موائد الرحمن في العراق تُؤالف بين السنة والشيعة

المطبخ...هو عراق صغير يعيش في سلام ووئام

بغداد - في مدينة بغداد التي تشهد أعمال عنف يحتفل مسجد يرجع الى القرن الثالث عشر بشهر رمضان بتوزيع الطعام على الفقراء واحياء روح التعايش التي أصبحت من الماضي.
ويقدم مسجد عبد القادر الجيلاني وهو مسجد سني الطعام لمئات من الصائمين يوميا طوال شهر رمضان.
وبعد مرور أربع سنوات من العنف الطائفي والذي قتل فيه عشرات الآلاف من المسلمين السنة والشيعة يبدو مطبخ المسجد كواحة للتسامح الديني.
يقول ابو سيف وهو شيعي يعمل في المسجد منذ أكثر من 17 عاماً "لا استطيع العيش بعيدا عن المطبخ. انه عالمي الآمن. نحن السنة والشيعة والاكراد نعيش كلنا كأخوة ولا نناقش أبدا المذهب الذي ننتمي اليه. فكلنا عراقيون".
وقف الى جواره الحاج حميد الكردي الذي يطهو في المطبخ منذ ربع قرن ومحمد البرزانتشي وهو موظف من السنة العرب.
وينعكس هذا التنوع الحادث في المطبخ على طوابير السنة والشيعة الذين يقفون وفي ايديهم أطباق يتلقون فيها انصبة وافية من حساء العدس والارز والدجاج.
وقال ابو سيف الذي دمعت عيناه وهو يتذكر العنف الذي يشهده العراق "هنا وهنا فقط لا يعبأ أحد بما اذا كنت سنياً ام شيعياً. اتمنى ان يجيء اليوم الذي أنام فيه وأصحو لاجد بلادي تتصرف بهذا الشكل".
وابتلي العراق بالعنف منذ الغزو الاميركي للعراق عام 2003 الذي اطاح بالرئيس السابق صدام حسين.
لكن تفجير مزار شيعي مقدس في سامراء في فبراير/شباط عام 2006 كان نقطة تحول في العلاقات بين الطوائف وفجر موجة من الهجمات المتبادلة بين الاغلبية الشيعية والاقلية السنية.

وتجعل قسوة اعمال العنف بعض العراقيين يحنون الى ايام صدام رغم ما شهدته من حروب وعقوبات اقتصادية وحكم سلطوي تحملوه صاغرين.

ويقول البرزانتشي "المطبخ...هو عراق صغير يعيش في سلام ووئام. قبل عام 2003 كنا نعيش أوقاتا رائعة في رمضان حين نجتمع في المسجد ونفطر".

ويضيف "لكن الان نحن محبوسون في المنازل مثل السجناء".

يحرك البرزانتشي عصا خشبية في قدر ضخم به حساء دسم من الدجاج والعدس.

وقال ابو سيف انه في الماضي كان المسجد يتمكن من تقديم ضعف هذه الكميات من الاطعمة لكن الهبات انخفضت.
فرجال الاعمال الاثرياء الذين كانوا يتبرعون بسخاء لتقديم هذا الحساء الثري في شهر رمضان فروا من العراق ولا يتلقى المسجد اي مساعدة من الحكومة العراقية.

وفي تغير آخر توزع اطعمة الافطار الساعة الثانية من بعد الظهر اي قبل نحو خمس ساعات من موعد الافطار لان كثيرين لا يشعرون بالامان في الشوارع اذا حل المساء.

وقالت ام محمد وهي تنتظر في صبر في الطابور "في الماضي كان رمضان مليئاً بالبهجة والخير. كنا نأخذ الطعام ثم نكسر صيامنا داخل المسجد في مجموعات. لكن الان نخاف السيارات الملغومة والقتل ونركض لاخذ الطعام ونسرع عائدين الى المنزل".

وفي المسجد قبر عبد القادر الجيلاني وهو أحد الائمة الصوفيين وما زالت قبته التي بناها سلطان عثماني سليمة لكن المئذنة تحمل اثار الاضطرابات التي تعيشها بغداد مؤخراً.
فالسقالات تحيط بقمتها وتتناثر قطع من الاسمنت والحصى عند قاعدة المئذنة التي لم ترمم حتى الان بعد هجوم بشاحنة ملغومة أمام المسجد في مايو/ايار ادى الى مقتل 24 شخصا.

وقال علاء حمزة وهو شيعي يقف في الطابور "اذا سألتني عن رمضان أقول لك ان العنف اليومي في العراق ومرارة فقد الاحباء جعلتنا ننسى مذاق هذا الشهر".