مهرجان الجنادرية يجدد خلاياه

الرياض ـ من أحمد فضل شبلول
تقريب الماضي

تحسَّس الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز نائب رئيس اللجنة العليا للمهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) التغيرات التي شهدها المشهد الثقافي في الخليج، وخصوصا على جبهة الشعر، النبطي منه والفصيح، فقام بتصحيح الركود الذي صاحب بعض الدورات السابقة للمهرجان الذي وصل إلى ربيعه الرابع والعشرين، وأصبح أقدم المهرجانات العربية المهتمة بالتراث، وصار بحق مهرجان المهرجانات العربية في هذه الناحية.
وأشار مراقب ثقافي إلى أن التنظيم اللافت للمهرجان لم يخف حقيقة أن الشعر صار قضية مختلفة في الخليج، ولم يعد يكفي أن تستضيف شعراء لأيام معدودة يلقون بعض القصائد في أمسية شعرية ثم يمضون إلى حال سبيلهم، بل أصبح المهرجان الشعري بعامة، حركة ثقافية متواصلة على مدار العام كما أثبتت مسابقات شعرية مثل "شاعر المليون" و"أمير الشعراء" التي تنظمهما هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بدولة الإمارات العربية المتحدة.
من هنا كان لابد من وقفة لتجديد دم "الجنادرية" وخلاياه، وهو يخطو إلى عامه الخامس والعشرين ليظل على قدم المنافسة أو التكامل، رغم قدمه الذي يعد مكسبا قويا للحركة في اتجاه المحافظة على التراث في الوطن العربي، وعلى المضي قدما في سبيل ترسيخ القيم الثقافية الحقيقية في ظل عولمة متوغلة متغولة لا يستطيع أحد الوقوف أمامها إلا بالقبض على مالديه والتشبث به حتى لا يصير ريشة في مهب الريح، وهو ما يجاهد مهرجان "الجنادرية" من أجل تحقيقه بكتيبة عمل تتكون من. د. عبدالرحمن بن سبيت السبيت، وسعود بن عبدالله الرومي، وحسن الخليل، والعاملين معهم.
وعلى الرغم من عدم تبلور مصطلح "العولمة" في السنوات الأولى التي انطلق فيها المهرجان منذ أربعة وعشرين عاما، فإن التخوف من الذوبان في الآخر، والذي يأتي نتيجة لانفتاح المملكة المحسوب بدقة، على العالم الغربي، هو الذي قاد مفكرو المملكة ومثقفوها إلى محاولة استعادة الماضي والتأكيد على القيم الدينية والاجتماعية التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ باسترجاع العادات والتقاليد الحميدة، وإيجاد صيغة للتلاحم بين الموروث الشعبي بجميع جوانبه وبين الإنجازات الحضارية التي تعيشها المملكة، وتشجيع اكتشاف التراث الشعبي وبلورته بالصياغة والتوظيف في أعمال أدبية وفنية ناجحة.
وتأتي الندوات الثقافية للمهرجان لترسخ قيم الحوار مع الآخر منطلقة من ندوة مهمة تتلاقي فيها وجهتا النظر العربية والغربية هي ندوة "فلسطين بؤر التوتر وعوائق السلام وحوار الثقافات" التي شارك فيها على جلستين مجموعة من المفكرين والإعلاميين العرب والأجانب.
في حين سارت الندوات والمحاضرات الأخرى في مسار الحوار كقيمة ثقافية ودينية متأصلة، فمن ندوة "حوار الثقافات بين الغرب والإسلام" إلى محاضرة "الإسلام وحوار الحضارات تأصيل شرعي"، ومن ندوة "الهوية الدينية والوطنية .. الثقافات المشتركة"، إلى محاضرة "رؤية المملكة في الحوار والعلاقة مع الآخر".
ومن أمسية شعر الفصحى، التي شارك فيها أربعة شعراء من السعودية ومصر والعراق وموريتانيا، إلى ندوة تكريم د. عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر، إلى فعاليات النشاط الثقافي النسائي الذي شارك فيه مجموعة من السيدات في قاعة المحاضرات بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي بالمربع.
ولعل إقامة معظم هذه المحاضرات والندوات والأمسيات وحفل التكريم في قاعة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (في طريق المطار بالرياض)، وهو مكان يعد بعيدا نسبيا لمن يود الحضور، قد أسهم في قلة هذا الحضور بطريقة لافتة، رغم دسامة الموضوعات المطروحة وأهميتها، وربما هذا دعا أيضا إلى عزوف بعض الضيوف عن الذهاب بصفة يومية إلى تلك القاعة الفخمة التي تسع المئات من الجالسين.
أتذكر أن مثل هذه الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية كانت تقام في قاعة الملك فيصل في مكان قريب من الجميع، وهو العليا، لذا كنت أجد هذه القاعة مكتظة بالحضور البهي رجالا ونساء، فللنساء مكانهن المخصص، وكذا الأمر في في قاعة الشيخ محمد بن إبراهيم، لكنني لم أعرف على وجه اليقين هل حضر عدد من النساء للاستماع إلى هذه الندوات والمحاضرات، فلم يظهر صوت المرأة في الندوات التي حضرتها، أو الأمسية الشعرية التي شاركت فيها والتي فتح مقدمها د. محمد خضر عريف، باب المناقشة وتوجيه الأسئلة للشعراء فيها، فكان هناك تفاعل جميل بين جمهور المستمعين من أساتذة وطلاب، والشعراء.
مهرجان الجنادرية لم يقتصر بطبيعة الحال على الندوات والمحاضرات والشعر، ولكن كانت هناك أنشطة رائعة في قرية الجنادرية التراثية نفسها، وشارك فيها معظم الجهات بالمملكة، وتنوعت هذه الأنشطة بين تقدم نماذج من الحرف اليدوية ومعارض التراث، والمباني التقليدية، والألعاب الشعبية، وتمثيل للزراعة والسواني والحصاد وختام الأرض والمورد والدياسة والحراثة وبيت المزارع، ومدرسة الكتاتيب والفنون الشعبية.
وغير ذلك من أنشطة مثل معرض الكتاب ومعرض الفن التشكيلي ومرسم الأطفال ومعرض مكتبة الملك عبدالعزيز العامة ومعرض دارة الملك عبدالعزيز ومعارض القطاع الخاص والعروض الرياضية سواء ألعاب الجنادرية وسباق المعاقين. فضلا عن النشاط النسائي من حرف يدوية وأكلات شعبية وخيمة المثقفات.
واتسع البرنامج أيضا لعدد من أنشطة الشعر الشعبي، والمسرحيات التي قدمتها بعض الفرق المسرحية بجامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبدالعزيز، وجمعيات الثقافة والفنون ببعض المحافظات، ونادي الرياض الأدبي، مثل المسرحيات: موت المؤلف، والرصاصة الأخيرة، والأديب الغريب، ودكتور بالوراثة، وحفل الناي، والمحظوظ، والدنيا دواره، واستراحة العيال، ووجبة سريعة، وغير ذلك من مسرحيات سعودية.
وأقيمت محاورات شعرية وأمسيات شعرية شعبية وتم تكريم عدد من الشعراء الشعبيين.
وأهم ما يجذب الانتباه في جنادرية هذا العام، هو تدوين الأعمال التراثية عن طريق لوحات تشكيلية للفنان السعودي عبدالعزيز بن خليل المبرزي، وثَّقت للحرف والأدوات التراثية المستخدمة بإصدار يجمع بين المواقع التراثية والحرف الشعبية والموروث الشعبي، منها: بوابة الثميري بالرياض، وبوابة مكة بجدة، وباب المدينة المنورة، وبوابة دخنة بالرياض، وبوابة مصدة، وميناء الجبيل، وميناء العقير بالأحساء، وبعض تراث شركة أرامكو السعودية، وبعض الألعاب الشعبية، وبعض الأسواق.
بالإضافة إلى لوحات لصناعة الطبول والدفوف والتي تستخدم كإيقاعات في الفرق الشعبية، وتجارة اللؤلؤ، وصناعة النسيج، وصناعة المداد، وصناعة القطن، وصناعة السفن، والخباز، وحرفة الغزل، وراعي الإبل، والخراز، والنجار القديم، والصقار الصغير، وبئر فيصلة، ولوحات لبعض المدارس القديمة مثل المدرسة التذكارية بالبطحاء بالرياض، ومدرسة الهفوف الأولى.
كما أن هناك لوحة بديعة سميت بـ "القرقيعان" وهي من العادات التقليدية الشعبية القديمة التي كان يمارسها أطفال الحارة من الأولاد والبنات، وهي أن يقوم الأطفال بزيارة منازل الجيران وهم يرددون الأهازيج الشعبية لجمع الحلوى.
وغير ذلك من لوحات الطبيعة السعودية على شاطئ البحر مثل لوحة "طفولة على السيف" وهي لوحة لطفلين يلهوان على شاطئ البحر، ولوحة المراكب التي لا تستخدم في الوقت الحاضر إلا نادرا.
إن مثل هذه اللوحات تمثل جنادرية موازية، أو جنادرية التشكيل، ففيها أبدع الفنان في تقريب الماضي من خلال خطوط وألوان وإيقاعات لونية تراثية، بما يتماشى مع أهداف المهرجان الوطني للتراث والثقافة، ومنها العمل على صقل قيم الموروث الشعبي ليدفع برموزه إلى واجهة المخيلة الإبداعية ليكون في متناول المبدعين خيارات من موروثاتهم الفنية بألوان الفن والأدب. أحمد فضل شبلول ـ الرياض