مهرجان قرطاج السينمائي يخترق جدران السجون

ثلاث مائة خطوة هي عدد الخطوات التي أحصيتها ونحن نغادر سجن المسعدين للنساء بسوسة، وهي المسافة الفاصلة بين الباب الخارجي للسجن المحصن بالحرس من كل جانب وبين القاعة الجديدة التي احتضنت عرض فيلم "زهرة حلب" أمام مائة وعشرين من السجينات بحضور بطلة الفلم هند صبري ومحمد علي بن جمعة والفنان المصري محمود حميدة وعدد من الصحفيين الفرنسيين والعرب في إطار البرنامج المشترك بين المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب ومنظمة الصليب الأحمر وإدارة مهرجان قرطاج للسينما وإدارة السجون والإصلاح في مبادرة انطلقت قبل سنوات وشملت خلال هذه الدورة ستة سجون وهي سجن برج الرومي وسجن النساء بمنوبة وسجن مرناق وسجن المهدية وطبعا سجن المسعدين الذي ارتبط في أذهان التونسيين بتقارير مريعة في الانتهاكات والتعذيب إلى جانب مركز الإصلاحية بالمروج.

الحدث سبقه إعداد محكم وتهيئة للمكان، بما يليق بالعرض أو هذا ما كان الإطار يوحي به إذ وبمجرد تجاوز عتبة الباب الخارجي للسجن وانتهاء الترتيبات الأمنية والتثبت من الهويات. وفيما كنا نتقدم إلى داخل السجن بدأ المشهد يتضح في ديكور يذكر بالمهرجانات رغم تواضع الإمكانيات فقد حضر السجاد الأحمر على طول الممر المؤدي إلى قاعة العرض وحضرت باقات الورود والستائر الملونة والمفارش التي غطت أرضية القاعة الجديدة التي أقيمت حديثا ضمن المبنى الذي يتم تجديده لاحتضان 250 سجينة.وقد كان من الواضح أن جهودا بذلت ليكون العرض أشبه بالحدث الطبيعي بما يمكن أن يجعل منه مكانا للعقاب والإقصاء وتفاقم مشاعر الحقد والنقمة والعنف والرغبة في الانتقام..

من الأمثلة المعروفة المتداولة أن كل مدرسة تفتح فإن سجنا يغلق والأكيد أن في تونس اليوم رغم العثرات ورغم الانتكاسات ما يؤشر إلى واقع جديد وتحول في العقليات بشأن احترام الحريات وحقوق الإنسان ولعل في المبادرة التي أطلقت قبل سنوات معدودة بشأن انفتاح المهرجانات الثقافية على السجون وتمكين السجناء من متابعة بعض العروض السينمائية والمسرحية إلى جانب الجهود المبذولة من جانب المجتمع المدني لتوفير مكتبات ثقافية في مختلف السجون ما يمكن اعتباره خطوة مهمة داخل المؤسسة السجنية لإعادة تأهيل المساجين لاسيما الذين يواجهون أحكاما محدودة لإعادة تأهيلهم وتمكينهم من الاندماج في الحياة وضمان عدم لجوئهم إلى الجريمة مجددا وهي تحول مهم بالنسبة للمؤسسة السجنية والإصلاحيات وقد ثبت نجاحها في تجارب مهمة.

ولا شك أن في الحقيقة أنه عندما يسبق أول اتصال لك مع السجينات صوت بكاء طفلة يأتيك من الداخل فان في ذلك ما يحدث في النفس مشاعر متناقضة ممزوجة بالألم والمرارة لوجود ملاك خلف الأسوار هي الضحية التي لم تقترف ذنبا أو جرما سوى أنها وجدت في المكان الخطأ في الوقت الخطأ لتدفع ثمن جرم لم ترتكبه وهي التي فتحت عينيها بالسجن الذي سيسمح لها بمغادرته عندما تبلغ سن الثالثة لتنتقل بعد ذلك إلى عالم آخر وهو العالم الطبيعي الذي يفترض أن تعيش فيه لتبدأ اكتشاف غيرها من الأطفال مثلها ولكن بعيدا عن والدتها التي لا تزال تنتظر المحاكمة. الطفلة "س" التي احتفلت في السجن بعيد ميلادها الأول برعاية منظمة "فاميليا" لن تكون بمفردها فقد علمنا أن سجينة ثانية نقلت بالأمس إلى المستشفى لتضع مولودها وستقتسم بعد عودتها نفس الغرفة مع السجينة وابنتها حيث يفرد لهما مكان خاص. مشهد الطفلة وهي الوحيدة التي كانت تتحرك بحرية بين صفوف السجينات وقد الفت وجوههن كان يذكر بقتامة المشهد وبالوجه الآخر لهذه الرحلة في أروقة أحد السجون القليلة التي تعيش تجربة مماثلة.

الأكيد أن بكاء الطفلة "س" ذلك الصوت الذي سيعيدك إلى الواقع المؤلم للسجون كان الصرخة المكتومة لكل السجينات اللائي جلسن في هدوء وصمت لمتابعة الفيلم وصفقن طويلا لهند صبري التي تحدثت طويلا مع السجينات قبل وبعد الفيلم عن الأمل والحياة وعن المرأة التونسية وعن تونس الجديدة في مسيرتها نحو الديموقراطية والحرية.

كل السجينات كن جالسات في مواقعهن في صفوف متوازية فيما تم تخصيص مقاعد خلفية للزائرين ولكنها كانت تسمح برصد ما يحدث في الأمام من زفرات أو من مسح لدمعة ترقرقت على وجنة صاحبتها. كل الأنظار كانت تتطلع إلى متابعة الفيلم في هدوء مثير قلما يسجل في قاعات السينما باستثناء بعض الحركات أو الأصوات المكتومة تعبيرا عن الصدمة أو بفعل المفاجأة خاصة مع نهاية الفيلم فقد كان المشهد غريبا رغم تعبير السجينات عن سعادتهن بالفرصة التي أتيحت لهن للتعبير عن أرائهن بعد العرض وطرح ما يدور في أذهانهن من أسئلة والاستماع لردود هند صبري وتفاعلات محمد علي بوجمعة الذي أعلن استعداده للتطوع لتنشيط برنامج ثقافي أو مسرحي لفائدة سجينات المسعدين.

ثلاثمائة خطوة قد لا يوازيها حساب زمني. فالزيارة التي استمرت نحو أربع ساعات ستبقى عالقة في الأذهان. والحقيقة أنه ليس من الهين تحمل أجواء السجون وما وراء القضبان حتى وان كان الأمر يتعلق بزيارة محدودة في المكان والزمان. الإحساس بالانقباض والاختناق والضيق سيرافقك حتى نهاية الرحلة التي منحت السجينات فرصة متابعة فيلم حديث وفتحت لهن المجال لمخاطبة البطلة والتعبير عن رأيهن في أحداث الفيلم هنا خلف الأسوار لا شيء يترك للصدفة والترتيبات تمت بعناية فائقة ولا مجال للاحتكاك المباشر بين السجينات وبين الضيوف دون إذن مسبق ودون مرافقة أمنية.

طبعا الأمر لا يتعلق بأحداث الفيلم الذي يعرض للمرة الثانية ولكن بالمشهد الراهن في البلاد بكل تعقيداته اليومية ولكن أيضا بكل التحولات المتسارعة التي قد لا ينتبه إليها الرأي العام في زحمة الأحداث اليومية.

قد يكون العرض أسعد السجينات وقد يكون منحهن فرصة متابعة فيلم لم يعرض على الجمهور بعد وسمح لهن ولو لبعض الوقت بالخروج من سجن حقيقي إلى سجن أوسع لتعيش كل بذاكرتها وتسقط معاناتها ومحنتها على قصتها مع السجن وحياتها خلف القضبان وقد يكون منحهن فرصة لقاء فنانة بحجم هند صبري وقد يكون أيضا كشف عن وجه جديد تسعى إليه تونس لم يكتمل بعد. وقد يكون الحدث أثار إعجاب زملاء عرب التقيناهم وأكدوا أن مثل هذا الأمر غير وارد في دولهم. ولكن الحقيقة أن الإحساس بالانقباض واختناق الأنفاس ظل يرافقنا حتى بعد نهاية الرحلة. فلا شيء يوازي حرية الإنسان لقد كانت ثلاثمائة خطوة هي الفاصلة بين أسوار السجن العالية وبين الحياة في حرية.

سيكون من الصعب بعد "رحلة" مماثلة أن تسقط من ذاكرتك صوت الطفلة "س" بفستانها الأبيض ونظراتها وهي تتطلع إلى وجوه الزوار الغرباء الوافدين.

لن نتوقف عند حدود الجدل المثير الذي رافق حفل افتتاح المهرجان ولا الاستياء العميق الذي ارتبط باختتام المهرجان الذي كان يفترض ان يكون تجاوز بعد خمسين عاما كل الهفوات والأخطاء التنظيمية المسموح بها وغير المسموح بها والتي شوهت بطريق او باخرى صورة تونس الى درجة العبث بعلاقات تونس التاريخية مع دول مجاورة مثل الجزائر، لن نتوقف عند كل ذلك قناعتنا ان هناك حاجة اليوم وبعد ان أسدل الستار على مهرجان قرطاج السينمائي ان تتهيأ الادارة المعنية والمشرفين الى عملية تقيم ومحاسبة شديدة في صلبها لتحديد المسؤوليات تفاديا لتكرار ما حدث من مهازل والقطع مع عقلية الغنيمة المدمرة التي تجتاح مؤسساتنا وتهدد بضياع بقية من مكاسب لم يكن من الهين تحقيقها.

نحن في انتظار وقفة نقدية جدية صارمة، سيسحب للدورة السابعة والعشرين للمهرجان انها طرقت أبواب الجامعات واستقطبت اهتمامات الطلبة إزاحت من الأذهان تلك الصورة المهينة لإزالة راية تونس من جامعة منوبة ورفع الراية السوداء بدلا منها ذات خريف عابر وسيحسب لهذه الدورة انها حطمت مجددا التابوهات واقتحمت أسوار السجون ومنحت المساجين في عدد من السجون والإصلاحيات التونسية فرصة استعادة إنسانيتهم لبعض الوقت.