موريتانيا تضع البنية التحتية القضائية اللازمة للحرب على الرق

'جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم'

نواكشوط ـ قرر مجلس الوزراء الموريتاني في اجتماعه الأسبوعي الخميس إنشاء ثلاث محاكم علي عموم التراب الموريتاني مختصة في قضايا الرق.

وقال وزير العدل الموريتاني ابراهيم ولد داداه، في مؤتمر صحفي عقب انتهاء أشغال المجلس إن "قرار إنشاء هذه المحاكم الثلاثة الموزعة على محافظات: نواكشوط و نواذيبو والحوض الشرقي يأتي كتجسيد للقانون الذي صادقت عليه الحكومة قبل حوالي أربعة أشهر والمتعلق بمحاربة كافة أشكال الاسترقاق".

وأضاف ولد داده في تصريحاته، أن هذه المحاكم سيُعهد برئاستها لقضاة متخصصين في الجرائم المتعلقة بالرق.

وكانت الحكومة الموريتانية قد أقرت قبل أشهر قانونا يجرم الاسترقاق، ويقع القانون في 26 مادة تنص المادة الثانية منه على أن الاستعباد "يشكل جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم"، كما تحدد المادة الثالثة مختلف الحالات التي يمكن أن يطلق عليها "استعباد".

كما وينص القانون الجديد علي إلزام القاضي المتعهد بجريمة تتعلق بالعبودية بالمحافظة على حقوق الضحايا في التعويض، هذا بالإضافة إلى تنفيذ الأحكام القضائية التي تتضمن تعويضا لضحايا العبودية دون الالتفات إلى الاستئناف أو المعارضة، حسب القانون.

ويثير موضوع الرق جدلا واسعا في الأوساط السياسية والحقوقية بموريتانيا، حيث تتهم جهات حقوقية سلطات البلاد بـ"التستر" على الظاهرة، في حين ترى الحكومة أنها تبذل جهودا كبيرة للقضاء على مخلفات الرق.

وقبل عدة أشهر، اتخذت الحكومة الموريتانية سلسلة من الإجراءات للقضاء على مخلفات العبودية تحت اسم "خارطة الطريق" التي تتضمن تطبيق 29 توصية خاصة بمحاربة الرق.

واعتبر مراقبون أن خارطة الطريق تطال مجالات قانونية واقتصادية واجتماعية، وتشكل خطوة أكثر عملية في محاربة هذه الظاهرة.

واستحدثت السلطات في الأشهر الماضية وكالة لمحاربة الاستعباد، وهي جهاز حكومي برتبة وزارة دولة تقول السلطات إنها ستقوم باجتثاث بقايا الظاهرة وتنفيذ برامج إنمائية لمصلحة الأرقاء السابقين.

وتباينت آراء السياسيين الموريتانيين حول قرار الحكومة استحداث هيئة لمكافحة الرق تابعة لرئيس الدولة.

وبينما أكد بعضهم أنها "خطوة مهمة" في طريق القضاء على آثار العبودية، أشار آخرون إلى أنها مجرد "تخريجة إعلامية" من السلطات الحاكمة التي تواجه ضغوطا محلية ودولية هائلة للقيام بحرب حقيقية على ظاهرة الاسترقاق.

ويعود تاريخ الجدل حول العبودية في موريتانيا إلى السنوات الأولى لاستقلال البلاد بداية ستينيات القرن العشرين، حينما كانت العبودية تنتشر بشكل علني بين كافة فئات المجتمع الموريتاني، سواء تعلق الأمر بالأغلبية العربية أو الأقلية الأفريقية.

ويقول مراقبون إنه لا توجد في موريتانيا المبنية ثقافتها بشكل أساسي على الثقافة الشفوية أي وثائق تؤكد تأصيلا معقولا للعبودية.

ويرى باحثون أن الثقافة الشعبية للمجتمع الموريتاني بأمثلتها وشعرها الشعبي تعبير عن مثال واضح لترسخ إيديولوجية الاستعباد وما يرتبط به من نظرة تراتبية طبقية.

وبعد عقدين على الاستقلال، أصدر حكام عسكريون مطلع ثمانينيات القرن العشرين القانون المحرم للرق، وساهم ذلك في تحريم الرق، إلا أن غياب الترسانة القانونية حال دون معالجة الظاهرة بشكل كاف.

ويقول علماء اجتماع موريتانيون إنه من الصعب القضاء على العبودية في موريتانيا بسبب المعتقدات لدى طيف واسع من الناس إذ يعتقد الكثيرون بأن العبودية جائزة شرعا، الأمر الذي يساهم في تعميق هذه الظاهرة في المجتمع.

وتعني ممارسة الرق امتلاك بعض الأسر الموريتانية من مختلف المحافظات لـ"جواري وخدم" يسهرون على خدمتها، ويجري توارثهم من طرف أفراد الأسرة كما يتوارث العقار والمال، وأيضا بيعهم كبيع أية ملكية أخرى.