موريتانيا: من يوقف النزيف؟

بقلم: أحمد ولد إسلم

دخلت الأزمة السياسية في موريتانيا شهرها الثالث دون أن تلوح في الأفق بوادر قرب نهايتها. فالرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وفريقه - على قلته ـ متمسك بموقفه المعتاد، والمستعلي على الأزمة، إذ يتعامل كلما أطلت برأسها، بنوع من الحلول الترقيعية التي لا تشخص الأزمة وتقتلعها من جذورها، بقدر ما يهمها أن توقف الصخب المزعج للخصوم، حتى ولو كان ذلك الصخب سيعود بعد ساعات، وبشكل أكثر صخبا.
في حين يتعامل خصوم الرئيس ـ وهم كثر ومشاربهم متعددةـ بسياسية - "خذ ما أعطي لك واستمر في المطالبة"، وهي سياسة بدت واضحة في أول ظهور للأزمة خلال ثورة الحرمان التي اندلعت شرارتها الأولى من المدن الشرقية الأكثر عزلة والأبعد عن العاصمة، خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، والتي أسفرت تفاعلات عن سقوط أحد الطلاب قتيلا، وعالجها الرئيس ولد الشيخ عبد الله حينها، بالإعلان عن برنامج استعجالي، يستهدف توفير المواد الأكثر استهلاكا للمواطن بأسعار ثابتة. وبعد أشهر من ذلك الخطاب، أعلن الرئيس في خطاب آخر عن برنامج أسماه التدخل الخاص، أردفه بحملة إعلامية عن أهمية الزراعة، وأعلن العام 2008 سنة زراعية ترمي إلى توفير نسبة 35% من حاجات السكان الغذائية.
وبدا من خلال التعاطي مع الأزمة الغذائية أسلوب الرئيس ولد الشيخ عبد الله في التعامل مع الأزمات الحادة، وهو الأسلوب الذي اكتشف خصومه أن التصعيد في الاحتجاج والتحرك السياسي، يؤدي دائما إلى جني المزيد من التنازلات من لدن الرئيس.
وكانت ثغرة البرنامج الاستعجالي والتدخل الخاص المنفذ الذي دخلت منه المعارضة، متهمة الرئيس بالجزافية في تقدير المبالغ، وعدم المراقبة في تسييرها، مستندة إلى شكاوى المستهدفين الذين سمعوا بالتدخل الخاص، ولم يجدوه.
وعلى الطرف الموازي كانت أصوات من دعموا الرئيس في الانتخابات الرئاسية ترتفع تدريجيا مطالبة بتعديل وزاري، يضع الأمور في نصابها، ويكافئ الداعمين على دعمهم.
ومع التصعيد المتزايد استجاب الرئيس وأقال حكومة التكنوقراط، التي عينت عقب الانتخابات بموجب صفقة سياسية بدا أن أحد أطرافها عاجز عن الوفاء.
وبعد ساعات قليلة عين الرجل الأول في نظام ولد الشيخ عبد الله مكلفا بقيادة الفريق الحكومي الجديد.
خيار زاد من حدة الخصومة مع الحلفاء، وتضاعفت بإصرار الرئيس على إشراك أحزاب سياسية ذات خلفية إيديولوجية ، كانت في جناح المعارضة، وشخصيات قيادية في نظام ولد الطايع.
خطأ أتاح للجميع فرصة التصعيد من جديد، لإرغام الرئيس على التنازل، فسياسيو الأغلبية الرئاسية يرون إشراك المعارضة في حكومة أوصلوا رئيسها إلى الحكم، نوعا من التحقير، وانعدام الثقة في أطرهم، والعسكريون يرون في إعادة من اكتسبوا الشرعية خلال عامين بإزاحتهم، تعبيرا عن عبثية بطولتيهم المشهورة في الثالث من آب/أغسطس، كما أنها تعجل الرئيس محاطا بعدد من المحنكين وذوي التجارب السياسية، وهو ما يقلل فرص النفوذ التي حظي بها قادتهم، والتي بلغت أوجها بترقيتهم إلى جنرالات، رغم ما أحاط بذلك القرار من مآخذ.
في حين وجدت المعارضة في كل ذلك ما كانت تبحث عنه، فقد خفف إشراك حزبي "تواصل" الإسلامي واتحاد قوى التقدم اليساري عبئا على مؤسسة زعامة المعارضة، التي لم يكن تكتل القوى الديمقراطية مستعدا لتقاسمها مع أحد،كما أن عودة من يوصفون برموز الفساد من خلال الحكومة الجديدة،حجة كافية لمساندة أي جهد مناوئ للحكومة الوليدة.
هي إذا حكومة فصلت على مقاس الأزمة، وجاءت على نحو يعطي فرصة غير مسبوقة لخصوم الرئيس، للتصعيد مرة أخرى، وكانوا حذقين في إدارتها بأسلوب لا يجعلهم يجازفون بالورقة الأخيرة.
فتوجه الجميع إلى مطلب حجب الثقة عن الحكومة التي لا يرضى عنها طرف، وبنهج يحرج الرئيس. فقد أخذ أنصاره المبادرة، وألبسوا خطابهم لبوس مساندة الرئيس، مشددين على أن حرصهم الشديد على إسقاط الحكومة، نابع من تمسكهم بضرورة تطبيق برنامجه، وقناعتهم أن هذه الحكومة ليست مؤهلة لذلك.
مع تعيين الحكومة الجديدة، كان على البرلمانيين البحث عن ورقة تصعيدية جديدة تكفل لهم تنازلا من الرئيس، دون أن تكون تلك هي الورقة الأخيرة.
هنا اختار البرلمانيون أن تكون الورقة فتح تحقيق في مؤسسات يتولاها المقربون جدا من الرئيس. ولا يمكن وصف اختيار الصندوق الوطني للضمان الصحي الذي كان يتولاه الأمين العام لرئاسة الجمهورية وبرنامج التدخل الخاص الذي يشرف عليه المستشار الرئيس برئاسة الجمهورية، وصندوق دعم عودة المبعدين وهو النقطة الأكثر أولية في برنامج الرئيس، مثلها مثل صندوق دعم الطينطان، لا يمكن وصف هذه الخيارات بالبريئة.
وما يستشف حتى الآن من التعاطي مع طلب النواب يوحي بأنه سيقود إلى تنازل جديد من لدن الرئيس، وهو التنازل ما قبل الأخير الذي سيسعى إليه البرلمانيون ، الذين قرروا مغادرة حزب الرئيس، ربما سعيا لحرمان الوزير الأول الحالي من صفة رئيس أكبر حزب في الأغلبية التي بها حصل على منصبه.
بعد ذلك لن يكون أمام الرئيس إلا خياران أن يرغم تحت الواقع السياسي على التنازل من جديد عن بعض سلطاته لصالح الوزير الأول بعد تعديل حكومي، أو يحل البرلمان كما هدد مرارا، ليعطي بذلك الفرصة الذهبية للجنرالات الذين اكتشفوا أخيرا أنه ليس الرجل الأنسب لإدارة الدولة وفق رؤيتهم السياسية، وتجاوز ـربما بحسن نيةـ خطوطا برتقالية كانوا وضعوها تنبيها له قبل الخطوط الحمراء.
وليس أهون ذلك مبالغته في الاعتناء بملف اللاجئين الموريتانيين في السنغال،الذي استكمل مرحلته الأولى باكتمال العودة الطوعية لأكثر من ثلاثة آلاف شخص، وبات لزاما على الرئيس الانتقال إلى المرحلة الثانية المتمثلة في فتح ملف ما يسمى مخلفات "الإرث الإنساني"، وهو اصطلاح يطلق على ما يقال عن تورط ضباط سامين في الجيش في تعذيب وتقتيل الزنوج الموريتانيين أواخر الثمانينات من القرن الماضي، إبان أحداث العنف العرقية، وهو الملف الذي يعني فتحه التحقيق مع كل من يحوز رتبة رقيب في الجيش فما فوق، إذ لا يعدم أن يكون مشاركا أو شاهدا أو نقلت إليه معلومات عن تلك الفترة تستوجب ضمه للتحقيق.
هذا الملف المعقد، الذي أظهر الرئيس ولد الشيخ عبد الله إصرارا بالغا على استكماله، ربما يكون حجر الزاوية في كل التحركات المتتالية للضباط، ومن أجله ينسقون ويدعمون كل جهد يرمي إلى تقليص صلاحيات الرئيس، أو تقليص فترة حكمه، أو إشغاله في ملفات أكبر مما يمكنه التعامل معه، حتى تكتمل عهدته الرئاسية، أو يغادر القصر طوعا أو كرها،قبل أن يفتح ملف "الإرث الإنساني".
وما يستخلص من جعجعة الأزمة السياسية الراهنة، أن الثقة كما الدقيق، إذا تدفق لا يسترد بحجمه كما يقول المثل الموريتاني، وثقة العسكريين في الرئيس انقلبت قصعتها، ويستحيل أن تعود إلى سابق عهدها، وفي كل يوم يكسب العسكريون تنازلا جديدا ، يخسر الشعب الموريتاني فرصة في التغيير،وتترسخ في ذهن البسطاء من أبناء البلد صورة أن العسكر هم كل شيء، ويكتشف الشعب أنه يسير بسرعة حثيثة إلى ممارسات جربها خلال ثلاثة عقود من عمر الدولة الموريتانية.
فالعسكريون بحكم تكوينهم لا يدركون قيمة أن يكون هناك شعب ودولة ومشاريع تنموية،وحريات عامة،ومجتمع يتنفس دون رقيب، ولا سبيل إلى تدارك الوضع من جديد، وعودة الأمور إلى نصابها، إلا ببرهنة الرئيس للشعب الذي قال إنه انتخبه على أنه يستحق الثقة الممنوحة له، من خلال قرار صارم يضع حدا للأزمة، وما سوى ذلك، لا يؤدي إلا إلى تعاظم كرة التنازلات الثلجية، ليجد الرئيس في نهاية المطاف نفسه في دولة لا يسود فيها ولا يحكم، ولا يمثلها في المحافل الدولية...فهل يبادر الرئيس بوقف نزيف الوطن،ويقطع الفتيل قبل وصوله القنبلة؟

أحمد ولد إسلم، صحفي ومدون موريتاني