من يسرق بصر اطفال العراق؟

بغداد - من احمد الربيعي
الكبار يغتالون أحلام الصغار

يبحث عشرات الاطفال العراقيين ممن فقدوا نعمة البصر جراء الانفجارات واعمال العنف التي تجتاح العراق، عن النور والامل والعلم في احد معاهد بغداد معزولين عن بقية العالم الخارجي.
ويدرس هؤلاء الاطفال في "معهد النور" الواقع في حي الطوبجي (غرب بغداد) وسط اهتمام ورعاية معلمين ومعلمات يحاولون مساعدتهم للتعرف على ما يدور حولهم.
وتقول الطفلة صابرين علي (8 اعوام) التي اصيبت بالعمى جراء انفجار عبوة ناسفة على مقربة من منزلها "افرح كثيرا عندما احضر الى المدرسة وادرس مع بقية اصدقائي لاني اشعر بأني ارى العالم من خلال همسات معلمتي".
وتروي الطفلة التي كانت ترتدي قميصا بالوان زاهية وتحمل حقيبتها الصغيرة التي تحتفظ فيها بكتبها التي تقرأها بلمس اناملها البريئة، كيف فقدت بصرها قائلة "كنت ذاهبة مع والدتي الى السوق عندما انفجرت القنبلة ولم اعد ارى النور بعد ذلك".
اما محمد خالد (12 عاما) الذي اصيب بالعمى جراء عمليات القصف اثناء اجتياح العراق في اذار/مارس 2003، فوصف حزنه الشديد لانه لا يرى ولا يستطيع اللعب مع اصدقائه الذين اعتاد على اللعب معهم قبل ان يصبح ضريرا. وقال "اشعر اني معزول عن اصدقائي منذ اصبحت اعمى وحتى اهلي لا يتحدثون معي كثيرا".
واعرب عن امله في ان يرى النور من خلال دراسته. وقال محمد الذي يرتدي قميص المدرسة الابيض وسروالا انيقا "اشعر برغبة كبيرة في التعلم بالرغم من كوني لا ارى اي شيء لاني ابحث عن العالم من خلال كتبي وما اتعلم من اشياء في معهدي".
من جهتها قالت معلمة الاطفال اسراء مطلك (28 عاما) التي ولدت مكفوفة ودرست وتخرجت من المعهد نفسه الذي تدرس فيه اليوم، ان "تعليم الاطفال المكفوفين اسمى واهم رغم صعوباته لانه ينقل انسان من ظلام دامس الى بعض النور، وكوني احد فاقدي هذا النور اشعر باهمية ما اقدمه لهم".
وتضيف المعلمة التي تهتم بتعليم عشرة طلاب مكفوفين ان "تدريس المكفوفين ومعرفة مستوى ذكائهم يكون من خلال سرعة تقبلهم وتعاملهم مع الكلمات التي نقشت على صفحات الكتب".
من جانبها، قالت الطفلة نبأ فاضل (سبعة اعوام) "لم ينفجر شيء قربي ولكني ولدت عمياء ولم ارى اي شيء حتى امي وابي اعرفهما من لمساتهما وكلامهما معي، واعرف ابي من صوته".
واكدت نبأ ان والديها هما من احضراها لتتعلم القراءة والكتابة. وقالت ان "امي وابي جلباني الى هنا وشجعاني لاتعلم القراءة مع صديقاتي في المعهد" قبل ان تتوقف وتبدأ بذرف الدموع بشكل مفاجئ.
واضافت "لم احضر قبل ايام الى المعهد وتغيبت اربعة ايام بسبب اشتباكات وقعت في منطقتنا الاعظمية".
وكانت اشتباكات وقعت بين مسلحين مجهولين وقوات الامن العراقية والجيش الاميركي ليلة الاحد الاثنين الماضي رافقها اقفال كافة منافذ وطرق منطقة الاعظمية السنية حيث قتل ثلاثة اشخاص واصيب نحو ثمانية من المدنيين، حسب مصادر امنية عراقية.
من جانبه، قال مدرس مادة الرسم للاطفال المكفوفين عادل زيدان (36 عاما) "افرح واشعر بسعادة كبيرة عندما ارى رسوما بسيطة للاطفال وهم يحاولون وضع خطوط لاشجار وطرق ومنازل لان ذلك يساعدهم على معرفة العالم وما يدور حولهم".
واوضح زيدان الذي يقوم بتدريس الرسم لجميع تلامذة المعهد الذين تترواح اعمارهم بين ستة و14 عاما، "يجب ان يكون تدريس الرسم للمكفوفين عبارة عن وحي وشعور يحاكي انامل الاطفال وهم يلامسون صفحات تظهر وتبرز من خلالها الاشياء".
واكد ان "الخوف من اعمال العنف والارهاب يلاحق المكفوفين ويظهر جليا في رسوماتهم اما لسيارات محترقة او عبوات ناسفة حفرت شوارع المدينة".
وقالت امل رسول جعفر (42 عاما) مديرة المعهد الذي تأسس عام 1949 والتي تهتم بشؤون 106 من الطلاب والطالبات، ان "معهدنا هو واحد من اربعة معاهد في عموم العراق ونحن نعمل بدعم الحكومة العراقية من خلال وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والمساعدة الخيرية من متبرعين عراقيين".
واوضحت مديرة المعهد الذي يعمل فيه 18 مدرسا، بينهم سبعة مدرسين مكفوفين، ان "معهدنا بحاجة الى الكثير من المستلزمات الخاصة بتعليم المكفوفين لان توفير المعدات الحديثة يسهل ويساعد على التعلم وتقبل الاطفال المكفوفين بشكل علمي كما هو مطبق في اغلب بلدان العالم".
وناشدت مديرة المعهد الذي يعمل على ثلاث دفعات في اليوم (صباحا وبعد الظهر ومساء) "الامم المتحدة واليونيسف والمنظمات الانسانية بتقديم المساعدة والدعم للمكفوفين من اطفال العراق من خلال زيارة معهدنا والتعرف على ما نحتاجه".
واوضحت ان المعهد "يعمل على ثلاث دفعات يوميا لكي يتمكن من استيعاب المكفوفين في مدينة بغداد حيث هناك فترة الدراسة الصباحية واخرى بعد الظهر والمسائية وذلك لوجود قسم داخلي يسكنه 21 طفلا مكفوفا يسكنون المناطق الساخنة التي لا يوجد فيها معهد مماثل".
يذكر ان حوادث العنف والانفجارات اليومية التي يعيشها العراقيون لا تستثني الاطفال فيقتل منهم البعض ويصاب آخرون بجروح فيما يمارس اطفال عراقيون آخرون اعمالا شاقة رغما عنهم هربا من الفقر الذي يلاحق اسرهم.