مهرجان المنبر الذهبي: بعيد عن التبشير، قريب من القضايا الانسانية

بقلم: صلاح سرميني ـ قازان ـ جمهورية تاتارستان (روسيا الإتحادية)
المنبر الذهبي: فرصة اخرى لمشاهدة فيلم 'بابا عزيز' لمن لم يشاهده

قبل أن تطأ قدمايّ أرضَ مدينة قازان عاصمة تاتارستان، إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية، تراكمت في ذهني أفكاراً مشوّشة عن "المهرجان الدوليّ لسينما الشعوب الإسلامية"، خاصةً، وأنها بدأت بفوضى سوريالية حدثت معي بالذات في مطار موسكو، عندما تبيّن بأنني لن أسافر مع الضيوف إلى قازان في الرحلة المُقررة لنا جميعاً في صباح يوم السادس من سبتمبر/ايلول 2007، ولكن، في مساء اليوم التالي، وفهمتُ فيما بعد، بأنه كان الموعد المُخصص لسفر المنتج الفرنسي لفيلم "بابا عزيز" لمخرجه التونسي ناصر خمير.
في حالة سوء الفهم تلك، كان من العسير التفاهم مع مرافقيّن لا يُجيدا أيّ لغةٍ أخرى غير الروسية، وبعد غضبٍ أجوف، وارتباكٍ أخرق، يُرافقهما مزيجٌ من الروسية المُتلعثمة، والإنكليزية المُتهدمة، والاتصالات التلفونية المُستغيثة تطلب من المُنظمين شرح الموقف، وتفسيره، وإيجاد حلٍ عاجلٍ، ومع أنّ أحد المُرافقيّن لم يتمكن ـ على الأرجح ـ من تغيّير موعد سفري، وتقديمه، فإنني لم أستوعب بالمُقابل أيّ قانونٍ سمحَ لي بالركوب مع الضيوف ببطاقة سفر شخصٍ آخر تخلّف عن الرحلة العجيبة، في تلك اللحظات، وأنا الذي أسافر كثيراً، لم أشعر في حياتي قطّ بأنني ضائعٌ كما في مطار موسكو، بإرشاداته الغير المفهومة، وبفقدان التواصل اللغويّ مع الآخرين، ولم ينتابني القلق من أيّ طائرةٍ ركبتها في تنقلاتي أكثر من تلك التي أقلتنا في جوفها القديم في رحلتيّ الذهاب، والإياب.
وبوصولنا إلى مطار العاصمة قازان سالمين، أصبحت أيّ مشكلة تنظيميةٍ أخرى، صغيرةً، وتافهةً، خاصةً، وقد جاءت فعاليات المهرجان على عكس توقعاتي الفانتازية المُستوحاة من عنوانه، ومن بعض لقطاتٍ عالقة في ذهني من أفلامٍ سوفييتية قديمة، ومع مضيّ الساعات، بدأت أحسّ بنكهةٍ لم أتذوقها في أيّ مهرجانٍ آخر.
وبتناسي ارتباكات تقليد المظاهر الشكلية للمهرجانات الكُبرى (صعود درجات سلالم هرم المدينة، والتهادي فوق بساطٍ أحمر..)، فقد جاء حفل الافتتاح مبهجاً بالاكتشافات الجميلة، حيث تخلل كلمات الاحتفاء التقليدية، وتقديم لجنة التحكيم، والأفلام، فقراتٍ مُبهرة من الغناء، والموسيقى، والرقص،.. في جوانبها الفولكلورية، والمُعاصرة، أدتها فرقٌ محترفة على درجةٍ عالية من البراعة، والإتقان، وصاحبتنا كل ليلة في مآدب العشاء، والحفل الختامي، وأعتقد بأن داعمي المهرجان الرسمييّن نجحوا في لفت الانتباه إلى تراثهم الفنيّ، مما شجع الكثير من الضيوف على شراء أقراصٍ مُدمجة لبعضٍ من أغاني، وموسيقى البلاد، وأيقظ في داخلي رغبة اكتشاف سينماتٍ أهملتها دورة التوزيع التجارية في فرنسا.
قبل السفر، تراكمت في ذهني صوراً نمطية عن المهرجان، والمدينة التي ينعقدُ فيها، واعتقدت خاطئاًُ بأنني سوف أحظى بلقاء رجالٍ ملتحين، ونساء محجبات، وسوف تكون مناسبةً لتأكيد إيمان البعض، وعودة آخرين إلى الصراط المُستقيم، وظننتُ بأن المنظمين سوف يلحقون الضيوف في كلّ مكانٍ لتذكيرهم بفرائضهم الدينية، وسوف تكون الندوات فرصةً للدعوة، والتبشير، خاصةً، وأنّ شهر رمضان بدأ في اليوم التالي مباشرةً لختام المهرجان (الذي انعقد خلال الفترة من 6 وحتى 12 سبتمبر 2007).
إنّ أقلّ ما خطر في ذهني من أوهامٍ عبثية، بأنني سوف أصغي في حفلتيّ الافتتاح، والختام إلى تلاوة آياتٍ قرآنية، وأستمع إلى خطبٍ، وأناشيد دينية، وأشارك في حلقات ذكرٍ صوفية، وأعود إلى باريس مؤمناً، طاهراً، نقياً، وصافياً، وبدءاً من ذاك اليوم، سوف أهجر مهنتي مطمئناً، وأتخلى عن مشاهدة الأفلام راضياً، والكتابة عن السينما مقتنعاً، وأرتحل إلى المهرجانات السينمائية واعظاً، أحضّ القوم الضالين على الهداية، والتقوى..
ألَم يتخيّرَ المهرجان "المنبر الذهبيّ" شعاراً له؟
ولكنني، أعترف بخجلٍ، بأنّ ما شاهدته في قازان، وفي مهرجانها بالتحديد، مناقضٌ تماماً لكلّ خيالاتي، وأكثر من ذلك، مازلتُ مأخوذاً إلى حدّ الانبهار بجمالٍ بشريّ أخاذّ، تغلفه خصالٌ إنسانية فريدة تجمع بين الطيبة، والألفة، والمودّة.
مع كلّ يوم يمضي من المهرجان، كنتُ أزداد تعلقاً بالمدينة، وسكانها، وأتحسّر على ماضٍ لم يسمح لي بالتعرّف على هذا البلد، جمهورية تاتارستان، والبلدان المُجاورة، والتي تجاوزت الـ80 وحدة جغرافية يتكون منها الاتحاد الروسي الحالي (جمهوريات، كرايات، أوبلاستات، مدن اتحادية، حكم ذاتي، ومناطق حكم ذاتي)، زائد البلدان المُنفصلة عن الاتحاد السوفييتي السابق.

*****

عنوان المهرجان باللغة الإنكليزية:
International Festival of Muslim Cinema
وبالعربية:
المهرجان الدولي لسينما الشعوب المُسلمة.
وفي الحالتيّن، يطرح العنوان إشكاليةً (مُبهمة) حول التوجهات المُعلنة، والمُضمرة، وفي الحالتيّن أيضاً، تزداد التساؤلات عن معنى:
* السينما المُسلمة.
* أو سينما الشعوب المُسلمة.
وهما السبب في سوء فهم الكثيرين الذين تابعوا دورته الثالثة، أو سمعوا عنه، وازداد الغموض اتساعاً مع النقاشات التي حدثت في أروقة المهرجان، وأحد المؤتمرات الصحفية، وتفاوت فهم الضيوف الحاضرين لتوجهاته.
بدايةً، أستبعدُ تماماً تصنيف السينما وُفق اعتقاداتٍ دينية: مسلمة، مسيحية، يهودية، بوذية. فالسينما، في عموميّتها، يصنعها مبدعون، لا يهمني خلفياتهم الدينية، بقدر ما يطرحون في أفلامهم من أفكارٍ بالطريقة التي تخيروها.
ومن ثمّ، لا أرغب بأن "يختطف" أياً كان السينما، و"يُقولب" أبعادها الإنسانية انطلاقاً من قناعة دينية، خاصةً، ونحن نعرف بأن الإسلام، وحتى اليوم، وقف (ويقف) بعنفٍ، وضراوةٍ، وعنادٍ ضدّ "الصورة" بشكلٍ عامّ، والسينما تحديداً، فما الذي جعلها خلال سنواتٍ قصيرة من عمر البشرية حلالاً؟ وأكثر من ذلك، أصبحت مثار اهتمام "المُتسامحين، والمُتصالحين" معها، وسوف يجرّنا عدم فهمهم لشموليتها الإنسانية إلى اختزالها، وتقسيمها، وتصنيفها دينياً، والمُحصلة المُفترضة إبعادنا عن الآخر، بدل الاقتراب منه.
بدون مُواربة، ومن أجل تأدية فرائضنا الدينية، يعرف المسلم طريقه إلى الجامع، ويتوجه المسيحيّ إلى الكنيسة، ويذهب اليهودي إلى المعبد،...، ولكنّ هؤلاء جميعاً، وغيرهم ممن يعتنقون دياناتٍ أخرى، وحتى المُلحدين منهم، يدخلون إلى قاعات السينما، بدون أن يسأل أحدهم عن الهوية الدينية للآخر، ويجلسون متجاورين لمُشاهدة أعمال مبدعين، بدون التفكير لحظةً واحدة بخلفياتهم...
ومن هذا المُنطلق، فإنّ "المهرجان الدولي لسينما الشعوب المُسلمة"، وبفهمٍ "ناقصٍ" لطبيعة السينما، ودورها، يُحاذي مناطق خطرة في توجهاته الحالية، والمُستقبلية ربما، ولن نكون سعداءَ أبداً لو سمعنا في يومٍ من الأيام عن مهرجانٍ "للسينما المسيحية"، وآخر "للسينما اليهودية" مدعومةً من أبشع الأنظمة الاستعمارية الجديدة، والتي سعت، وتسعى إلى تقسيمنا بكلّ الوسائل، والطرق، ومنها إثارة الاختلافات الدينية، والمذهبية، والطائفية، وسوف تصل الكارثة إلى مداها عندما يصل الأمر إلى تمويل مهرجاناتٍ للأفلام الشيعية، السنية، المارونية، الدرزية، المندائية، الآشورية،....عندها، سوف نعضّ على أصابعنا من الندم، إن بقيت لنا أصابع.
من جهةٍ أخرى، وبالإضافة لرفضي الواضح، والصريح لأيّ علاقة دينيةّ مع السينما، فإنّ التصنيف المُقترح من طرف المهرجان غامضٌ، ومشوّشٌ، ومُلتبس، خاصةً، وأن جوهر الإسلام يتعارض مع السينما نفسها، ولا أرغب بأن يتسامح أحدٌ معها بهذه الطريقة، فإما أن يقبلها كما هي، تاريخاً، وحاضراً، ومستقبلاً، أو يتركها في حالها، وأذكّر، بأننا نحن صُناع السينما، إنتاجاً، وثقافةً، دافعنا عنها منذ أن وعيّنا عليها، وعشقناها، حتى الوقت الذي انتصرت قناعتنا، وكنا سبّاقين بالتأكيد على أهميتها، وضرورتها، واليوم، وبنفس الحماس السابق، نريد من المعتقدات الدينية، الإسلامية خاصةً "المُتسامحة، والمُتصالحة" بأن تفهم الطبيعة الإنسانية للسينما أولاً، كي تستخدمها أداةً للحوار مع "الذات" قبل أن تتوجه بها نحو "الآخر"، لأنّ السينمائيين أنفسهم يرفضون (وسوف يرفضون) أيّ تصنيفات دينية لسينماهم، وأيّ اختطافٍ قسريّ لإبداعاتهم، وتدويرها وُفق معتقداتٍ ـ ربما ـ هم بعيدون عنها.

****

ولكن، ماذا عن اختيارات المهرجان من الأفلام، وهل توافقت فعلاً مع ما يطرحه؟
وقبل ذلك، دعونا نقرأ مقتطفاتٍ من قانونه الداخلي:
"يُقام المهرجان الدولي لسينما الدول المُسلمة 'المنبر الذهبي' للأفلام الروائية، والتسجيلية، وأفلام التحريك (الرسوم المتحركة) الطويلة، والقصيرة، سنوياً كمعرضٍ للأفلام التي تقوم بإنتاجها جهاتٍ، ودول مسلمة، أو مواضيعها حول حياة المسلمين،...."
وانطلاقاً من تحريم الصورة، والسينما، فإنّ الدول المُسلمة، ومن وجهة نظر عقائدية بحتة، لا يمكن أن يكون لها سينما، وما يُنجز فيها خارجٌ عن الأطر، والشرائع الدينية، ومهما تسامح الدين، وتصالح معها، لا يمكن أن تكون السينما "مسلمة"، أو "تعلن إسلامها"، لأنها ببساطة من المُحرمات، كحال الشيطان الذي حُكم عليه منذ بدء الخليقة، وحتى الأزل، بأن يكون شيطاناً.
إنّ "سينما الدول المُسلمة" تصنيفٌ وُفق جغرافيا دينيةّ لا يكشف عن مدلولاته بسهولة، هل المقصود هو السينما التي يصنعها المسلمون في هذه الدول؟ وفي هذا المنحى، هل هي الأفلام التي يُنجزها سينمائيون ملتزمون دينياً، ويُستثنى منها الأفلام التي يصنعها السينمائيون المُتقاعسون دينياً، أو العلمانيون، وفي هذا المنحى أيضاً، هل هي الأفلام التي يُنجزها المسلمون المُلتزمون، ويُشترط بأن تتطرّق حصراً للإسلام، أو ما يتوافق مع مُعتقداته؟
إن تاريخ السينما في نفس هذه الدول التي يقصدها المهرجان،هي نتاج مبدعين من كلّ الديانات، وعلى سبيل المثال، عندما نتطلع قليلاً إلى الماضي، وبدون عناء، سوف نتذكر العدد الكبير من اليهود الذين شاركوا بفعاليةٍ في صنع السينما المصرية، وأيضاً، لم يتساءل الجمهور العربيّ يوماً عن الهوية الدينية المسيحية لمن ساهم، ويساهم بازدهار هذه السينما (ويوسف شاهين واحدٌ من أعلامها)، وعلى مقربةٍ منها جغرافياً هناك السينما، والدراما السورية التي يختلط فيهما المُسلم، والمسيحيّ بهارمونيةٍ إنسانيةٍ فريدة، حتى أن الكثير من الفنانين المسيحيين يجسّدون أدوار شخصياتٍ مسلمة.
السينما إذاً، نشاط فنيّ إنسانيّ، لا يحتمل التصنيف دينياً، وهي تتوجه إلى البشر جميعاً بدون أن تسأل أحداً عن هويته، ولا نريد ممن كان يكرهها، وينبذها، ويُحرمها، ويُحاربها سابقاً،.. أن يُجاملها، ويُجمّلها على طريقته، ويضع على رأسها منديلاً يغطي عورتها، ومن ثم يطلب منها بلطفٍ، أو بحزمٍ ارتداء ملابس محتشمة، وأخيراً، يُجبرها بأن تختفي في جلابيةٍ سوداء.
لقد بدأت السينما، وتطورت عبر تاريخها بعيداً عن أيّ معتقداتٍ دينية، ولكنها لم تتغافل عن تقديم خطاباتٍ، واطروحاتٍ تُرضي هذا المُعتقد، أو ذاك، ولم تمتلك وسائل الدفاع عن نفسها ضدّ مجموعاتٍ عالمية نافذة وظفتها بذكاءٍ لصالح إستراتيجياتها، ولكنها لم تحصرها أبداً في خانةٍ دينيةٍ ما.
إذا كان الغرض من "سينما مسلمة" بأن تتوافق مع معتقداتنا، فإنّ السينما المصرية، وفي جزءٍ كبيرٍ منها، انطلقت أفكارها، وموضوعاتها، ومعالجاتها من اعتباراتٍ أخلاقية مستوحاة مباشرةً من تقاليدنا المُتوارثة، الإسلامية تحديداً، ومع ذلك، كانت السينما، والنشاط الفنيّ بشكلٍ عام، تُواجه بالرفض الدينيّ المُتصلب إلى حدّ المُواجهة، فما الذي أبطأ خصومها كثيراً بالانفتاح، والتسامح، وحتى الانبهار بها إلى حدّ تنظيم مهرجاناتٍ لسينما ترضيهم، وعزل أخرى تثير حفيظتهم، وربما يحتاج هؤلاء إلى سنواتٍ أخرى كي يفهموا بأن تصنيف السينما وُفق رؤيتهم، هي أبشع أنواع الرقابة المباشرة عليها، وأشدّها مرارةً.
إننا نرغب بأن تكون السينما كما يريدها مبدعوها، لا كما يريدها دينٌ معين، وبدون أيّ وصايةٍ من أيّ نوع، أو "علامة مسجلة" من هذا المهرجان، أو ذاك، تضع هذا الفيلم في خانة سينما إسلامية، وآخر في خانة سينما مسيحية، يهودية، بوذية،.. أو كافرة.

***

ومرةً أخرى، أعترف بدهشة، وبعد متابعة الاختيارات الرسمية للمهرجان للأفلام الطويلة، والقصيرة، الروائية منها، والتسجيلية، يتضح بأنها، في معظمها، لا تتطرق للواجهة الرئيسية المعلنة من منطلق تبشيريّ (وهذه النوعية من الأفلام نادرة في السينما، وهي تقتصر على تحقيقاتٍ صحفية تلفزيونية)، ولكنها، بالأحرى، تُجسّد قضايا إنسانيةٍ خاصة، وعامة، تشمل كلّ الأديان، كما القضية الفلسطينية المُتواجدة في أكثر من فيلم، وتعتبر تلك الاختيارات نقاطاً إيجابية لصالح المهرجان في تأكيد تعاطفه مع القضايا العربية، كما تظهر بأنه تجمعنا مع جمهوريات آسيا الوسطى الكثير من الهموم، والطموحات المُشتركة.
ولكن، من المُؤسف، بأنّ نفس تلك الأفلام قد عُرضت في مهرجاناتٍ أخرى، عربية، ودولية، وهو ما أبعد عن المهرجان "الخصوصية" التي ينشدها، ولم يكن مناسبةً لاكتشاف إبداعاتٍ يندر العثور عليها في لقاءاتٍ سينمائية أخرى، وبقيت تلك الاختيارات مفيدةً للجمهور المحلي، والضيوف الذين لم يشاهدوها سابقاً.
كان من المناسب، والمفيد (مثلاً) في مهرجان "المنبر الذهبي" اكتشاف سينماتٍ لا نعرفها، ولتكن سينما جمهورية تاتارستان نفسها، أو أيّ سينما مجاورة (كازاخستان، طاجكستان، أوزبكستان،....)، على أن تكون الترجمة مطبوعةً على الشريط، وليست تلك التي يؤديها مترجمون يجلسون في الصالة، ويلقونها بصوتٍ عالٍ يطغى على حوار الفيلم، يُضاف إليها غالباً ترجمةً إضافية روسية، حتى أنني شخصياً لم أستطع مشاهدة الأفلام الفرنسية، ولا حتى الفيلم المصري "معليش إحنا بنتبهدل" لمخرجه شريف مندور، ولا أعرف كيف وصل هذا الفيلم (التهريجيّ) إلى مسابقة المهرجان، وهي إشارةٌ واضحةٌ لتساهل لجنة الاختيار، وميلها إلى الموضوع الذي يقدمه الفيلم بسذاجةٍ كبيرة أكثر من جودة الفيلم نفسه، وبقدر ما كانت مشاركته مجاملة فجّة للفيلم، ومخرجه، والسينما المصرية، فقد كانت شتيمة وقحة للأفلام الأخرى المُشاركة، وللسينما بشكل عامّ.
من جهة أخرى، يشير القانون الداخلي للمهرجان، بأنه يقبل "الأفلام التي تقوم بإنتاجها جهاتٍ، ودول مسلمة، أو مواضيعها حول حياة المسلمين..."
ولهذا، فقد تضمّنت المُسابقة الرسمية للدورة الثالثة للمهرجان الدولي لسينما الشعوب الإسلامية -المنبر الذهبي:
* 16 فيلماً روائياً طويلاً من إنتاج:
إيران ـ العراق/هولندا/المملكة المتحدة ـ سويسرا/هنغاريا/فرنسا/ألمانيا/إيران/تونس ـ البحرين ـ مصر ـ الولايات المتحدة/كندا ـ النمسا/البوسنة، والهرتسك/ألمانيا/كرواتيا ـ روسيا ـ ألمانيا/فرنسا/المغرب ـ أندونيسيا ـ الهند ـ الولايات المتحدة/فلسطين ـ المملكة العربية السعودية ـ فرنسا/المغرب/الجزائر/بلجيكا.
* 12 فيلماً تسجيلياً من إنتاج:
روسيا ـ الولايات المتحدة ـ إيطاليا ـ الهند ـ البوسنة، والهرتسك ـ النرويج ـ الكويت ـ كندا/البرازيل/الولايات المتحدة ـ المكسيك ـ اليابان.
* 6 تحقيقات تلفزيونية من إنتاج:
روسيا ـ الدانمارك ـ السعودية ـ مصر ـ قطر.
* 6 أفلام قصيرة من إنتاج:
روسيا ـ انكلترا ـ مصر ـ كندا ـ أذربيجان ـ إيران ـ الإمارات العربية المتحدة ـ اسكتلندا ـ النمسا ـ قطر ـ الولايات المتحدة ـ أوزبكستان.
ومن الواضح، بأنّ الدول العربية حظيت بنصيبٍ كبير في هذا المهرجان، إلا أنه ـ بالمُقابل ـ أغفل انتاجات أخرى كثيرة تناسب توجهاته العريضة، ويتطلب الحصول عليها الاعتماد على شبكةٍ من العلاقات الاحترافية، ومتابعة متواصلة للسينما العربية، ثقافة، وإنتاجاً.
والشروط المذكورة أعلاه هي المبرر ـ ربما ـ في اختيار فيلم "القيادة إلى زيغزيغلاند" لمخرجته الأمريكية من أصلٍ أرمني نيكول باليفيان، أو "موريتانيا، المكتبات القديمة في الصحراء" لمخرجته الإيطالية روزيللا بيكسينو، أو "الحل الأخير" لمخرجه الهندي راكيش شارما، أو "لون الزيتون" لمخرجته المكسيكية كارولينا ريفاس، أو "أيها المارينز ارجعوا إلى بلادكم" لمخرجه الياباني فوجيموتو يوكيهيسا، أو "مكان اللقاء" لمخرجته...... اليهودية رونيت آفني.
ولكنني لا أفهم كيف تمّ تكوين لجنة التحكيم، ومن أيّ وجهة نظر، ورؤية شاهدوا الأفلام، وقيّموها، وأسماء معظمهم تشير بأنهم ليسوا مسلمين (وأعتقد بأنّ أحدهم يهودي):
* صفية العمري/ مصر.
* فاسيلي إيفانوفيتش أنتيبوف/روسيا
* إينال شيريب/روسيا
* أرفو إيهو /إستونيا
* أوديلشا أجيشيف /أوزبكستان
* رادوسلاف سباسوف/ بلغاريا
ومن الواضح أيضاً، بأنهم لا يمثلون بدقة الشعوب الإسلامية جغرافياً، وإلاّ كان المُفترض بأن يكون هناك عربيّ، أفريقيّ، آسيويّ، أوروبيّ، وأمريكي لاتينيّ،...
وفي هذه الحالة، لا أدري لماذا اختار المهرجان عنواناً "انتقائياً" لا يناسب اختياراته من الأفلام (التي يمكن أن تشارك في أيّ مهرجان آخر)، وأعضاء لجنة التحكيم؟
هذا التشوّش في توجهات المهرجان الأساسية، سوف يحصد الكثير من الانتقادات، وكان عليه توفيرها بعنوانٍ يفخر به أيّ مهرجان، وتتمنى أيّ مدينة الاقتران به: "المهرجان السينمائي الدولي في قازان" مثلاً، أو "مهرجان قازان السينمائي الدولي"، أو باختصار "مهرجان المنبر الذهبي"، ومن ثمّ يختار ما يناسبه من أفلامٍ، بدون أن يكون الإسلام شعاراً "ظاهرياًً". صلاح سرميني
قازان ـ جمهورية تاتارستان (روسيا الإتحادية)