من ينقذ العرب من صراعاتهم؟

لا يكاد يجتمع العرب في ايّة مناسبة الا واعلنوها بصوت جهوري لا تنقصه الثقة بالنفس والشجاعة ان الامة العربية تواجه تحديات ثم يبدأون بسرد تلك التحديات.

تحدّيات العرب لا تشبه تحدّيات الامم الاخرى.

هي عبارات في شكل تحدّيات او العكس.

تحدّيات العرب ملّونة، ويمكن ان تغير الوانها بحسب الظروف.

من له ولع في تتبع تحديات العرب خلال نصف القرن الماضي سيدرك بلا جدال كم تغيرت تلك التحديات عاما بعد عام.

تحدّيات العرب المقبلة مثل اوضاعهم متشظية ومتناثرة وليس من السهل السيطرة عليها.

يمعنون في تفسير التحديات في القمم العربية ويدبجون مقالات لا تؤذي مشاعر احد، بيانات تمر بردا وسلاما على الجميع.

لكن العرب وهم يفعلون ذلك فاتهم تضخم تلك الالة، المنتجة للتحديات وايضا انصرافهم عن شؤون انفسهم بالصراعات مع الغير.

العرب وهم يفسرون حجم ونوع التحديات يتغاضون عن صراعاتهم البينية، يتغاضون عن تاريخ حافل ومستقبل مجهول.

الكل مسرور سعيد والدنيا حلوة بينما الساسة مولعون بحديث التحديات كابرا عن كابر.

كأنهم اسسوا البيئة الحاضنة التي توفر بصمت لا تحسد عليه كافة متطلبات العيش ولكن بشرط عدم طرح سؤال من هو العدو.

ظل العدو الى جانب التحديّات يتغير في اطار المناورة ويتحول وسط الازمنة الى اشكال شتى، لهذا عند حديث التحديات لا بأس ان نتذكر ما قاله رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرا: "والآن سوف اتطرق الى الاخبار السارة والاخبار الممتازة التي تبعث بأمل كبير هي التغيير الهائل الذي يحدث في العالم العربي وهو عبارة عن دول عربية كثيرة لم تعد تعتبر اسرائيل عدوا بل حليفة لها وحليفة ضرورية".

هكذا تحوّل العدو الى وليٌ حميم، يصدر هذا الكلام عن نتنياهو وهو واثق ان نظرية جديدة للعدو والصديق سوف تصدر العام المقبل او بعد ذلك بمعنى انكشاف كتل الاصدقاء والاعداء ووقوع التغيرات الكبرى، الجغرافية والسكانية والاثنية وما اليها كنتيجة لحقبة ما بعد الصراع.

لكن العرب المشغولين بصراعاتهم لا تعنيهم كثيرا مسحة التفاؤل التي يطلقها نتنياهو وهو يعيش حقبة استثنائية تغصّ بالصراعات وينتجها العرب في كل وقت.

يا لها من اشكالية عندما تتهشم كثير من القيم الرفيعة تحت اجواء ما هو استثنائي بأن يكون العدو هو لزوم ما يلزم.

نظرة بريئة ومخلصة الى تلك الخطوط المتعرجة التي اسمها حدود بين الدول تعطيك حقيقة صورة العدو والصديق، هنا سوف تكتشف كثرة الجزر والتلال والجبال التي هي موضع نزاع بين العرب وعندهم تلك التلة او البحيرة او الرصيف البحري قصتها قصة حياة او موت وبين الحين والاخر تأتي على ذكرها بمزيد من الحنين.

لكن السؤال الذي تطرحه الاجيال الجديدة هو لماذا لا يجلس العرب لمناقشة صراعاتهم؟

ما هي مشكلتهم المزمنة في عدم مقاربة صراعاتهم، يا لها من مقدمة ثقيلة وتحتاج الى مجلدات لغرض تدبيج حيثياتها والخروج منها بحصيلة نهائية.

الكل تقريبا يجمع على التحديات والصراعات وانها تثقل حركة تلك القافلة المتشرذمة التي اسمها قافلة العرب في مقابل قوافل العالم التي تسابق الزمن وتضع في يوم علامة فارقة.

تنقّل العرب بين اشكال انظمتهم القومية والملكية والجمهورية والعسكرية الشمولية وغيرها ولكنهم حافظوا غالبا على فكرة الصراع وعلى بقاء العدو عدوا مادام متربصا، جارا واخا ولكنه وجد نفسه في خانة الصراع.

هنا سوف نتساءل عن شكل هذا العالم العربي السعيد وهو يتبنى اطروحة الصراع على انها حل ومنقذ من الخراب.

لكن الخيال لا يذهب بعيدا باتجاه قراءة او تمثّل واقع عربي من دون صراعات.

بالطبع هنالك من سيجد في شعارات الوحدة العربية سلوكا انتهازيا سوف يجد ضالته ساعة ان تنتهي الصراعات وذلك بسبب احباطات متراكمة سابقة عن تجارب وحدوية فاشلة، لكن ذلك جزء من وعي اشكالي مضطرب يرى في الحلول الجمعية اسوأ ما فيها ويتطير من التجارب المسرفة في رومانسية الثوار ولهذا صار الركون للصراعات وتحت شعار "دع الأيام تفعل ما تشاء" هو البديل الذي سيصنع الغد المشرق الغارق في صراعاته التي تمّ تحديثها.