موت مثقف!

هو ليس نعي لشخصية ما، انما اغتيال لديناميكية تطور كان ممكنا أن يكون للمثقف الإنسان الفنان والشاعر والعالم، ربما يعتقد البعض ان الجريمة فقط تنفيذ عملية قتل بأدوات جرمية شتى، لكن التحريض عليها أبشع.

المثقفون الحقيقيون في دول الإغتراب السياسي يعيشون في دوامة وصول أفكارهم الإبداعية والعائق اما أن يكون لوجستيا أو سياسيا أو فكريا.

وهنا يبرز السؤال: المثقف ابن من؟ هل هو نتاج ايدلوجية معينة بذاتها أم أن نتاجه الذاتي من يحدد انتمائه الإنساني بعيدا عن التخندق السياسي المضطرب وخاصة في البلدان التي يتسلط عليها اصحاب الأغراض المسبقة الذين يحاولون تذييل أي منتج ابداعي لمرحلتهم؟ هناك ملاحظة مهمة تقول أن مهما تكن جودة الأفكار السياسية لكن يبقى عقل المثقف أوسع مدى لأنه ببساطة لا يرى الواقع بعين واحدة. نعم يتأثر لكن تأثيره يجب أن يكون اعم وأشمل.

المشكلة في البلدان التي تمنهن حرفة التخلف أنها لا تمنح مناخ الحرية الواسع لمثقفيها وقد تتصنع أنها توفره لكن ما وراء ذلك قيد ثقيل يمنعه أن يقول ما يعتقد. انه الخوف من الإتهام بشتى التهم والتي لا حصر لها.

عندما يشعر الإنسان المثقف بضيق شديد في أن يطلق ابداعا في سماء الصحف والمجلات والفضائيات بفعل تسيد اصحاب العقول الجامدة المحصورة في رؤية اللون الواحد عندها تبدأ أول مراحل الاغتيال الثقافي.

وقد يصاب بالصدمة الثقافية حين يرى الأعمدة وصفحات الإعلام تنقل كلمات ليس لها معنى إلا أنها تمجد وتمدح وتقدح كما يرغب ويتمنى المتسلطون على قمة الهرم الحكومي.

ونرى العقول الناضجة صاحبة التاريخ والكلمة الصادقة الحرة تلوذ في زوايا لا يراها ولا يسمعها احد فتموت ببطء دون حتى رثاء. والامثلة لمثل هذه العقول كثيرة.

ونعيد القول المأثور ليس هناك شعوب متخلفة انما هناك ادارات متخلفة تبدع في اظهار التخلف بأبشع صوره.

ويقول الشاعر العربي ("ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"

وكشف رحيل الروائي والفنان السوداني محمد حسين بهنس في قلب صقيع القاهرة عن الحالة المتردية، التي يعيشها المثقف العربي وعدم اكتراث الحكومات العربية بحال المبدعين. هم يرحلون دون ضجيج بهدوء ملفت للنظر لكنه بشع يدين ليس الأنظمة بل المجتمعات التي صنعت حكامها المتخلفين.

والاغتيال الآخر للمثقفين هو عدم اللحاق في ركب التطور الثقافي العالمي. فهو يعيش حالة من الاغتراب الحضاري عما يدور في مدن الثقافة ويتمسك بأدوات بدائية تفسر الفهم الثقافي. وهنا نحتاج الى أن نتواصل من خلال البحث عن الجديد. فيقول هابرماس "نعيش في ظل ثورة رقمية تزلزل بعض مكونات العالم الحديث وحداثته العليا."

أين الحقيقة وكيف الوصول لها لكي نحمي الثقاقة وادواتها، بعيدا عن الرياء الثقافي الذي بات ينتشر ويأكل الأخضر وحتى اليابس. يقول الكاتب الفرنسي باسكال بونيفاس في كتابه "المثقفون المزيفون" "أجل.. أقول وأكرر: رفضت طبع كتابي أربع عشرة داراً للنشر، إنه كتابي الذي يتحدث عن أولئك النجوم الإعلاميين الذين يتولون مهمة تضليل الناس، فبعض الناشرين وجدوا الكتاب موغلا في السجال، وآخرون منهم وجدوني أكشف حقيقة كتاب ومؤلفين يطبعون كتبهم لديهم.. لكن كثيراً من الناشرين رفضوا المغامرة بمستقبلهم ومصالحهم خوفاً من ذوي السلطان والنفوذ رغم اعترافهم بقيمة ومصداقية محتوى كتابي.. لم يكونوا راغبين في جلب سخط الكبار عليهم."

ومن الظواهر الأخرى التي تضعف الثقافة والمثقفين هي بروز ظواهر أخرى أكبر من المثقف نفسه، قد يساهم فيها بوعي أو بدون وعي. فقد أسهمت التعصبات الحزبية والآيدولوجية والفكرية والدينية والطائفية المقيتة في خلق نوع من الإقصاء والاجتثاث بين أفراد المجتمع المشترك في اللغة الواحدة والدين الواحد وربما العرق الواحد. هذا النوع من الإقصاء الذي خلق نفورا بين الناس قد يؤدي إلى منعطفات خطيرة كان من المفروض أن يساهم المثقف في تجاوزها والانفلات من قيودها ويؤسس لثقافة انسانية تتخطى الحدود المتدنية للفكر المنغلق والإنطلاق لعالم رحب فضائه الايمان بحتمية انتصار الكلمة الحق مهما كانت العوائق والمصدات كما صورها المهاتما غاندي:

"في البداية يتجاهلونك،

ثم يسخرون منك،

ثم يحاربونك

ثم تنتصر."