من يكسر احتكار الخدمات الردئية للبنوك الاسلامية..!

بقلم: محمد حسن العمري

ثمة مؤسسات كثيرة وحتى محلات تجارية اليوم في الاردن تعطف اسم الاسلامي على مسماها التجاري وصلت الى شركات المرتديلا والحليب، في وسيلة تجارية صرفة قد تخفى على جملة كبيرة جدا من زبائنها، وهو امر مقبول جدا مثلا في ما يسمى بالمدارس الاسلامية التي تقدم مستوى تعليمي جيد ينافس بعض المدارس الدولية. والحال ذاته مقبول من المستشفى الوحيد في الاردن الذي استيق اسم الاسلامي، والذي يقدم خدمات ايضا منافسة مع المستشفيات العملاقة الاخرى ويتفرد باعتباره المستشفى الوحيد الذي يقدم مناوبة اطباء اختصاص على مدار الساعة خلاف بقية مستشفيات الاردن التي يناوب بها اطباء عامون، وتقتصر الخدمة الليلية على اطباء اختصاص بالطلب بالهاتف،لكن الامر مختلف جدا فيما يسمى بالبنوك الاسلامية التي ظلت محتكرة فردية لفترة قريبة ولم تزل محتكرة على بنوك محدودة اليوم.
في دول الخليج العربي تعتبر البنوك الاسلامية من افضل البنوك في الخدمات المصرفية، ويشترك فيها عشرات الالاف من المودعين والمستثمرين والتجار، ليس فقط لانها تتعامل وفق الشريعة الاسلامية بل بسبب تطور خدماتها المنافسة للبنوك غير الاسلامية، وضمن عملي هناك كنت اعرف المستوى الذي تقدمه مثلا مجموعة اسلامية عملاقة كالراحجي في السعودية وبنكي دبي الاسلامي وابوظبي الاسلامي التي تعتبر رغم البوابة المصرفية المفتوحة على العالم في الامارات من افضل البنوك العاملة هناك، وتجد الكثير من ابناء الجاليات الاسيوية غير المسلمين يفضلونها على البنوك الاخرى لحجم الخدمات والتسهيلات التي تقدمها، بينما وللاسف تقتصر خدمة المشتركين في هذه البنوك الاسلامية الاردنية فقط على الذين يبحثون على الاستثمار او الايداع الحلال في الاردن، وعددهم كبير، ومنهم رجال اعمال وشخصيات كبيرة تضيق ذرعا بمستوى الخدمات والتسهيلات المتاحة لدى هذه البنوك، وبقية موظفي الاردن الذين يفضلون تحويل رواتبهم لبنوك اسلامية تلافيا لاختلاطها بدخن الربا، مضطرين غير محبذين هذا التعامل، لكثرة التعقيدات وتواضع المستوى في غالبية التعاملات.
من المستحيل اليوم ان تجد فرعا لاي بنك اردني او غير اردني ان يطلب من مودع لديه اذا كان هناك خطاء لديه من ان يراجع الفرع الرئيس للبنك، الا البنوك الاسلامية على اتفه الاسباب والتي تكون ناتجة عن اخطاء في البنك نفسه تدعو المودع الى مراجعة الفرع الرئيس، وهو ما حدث معي مرات عديدة حيث قمت من اكثر من 15 سنة بتحويل قسم من الراتب من بنك غير اسلامي الى بنك اسلامي للابقاء عليه في الاردن لاغراض الضمان الاجتماعي، يتم تحويل هذا الراتب من بنك اردني كبير، لم يحصل اي خطاء فيه بالمطلق طوال هذه السنوات بينما في كل عام اعود الى الاردن اجد ان بعض الرواتب غير موجودة في الحساب بالبنك صاحب الخدمة الاسلامية، كان الموظف الذي يريد ان يتهرب من العمل على غرار موظفي البروقراطية الحكومية يقول لك – راجع البنك الرئيس- لتكتشف بعد ان تضطر لفقدان دماثتك وسلوكك القويم ومشاجرات لا داعي لها في مؤسسات تبحث عن العميل ان الخطاء من الفرع اصلا، وحتى لو لم يكن الخطاء من الفرع فالفروع وجدت في كل البنوك للتسهيلات وليست للتهرب من المسؤولية، حال المدير (الكبير) الذي حولني اليه موظف عادي يوما ما، في خطاء من البنك نفسه، ليرد علي بصورة تفتقر الى ابسط ابجديات مهارات التسويق في كشك صغير، كان يقول لي هذا (الكبير!) بالحرف الواحد: من الذي حولك عليّ!
لو كان هذا يحدث في اي بنك اخر، يقوم الموظف المحترم باستقبالك في ارقى صورة وربما يعتذر منك اذ كان الامر من غير صلاحياته في ابهى صورة وتخرج انت لتقديم دعاية مجانية لهذا البنك او ذاك!
في خلال بضعة دقائق اقوم بتحويل رواتب عشرات موظفيي الشركة لدى في اكبر البنوك الاردنية العاملة في الخارج وبالمعرفة المسبقة دون حتى طلب وثائق، بينما لو حاولت اسحب من حسابي الشخصي في بنك اسلامي اردني يتم تعديل توقيعي مع وجود الوثيقة الرسمية للاثبات في الاردن عدة مرات ورغم ايضا ان توقيعي هو اسمي نفسه بدون اضافات، كنت اظن ان هذا قد يكون سمة لفرع ما، لكن تبين لي ان هذه رؤية عامة للهذه البنوك الاسلامية حيثما حللت، قبل ايام كان اخي وهو استاذ بكلية الطب بجامعة العلوم باربد ويحمل توكيل عام باسمي يريد ان يسحب مبلغا من المال من الرصيد، وقد فعل قبلها عدة مرات ويفترض انه معرف لدى موظفي البنك العتيد في اربد، فقالت له الموظفة –الاسلامية- المحترمة ان عليه مراجعة الفرع الرئيس، او السحب فقط من الفرع الذي امتلك فيه الحساب، وبعد مجاذبة بينه وبين –كبار!- موظفي البنك خرج دون ان يقدر على السحب ودون ابداء الاسباب.
دأبت البنوك اليوم مع هذا التطور العملاق في العالم على استقطاب المستثمرين، وبعضها بل اكثرها يقوم مندوبيها بزيارة اصحاب الشركات ومدراءها لاستقطابهم او حتى لتحويل رواتب موظفيها، بينما زار صديقي صاحب شركة استيراد طبية ذات مرة لفرع كبير لبنك اسلامي، لتقديم تسهيلات خرج صاحبي بانطباع واضح انه دخل يستجدي البنك ولا يطلب خدمة تخدم البنك قبل العميل اصلا، لا اعرف مصدر هذه الحلقة المفقوده مع قناعتي ان البنوك الاسلامية من الممكن ان تكون الرائدة في بلد كالاردن يتجه العدد الاكبر من ابنائه بفعل التدين الفطري الى العمل وفق الشريعة الاسلامية، لا اعرف مرد هذه التواضع في الخدمات وحتى مستوى المرابح التي تتفاخر بها هذه البنوك والتي تنحسر احيانا الى 2 بالمائة، فيما وصلت مرابح اكبر بنك اسلامي عامل في اليمن وهو سبا الاسلامي الذي تمتلكه عائلة الاحمر ويديره امين عام التجمع اليمني الاسلامي للاصلاح حميد الاحمر، وصلت 15 بالمائة في العام الماضي، لكنه يعتمد في كادره على كفاءات تطويرية تم استقطابها من بنوك غير اسلامية وهو ذات الامر الذي يحدث مع البنوك الاسلامية العاملة بالخليج والسعودية.
يقول شيوخنا الكرام، ان الفرق بين السفاح والزواج هو العقد الغليظ الذي فرضه الاسلام بالزواج، وهو الذي يبقي على الحرث والنسل بين المسلمين، والفرق بين الربا والبيع شعرة، تجعل من الممكن على اي بنك غير اسلامي ان يعيد هيكلية تعامله المصرفي لتتناسب مع الشريعة الاسلامية، ويفتح فروعا للتعامل الاسلامي كما فعلت اكبر مجموعة مصرفية اردنية في العالم، ولو تم هذا على نطاق بقية البنوك فانه من الممكن ان يكسر هذا الاحتكار في الخدمات الردئية التي يضطر الشخص – اي شخص – للتعامل معها فقط ومائة مرة فقط لانها تتعامل وفق الشريعة الاسلامية.
لقد اثبتت الازمة المصرفية العالمية ان النظام التجاري الاسلامي هو نظام قويم، قادر على الاستمرار، اذا كان القائمون عليه قادرين على تقديمه بما ينافسه مع خدمات البنوك الدولية، كما فعلت بعض البنوك الاسلامية ونافست غيرها من البنوك التجارية، فنظام الاستثمار الاسلامي، سمح في البيع والشراء، ليس على غرار طريقة "شيلوك الجشع" في تاجر البندقية، وما تطلبه بعض البنوك الاسلامية ليس من اقتطاع رطلا من لحم المستثمر بل من عدد من الكفلاء الذي لا يطلبه اي بنك غيرها، ولا متساهلا على طريقة شركات توظيف الاموال التي نصبت لها الحكومة المصرية فخا اوقعتها قبل ثلاثة عقود وجعلت من النظام الاسلامي اداة للسخرية بين العامة، عبر عنه "الشيخ بسه" في ليالي الحلمية، كل هذا لا يعيب ولا يمكن ان يعيب النظام المصرفي الاسلامي في الاردن بل يعيب آلية تطبيقه التي تعتمد على حاجة الناس للنظام ولا تسعى بالمطلق الى المنافسة في عالم مفتوح باتجاهاته الاربع ونحو الفضاء اكثر. محمد حسن العمري