مواصلة مسلسل الانقضاض على الدب الروسي لخلخلة أنيابه

يصور الغرب بوتين باستالين صغير، بسبب أن بوتين لديه حنين وحلم في استعادة الإمبراطورية الروسية التي انهارت عام 1990، وينتقد الهيمنة الأميركية المنفردة ويدعي أنها تسببت في حروب متفرقة في أنحاء العالم.

لم يعلم الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشيف في فصل القرم عن روسيا في عام 1954 وضمها لأوكرانيا ضمن الاتحاد السوفيتي، بأن يأتي زمن يتفكك فيه الاتحاد السوفيتي وينهار ويصبح القوم خارج روسيا.

منذ أن استلم الحكم بوتين من يلتسين قبل 15 عاما، وهو يحاول أن يسدد أهدافا حاسمة في مرمى الفريق الأميركي، وكان يعتقد بوتين أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت الغرب، واستراتيجية أوباما القيادة من الخلف لإنقاذ الاقتصاد الأميركي من ركوده بأن يتمكن من تعديل النتيجة عبر البوابة الأوكرانية، وتسديد هدف حاسم عبر البوابة السورية من خلال صفقة في سوريا.

في 30 مايو 2007 أجرت روسيا تجربة ناجحة عشية انعقاد مؤتمر الدول الثماني G8 لإطلاق صاروخين عابرين للقارات، ربما يهدف التذكير بأهمية المفاوضات حول سياسة التسلح، أطلق صاروخ آر إس 24 من منصة متحركة في موقع بليستسك على بعد ثمانمائة كيلو متر شمال موسكو، أصاب الصاروخين جزيرة كامتشاكا في أقصى شرق روسيا يسكنها عدد قليل من السكان، الهدف من أجل تعزيز قوة روسيا في الردع النووي.

إطلاق الصاروخين تهديد لأميركا على بناء الدرع الصاروخي في شرق أوربا، مما يعقد المسألة، ويعطل عملية تخفيض ترسانة الأسلحة التي وقعت عام 1987 للحد من الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، وحتى الصين انتقدت الدرع الصاروخي الأميركي في شرق أوروبا وله تأثير على التوازن الاستراتيجي والاستقرار.

ردت وزيرة الخارجية الأميركية كونديليزا رايس في أوسلو أمام ممثلي الأعضاء بالناتو واعتبرت فكرة وجود عشرة صواريخ دفاعية في بولندا وبعض الرادارات في التشيك لن تضر باستراتيجية الردع الروسية.

وجاء استقلال كوسوفو عن صربيا ضربة جديدة لبوتين لا تقل أزمة عن الدرع الصاروخي في شرق أوربا، لذلك رد بوتين على الغرب بتوقيع اتفاقية مع كل من تركمنستان وكزاخستان بشأن أنبوب لنقل الغاز يمر عبر الأراضي الروسية بعكس ما كانت تسعى له الدول الأوروبية من تجنب الأراضي الروسية.

فهم بوتين أن أوباما يريد في رئاسته الثانية كبح جماح الولايات المتحدة، كعادة الولايات المتحدة في التعامل مع المارقين لتوريطهم حتى تستهدفهم ويصبحوا طعماً سهلاً سبق أن استخدمته مع صدام حسين في حربه مع إيران ودخوله الكويت.

سارع بوتين بالتحرك على عدة جبهات، وتخلى عن المحادثات الرسمية بخصوص أوستيا الجنوبية وأبخازيا، وهما إقليميان من الأراضي الجورجية غزتهما روسيا واحتلتهما عام 2008 مستثمرة الأزمة المالية التي ضربت الغرب متزامنة تلك الخطوة بالضغط على قرغيزستان بإغلاق القاعدة الأميركية على أراضيها.

أتت خطوة ضم أوكرانيا إلى دائرة سيطرتها، وعندما لم تفلح أقدمت على غزو القرم وضمته، ولم يحتج عليها الغرب كثيرا بسبب أنها كانت جزء من أراضي روسيا القومية التاريخية.

بعدما حقق الاقتصاد الأميركي نموا في الربع الثالث من عام 2014 بأسرع وتيرة فصلية منذ 11 عاماً، في المقابل تعيش الصين دوامة انكماش قد تصيب العالم بالدوار، فرض الغرب عقوبات على روسيا انهار الروبل على إثرها، مما أثار عمليات بيع كبيرة في الأصول ذات المخاطر العالية مثل سندات الشركات، وهي لا تقل عن الاضطرابات التي حدثت عام 1998.

أزمة روسيا هذه المرة لن يكون لها سوى تأثير محدود في سلامة النظام الاقتصادي العالمي، فعندما شدد الغرب العقوبات الاقتصادية على روسيا، شهدت الصادرات الألمانية تراجعا بالفعل عامين من التراجع، عوضت ألمانيا خسائرها من أسعار النفط المنخفضة.

انكشفت المصارف في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا أمام روسيا في الربع الثاني من عام 2014 نحو 60 في المائة أكثر من انكشافها أمام اليونان عام 2010، بسبب أن أسواق رأس المال صدت في وجه الشركات الروسية، ما جعل الخوف يسيطر أكثر على سندات القطاع الخاص.

أصبحت روسيا عالقة في أزمة سيولة وديون وأزمة ميزانية وأزمة ثقة المستثمرين بعدما انخفض الروبل نحو 45 في المائة، وبدأ الشعب الروسي يتدافع لسحب أرصدته من المصارف، وهربت رؤوس الأموال إلى الخارج، ويقول البنك المركزي إنه من المتوقع لتدفق رأس المال الخارج من روسيا أن يرتفع أكثر من الضعف وقد يصل إلى 134 مليار دولار.

بدأ الشعب الروسي يشتري الدولار، وتحويل روبلاتهم إلى سلع ملموسة، حتى أن بعض الشركات أغلقت متاجرها على الانترنت مثل إيكيا بغرض إعادة حساب الأسعار بعد تقلب الروبل لدرجة كبيرة.

العقوبات الغربية امتصت السيولة الدولارية تدريجيا والحياة من الاقتصاد الروسي، وفشل بوتين في تبني القومية المدوية المعادية للغرب، وصرح سيرجي لافروف وزير الخارجية بأن روسيا لن تصر على حكومة فيدرالية في أوكرانيا، وبدأ بوتين في تصريحه الصحفي بالمنطقة المتنازع عليها بشرق أوكرانيا بدلا من نوفوروسيا( روسيا الجديدة) وهي الحصة التي كانت تطالب بها روسيا في رقعة أرض تمتد من دونيتسك إلى أوديسيا، وأوقف المتمردين الموالين لروسيا والقوات الأوكرانية في حالة وقف إطلاق نار شتوي وتم تبادل الأسرى بين الطرفين في خطوة وصفت بالتهدئة استعدادا لمرحلة الحوار الثانية.

واتخذت أوكرانيا قرارها بالتخلي عن وضع الدولة غير المنحازة، واتخذت خطوة تاريخية باتجاه الناتو، وموسكو مستاءة، ونشر الكرملين في 26/12/2014 النسخة الجديدة من عقيدتها العسكرية التي تعتبر حلف شمال الأطلسي تهديدا أساسيا لأمن البلاد، كما تنظر العقيدة الجديدة بقلق إلى تعزيز القدرات الهجومية للحلف الأطلسي على أبواب روسيا مباشرة والإجراءات التي اتخذها لنشر منظومة شاملة مضادة للصورايخ، وأبقت على الطابع الدفاعي للعقيدة العسكرية الروسية مع التشديد على عدم التدخل عسكريا إلا بعد استنفاد كل الحلول غير العنيفة، ولا تتضمن مفهوم الهجوم الوقائي، ولكن مفهوم الردع النووي الذي يقضي ببقاء القوات العسكرية التقليدية في حالة استعداد عالية، والالتزام حيال منظمات الأمن الإقليمية مثل مجموعة الدول المستقلة، ومنظمة شنغهاي للتعاون.

بعد طرد روسيا من مجموعة الدول الثماني G8، ومطالبة ديفيد كامرون رئيس وزراء بريطانيا طرد روسيا من المنظمة المالية العالمية بسبب فقدان عملتها قيمتها الشرائية، والصناعات الروسية غير منافسة عالميا بسبب ضعفها في المجالين التقني والتكنولوجي.

بعد فشل بوتين في مواجهة الأحادية القطبية التي تتوسع في أوروبا بجوار روسيا، بدأ الغرب يطالبها بتغيير سلوكها ومواقفها في السياسات العالمية من كييف إلى دمشق مرورا بطهران، وأن الدفاع عن المصالح الجيوستراتيجية لا تتحقق باقتصاد منهك، فلم تعد روسيا دولة عظمى، قد تكون كبرى، رغم أنها تملك وظيفة العضوية الأمنية في مجلس الأمن وحق استخدام الفيتو في مواجهة السياسات الغربية بحجة الدفاع عن المصالح الحيوية التي لم تعد ذات جدوى، ولن تملك الحق في قيادة حلول سياسية في سوريا أو تقديم حلول إلا بموافقة وتحت الإرادة الأميركية.