمرار حكم النظام السياسي الجديد.
و في هذه الحالة، قد تشهد البلاد جملة من التغييرات يمكن التماس ملامحها الأساسية كالآتي:
- تعاظم غير محدود للأدوار السياسية والأمنية لبعض الضباط العسكريين، خصوصا منهم المشاركين الرئيسيين في الحكم أثناء المرحلة الانتقالية.
- إعادة تمحور الحياة السياسية حول العسكر من خلال إحياء الخلايا العسكرية النائمة للتنظيمات السياسية والعشائرية والعرقية الموجودة داخل الجيش والعودة بكل الفرقاء إلى التنافس على أمور الحكم وتوزيع الثروة في موريتانيا عبر مؤسساته.
- دخول ضباط عسكريين إلي الحكومة المدنية لاستلام حقائب وزارية محورية مثل الدفاع والداخلية، الخ...
- تراجع وتهميش أدوار الحكومة والهيئات المدنية الرسمية مثل البرلمان بغرفتيه والمجالس البلدية المنتخبة.
- تقهقر الديمقراطية الهشة وتراجع الأدوار المدنية ـ المحدودة أصلا ـ للتنظيمات المدنية الأهلية مثل الأحزاب السياسية والنقابات والصحف المستقلة والمنظمات غير الحكومية إلخ.
- إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية الموجودة واستحداث أجهزة جديدة للقيادة والتحكم تهيمن عليها القوى المتنفذة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية. - سيناريو ثاني إما أن تخرج من المرحلة الانتقالية كل الأطراف التي ستشكل "البراديم" paradigme السياسي الجديد متماسكة لتجاوز كل معوقاتها الذاتية والموضوعية وحازمة في اتخاذ القرارات المناسبة، وتستجمع كامل شجاعتها الأخلاقية والسياسية وتستثمر الآمال العريضة للشارع والنخب الوطنية من اجل استعادة حقيقية لزمام المبادرة بما يضمن إجراء التحريات والدراسات والتحقيقات والتحليلات الجادة والموضوعية من أجل القيام بتشخيص موضوعي شامل للواقع الموريتاني قصد فهم حقيقة المشاكل والتناقضات الموجودة وتداعياتها المختلفة وبالتالي استخلاص الدروس والخروج بالاستنتاجات المفيدة لاتخاذ الإجراءات والحلول الضرورية والفعالة لمعالجته بنيويا.
و في هذه الحالة، قد تشهد البلاد جملة من التغييرات يمكن التماس ملامحها الأساسية كالآتي:
- تفعيل أجواء الحياة الديمقراطية وتطوير ثقافتها من خلال تعميق المشاركة السياسة الايجابية وتشجيع الشفافية في تسيير الأمور العامة وتحسين إجراءات الانتخابات القادمة وضمان الحياد الحقيقي من طرف الحكومة والإدارة وتشجيع وسائل الإعلام الرسمي علي الاهتمام بالحوار والمناقشة والمناظرة العلنية حول القضايا والإشكاليات العمومية المطروحة علي الساحة الوطنية والدولية وكذا دعم هيئات وتنظيمات المجتمع المدني مثل النقابات والمنظمات غير الحكومية والصحافة الحرة، الخ...
- إعادة هيكلة وتنظيم الأجهزة الحكومية والإدارية للدولة بما يضمن إصلاح القطاعين المدني والعسكري ومؤسساتهما عبر إعادة تحديد الوظائف ورسم الأدوار والصلاحيات والمسؤوليات ورصد الإمكانيات وإدخال آليات فعالة للمتابعة والتقييم والمراقبة المستمرة والحرص علي حسن اختيار الرجال والنساء الأكفاء والنزهاء والوطنيين وكذا السهر علي التطبيق الفعلي لمبدأ المكافأة والعقوبة.
- مراجعة وتحسين معايير اختيار الموظفين والمسؤولين الكبار في الحكومة والأجهزة الإدارية والمؤسسات والمشاريع الحكومية، بما يضمن الحد من الفساد وتوخي النزاهة الأخلاقية والكفاءة المهنية والحرص علي المردودية والابتعاد عن منطق المحاباة والمجاملة والعلاقات الزبونية في تعيين المسؤولين عن تسيير المرافق العمومية في الدولة.
- إصلاح حقيقي لقطاع العدالة والحرص علي استقلاليته وفصله الفعلي عن جهاز الحكومة وهيمنة الادعاء العام عليه وكذا إعادة تنظيم وتفعيل دور القضاء والمحاكم قصد تكريس العدالة لكل المواطنين علي السواء ومن دون تمييز والحد من الشعور بالظلم والإحباط والتهميش؛
- التصدي لمعالجة ملفات المظالم مهما كانت طبيعتها ومهما كان أصحابها، قصد دراستها وتقييمها بصورة جدية وتشاركية ومعلنة بغية إحقاق الحق وإعطاء كل ذي حق حقه والاستفادة من التجارب المفيدة لكل الأمم والشعوب وخبراتهم النافعة في هذا المجال؛
- إعادة الاعتبار لأهمية التواصل والإعلام الحر في عالم اليوم، والمبادأة بإصلاح قطاع الإعلام الرسمي المرئي والمسموع بإعادة رسم وعصرنة إستراتيجية إعلامية للدولة وتحديد الوظيفة التواصلية الجديدة لوسائل الإعلام في ظل سيادة الديمقراطية ودولة القانون من جهة وسن القوانين والمراسيم التطبيقية لحرية إقامة واستغلال مؤسسات إعلامية سمعية وبصرية خصوصية وضمان احترام اختياراتها ومواقفها واستقلالية شؤونها. - سيناريو ثالث إما أن تخرج من المرحلة الانتقالية كل الأطراف التي ستشكل "البراديم" paradigme السياسي الجديد حائرة وخائفة علي المستوي الشخصي والوظيفي، وبالتالي عاجزة عن التركيز لفهم وإدراك متغيرات الموقف الجديد ومقتضياته الأساسية وقراراته المطلوبة وبالتالي تبقى مستسلمة للتداعي الحر لمجريات الأحداث والتطورات من دون تدخل فعلي جوهري وحاسم.
و في هذه الحالة، قد تشهد البلاد جملة من التغييرات يمكن التماس ملامحها الأساسية كالآتي:
- سيطرة أجواء التردد والميوعة والارتجال على مستوى الأفكار والتصورات والتوجهات والإجراءات العملية واللجوء إلي أشباه الحلول والمعالجات المبتورة؛
- الاكتفاء بإدخال بعض التغييرات السطحية والتحسينات الشكلية التي لا تمس جوهر التراكمات والمشاكل التي قادت البلاد إلي الوضع الراهن ولا تؤثر إيجابيا على معالجة أزماته وتداعياته على مختلف الصعد.
- استمرار واستحكام أساليب المراوغة والمناورة التي نجحت في إتباعها – منذ الاستقلال حتى الآن- " اللوبيات" الفساد المتغلغلة والمتصارعة داخل مختلف أجنحة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية وكذا الأوساط السياسية والحزبية والدوائر الاقتصادية والمالية المتنفذة، من أجل ضمان استمرار سيطرتها علي الأمور وإقصاء أو تهميش أو احتواء كل الأفكار والمبادرات النصوحة والجدية والمخلصة للمثل الثقافية والتطلعات الوطنية الموريتانية والهادفة إلي تحقيق الإصلاح والتنمية الشاملة والمتوازنة والعدالة والسلم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي والاجتماعي للشعب الموريتاني. أجندة للتغيير.. أمام تعقيد مخاضات "الوضع الجديد" في موريتانيا ما بعد المرحلة الانتقالية، وفي ظل إفرازاتها المختلفة لتهيئة الساحة لتقبل والتفاعل مع تلك المخاضات وترتيباتها المختلفة - وبالنظر لصعوبة الخروج بقراءة استشرافية واضحة لاتجاهات الموقف الراهن وتطوراته المحتملة- يميل بعض المراقبين إلى التكهن بأن عمق الهزات التي تعرضت لها موريتانيا عبر 47 سنة منذ تاريخ استقلالها في 1960 والمصاعب المنظورة في القدرة على تسيير الورش الكبرى برسم المرحلة القادمة بدون حصول تراض ولو تكتيكي بين مكونات الطيف السياسي الممثل داخل البرلمان لـ "البراديم" paradigme السياسي الجديد، بالإضافة إلى التأثير النفسي لواقع التعامل مع التجربة الطازجة ذاتها، ربما ستشكل كل هذه الأمور وغيرها معطيات مفتاحية أولية قد تفرض نفسها على تركيبة وأجندة التوليفة السياسية المنتظرة.
ويتعزز هذا المنحى خصوصا في ظل تنامي الآمال التي يغذيها الرأي العام الوطني والدولي وكذا الضغوط غير المباشرة للشارع في سبيل تحقيق تغيير جوهري من شأنه أن يخفف من المعاناة اليومية للمواطنين من مختلف الطبقات والبيئات الحضرية والريفية، بما يسهم في نزع فتيل الطابع الصراعي للعلاقات المجتمعية والاقتصادية ويعيد ضبط وتوجيه "عنفيته" نحو مجال التنافس السلمي والمدني الايجابي.
هذه الاعتبارات وغيرها، ربما أسهمت إيجابيا في إنضاج الظروف المحيطة بالمرحلة القادمة والدفع بالنخب الوطنية الفاعلة المدنية منها والعسكرية إلى التصرف بمنطق رجال الدولة وصولا إلى سقف جديد من الوعي الحذر ربما يملي على الكل ضرورة عقلنة و ترشيد الرؤى والقرارات والتصرفات في سبيل الوصول إلى أرضية مشتركة تسمح بإعادة ترتيب أولويات السياسة الداخلية والخارجية للبلد بشكل عام، ليتم التركيز - من بين أمور أخرى - على القضايا التالية باعتبارها مفيدة لمصلحة وأمن واستقرار وتنمية مشروع الجمهورية الثالثة:
- فتح مشاورات جدية من أجل وضع تصور أولي للشروط المرجعية لمشروع ثقافي وطني إصلاحي شامل والعمل لإنجاز الدراسات الحصيفة والمتخصصة لهذا المشروع بشكل يعالج مختلف القضايا الحيوية في المجتمع والدولة، خاصة النواحي الدستورية والمؤسسية والسياسية والمدنية والقطاعية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية؛ وكذا السعي لإجراء دراسات وافية من أجل إعادة رسم السياسات الوطنية في مجالات الأمن والدفاع والسياسية الخارجية للدولة على أسس موضوعية وإعادة هيكلة المؤسسات المكلفة بهذه الملفات وفقا للحاجيات والمصالح التي سيكشف عنها التشخيص ويتم تدعيم هذا التصور الأولي بأجندة زمنية محددة لتنفيذ المهام وكذا المتابعة والتقييم؛
- تعزيز الانفتاح وتعميق الصلة وفتح باب المشاركة السياسية والمهنية أمام الاتجاهات الإصلاحية الوطنية وتشجيع التواصل وبناء الثقة بين مختلف الأجيال داخل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني قصد بناء جسور حقيقية وجادة للحوار الديمقراطي بين ومع مختلف الفاعلين السياسيين الوطنيين في الساحة وخارجها، وتبني مبادرة إعادة بناء خطاب سياسي وطني يتعالى على الثنائية الكلاسيكية لـ "السلطة والمعارضة" ويقوم على أسس جديدة وجدية تتركز أساسا حول قضايا (أ) مصلحة و(ب) أمن و(ج) استقرار و(د) تنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية؛
- حلحلة الملفات والقضايا العالقة بحكمة وتبصر وعدل وتصفية ملف المعتقلين الإسلاميين بما يضمن استفادتهم من حقهم الشرعي والدستوري في محاكمة عادلة، لا تكون محاكمة لهذه الجماعة على آرائها ومواقفها السياسية، بل محاكمة جادة وموضوعية تتم بطريقة شفافة، محاكمة تليق بمكانة دولة القانون والمؤسسات وتجسد عمليا مبدأ فصل السلطات، محاكمة تقنع بل تحمل القائمين على القضاء، قبل غيرهم، على احترام استقلاليته الفعلية واستقامته واسترجاع هيبته باعتباره ركنا أساسيا لقوام الدولة والمجتمع؛
- إنشاء مجلس وطني للأمن القومي، على غرار النماذج الدولية الناجحة (الهند مثلا)، يتألف من شخصيات وطنية معروفة بأنها فوق الشبهات وعالية الأخلاقية والخبرة والموضوعية ويشترك فيه مدنيون وعسكريون وتكلف هذه الهيئة بمساعدة رئيس الجمهورية على اتخاذ القرارات الصحيحة والمفيدة لمصلحة الجمهورية الثالثة؛
- مراجعة وتفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر وكذا ميكانيزمات تنفيذها بغية تبني عقيدة تنموية تشاركية جدية وفعالة قادرة على تلبية تطلعات الشعب الموريتاني نحو تحقيق التنمية المستدامة التي تظل أهم مقوماتها تتمثل في القدرة على تصور وتنفيذ الإصلاحات الضرورية والحرص على تطبيق أسس الحكم الرشيد ونبذ الفساد وترشيد المصادر والعناية بالإنسان وظروفه المعيشية وحشد الطاقات الخلاقة وتشجيع قيم التسامح والتضامن ونبذ التقوقع والانغلاق ومكافحة الفقر والتهميش؟
- إصلاح وإعادة تنظيم قطاع الإعلام والتواصل بما يتماشى مع وضع دولة ديمقراطية تعددية ترجع السيادة فيها للشعب والولاء لمؤسسات الجمهورية ويطبق فيها القانون والنظام بمساواة وعدالة. ويمر هذا الإصلاح حتما بإعادة هيكلة وزارة الإعلام والمؤسسات الإعلامية العمومية بما يحدث قطيعة مع الخلفية السيكولوجية المبطنة للخطاب الديماغوجي الرسمي والمتمثلة في التعود على احتقار المتلقي والإستخفاف بعقله وكذا تفعيل الهيأة العليا للسمعيات البصرية كمؤسسة جمهورية كاملة الصلاحيات تمارس وظيفتها باعتبارها سلطة للتنظيم مع فتح الإعلام أمام المبادرات الخاصة، لحرية إقامة استغلال مؤسسات إعلامية سمعية وبصرية خصوصية وضمان احترام اختياراتها ومواقفها واستقلالية شؤونها؛
- استكمال وتفعيل تنفيذ إصلاحات اللامركزية الإدارية، على غرار النماذج الدولية الناجحة (فرنسا مثلا) وذلك من خلال استحداث استصلاح ترابي وتقطيع إداري على أسس المزايا التنافسية avantages comparatifs للوحدات الجغرافية مع استحداث مجالس ولائية CR على مستوى الولايات ومجالس عامة CG على مستوى المقاطعات، يتم انتخاب أعضائها بواسطة الاقتراع العام المباشر وتمنح الصفة القانونية والوسائل المالية للقيام بمهامها التنموية على المستويين الجهوي والمحلي وافتتاح ممثليات لجميع الإدارات والمصالح المركزية على المستويات الجهوية والمحلية وإعادة تأهيل الكادر الإداري والفني بغية الاضطلاع بالمهام الجديدة من أجل تقديم الخدمة للسكان عن قرب وتعزيز شعورهم الايجابي بالانتماء للدولة؛
- إحياء وتطوير بعض المؤسسات الجمهورية الكسيحة، كوسيط الجمهورية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي من حيث هو مؤسسة دستورية قد تشكل مرجعية لتفعيل جهود إصلاح المجتمع المدني وتعزيز قدراته وكذا تنسيق أدواره كشريك كامل الأهلية ومحاور للدولة كما يطالب بذلك اتفاق الشراكة المعروف بـ "كوتونو" Accord de Partenariat de Cotonou 2000 المصادق عليه من طرف الحكومة الموريتانية في إطار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة 77 لدول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي وكذا تفعيل وتنشيط أدوار هذه المؤسسات ودعمها بالقدرات البشرية والمهنية والمالية من أجل اضطلاعها بمهامها التنموية والتحكيمية المفيدة.
- تفعيل وتطوير جدي للبرنامج الوطني "للحكم الرشيد" في إطار الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر، بما يضمن خلق وتطوير ونشر ثقافة الديمقراطية بين المواطنين، مدنيين وعسكريين، وتشجيع الولاء لمؤسسات الجمهورية ولبرامج وأفكار محددة بدل ثقافة التملق والنفاق والولاءات الخادعة للأشخاص وللكيانات الضيقة، وإعادة تكوين الموظفين ووكلاء الدولة القائمين على المرافق العمومية وفق ثقافة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ورعاية مصالح المواطنين؛
- إصلاح السياسة الخارجية للجمهورية، من خلال بلورة استراتيجية وطنية للسياسة الخارجية واضحة المعالم، تقوم على أساس السعي نحو تحقيق مصلحة وأمن واستقرار وتنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية وتنبني على (أ) احترام اختيارات وقيم الشعب الموريتاني عبر البرلمان أو الاستفتاء (ب) توظيف الكادر المهني المتخصص وصاحب الخبرة (ج) استقراء علمي موضوعي لمعطيات العلاقات الدولية والممارسة الدبلوماسية وآفاق تطوراتها واتجاهاتها (د) واستغلال جيد ومعقلن لمزايا التكنولوجيات الحديثة في مجال الاتصالات والمعلومات والشبكات الرقمية المستقلة المشفرة والمحمية.
- تبني الدولة لسياسية وطنية جادة في مجال ترقية البحث العلمي بصفة عامة، وخصوصا في مجالات العلوم الإنسانية وإنشاء ودعم مراكز للدراسات الإستراتيجية وتحليل السياسات الإنمائية وفق المعايير الدولية المعمول بها، بغية تشجيع الإسهامات العلمية الوطنية وترشيد وعقلنة آليات اتخاذ القرارات، في أي حقل، بما يمكن أصحاب القرار من الوصول إلى الأهداف المرسومة والحصول على النتائج المتوخاة بنجاعة و مهنية في الأداء؛ في الانتظار.. "غودو" وفي انتظار "غودو" Godot الموريتاني يوم الـ 19 ابريل/نيسان...، يخيم صمت مهيب على المشهد العام في هذا البلد العربي الإفريقي بعد اكتمال حلقات المسلسل الانتقالي بنجاح مشهود. أما الآن وقد بدأ فعليا العد التنازلي لتسليم واستلام السلطة من طرف الرئيس المنتخب، فلا الأطراف المنتصرة تميل إلى إظهار الاحتفال بمكسبها ولا الأطراف الخاسرة تبالغ في إبداء حسرتها على ما فات، والرأي العام الوطني بينهما.. ينتظر تحقيق الوعود الانتخابية المعسولة، أما النخب.. فهي غارقة، بعد الحصاد الانتخابي، في حسابات ستظل تعكس باستمرار مدى التباين بين حساب البيدر وحساب الحقل.
لكن على أي حال، لا يبدو أن الاحتفالية المهيبة لاستحضار الطقوس الديمقراطية بمناسبة التنصيب يوم 19 ابريل/نيسان المقبل، ستستطيع أن تغيب عن الأذهان حقيقة هامة مفادها أن أغلبية الموريتانيين- بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والحزبية- سيظلون قلقين جديا على مصير "ديمقراطيتهم" على أيدي نظام حكم يفترض أن تجربة الديموقراطية تحسب له بدل أن يحاسب على التفريط فيها؟
ومرة أخرى، يتضح جزء من الصعوبات والتحديات اللامتناهية التي تواجهها مشاريع التحولات الديموقراطية في بلدان العالم النامي. ولعل من أغرب مشاهد تلك التجارب وأجدرها بالدراسة والتتبع - ضمن السياق العربي الإفريقي- مشهد التجربة الديموقراطية الموريتانية الذي يمكن اختصاره في مغامرة تشييد صرح ديموقراطي فوق رمال الصحراء المتحركة.
إنه حقا مفترق طرق حاسم بالنسبة لموريتانيا. فإما أن تختار الأطراف التي ستشكل "البراديم" paradigme السياسي الجديد، الاستمرار في مناورات تكتيكية قد تصمد لبعض الوقت... وإما أن يقرروا - بجرأة وحكمة- الدخول في خيارات استراتيجية إصلاحية شاملة، تعيد بناء جسور الثقة وتضمن للبلاد استقرارها السياسي وتنميتها الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة.
فهل ستستطيع الأطراف التي ستشكل "البراديم" paradigme السياسي المقبل أن تحول فوزها الانتخابي إلى شيء أكبر من ذلك.. أي إلى نجاح سياسي حقيقي برسم البلد؟ وهل سيتسنى لها إثر ذلك، أن تحول هذا النجاح السياسي إلى قربان وطني لخدمة الديموقراطية والتنمية المستدامة وازدهار الشعب؟! محمد السالك ولد إبراهيم
باحث - المركز الموريتاني لأبحاث التنمية والمستقبل- انواكشوط، موريتانيا msaleck02@yahoo.fr